المحتوى الرئيسى

الصّداقةْ بقلم: حسين أحمد سليم

05/04 20:08

الصّداقةْ بقلم: حسين أحمد سليم ما زِلتُ أبحثُ, مُنذُ طفولتي, مُروراً بشبابي, وحتّى كهولتي, وأنقّبُ في متاهاتِ هذه الأرضَ, الشّمطاءَ الغانيةَ الفانيةَ المرذولةَ, مُفتّشاً في كُلِّ ناحيةٍ, دانيةٍ أو قاصيةٍ, عنِ الصّديقِ الحقيقيِّ, المُخلصِ الوفيِّ, والخِلِّ المُنزّهِ, عنِ الغاياتِ والمقاصِدِ... ذاكَ الصدّيقِ الصّادِقِ, الذي لا وُجودَ لهُ في هذا العالمِ الموبوءِ بكُلِّ الرّزايا والزّرايا, عالمِ القهرِ والعُهرِ والضّياعِ, الذي يُطلِقونَ عليهِ, زوراً وبهتاناً وظُلماً, عالمِ الحضارةِ, وَ عصرُ الثّورةِ في كُلِّ شيءٍ... وكُلّما خالجني الظّنُّ, أنّني وجدتُ في الصّداقةِ ضالتي, وحقّقتُ ما أصبو إليهِ, ظفراً بالصّديقِ الأوحدِ, توكيداً لِلصّداقةِ المُثلى, سُرعانَ ما تصْدمني الحقيقةُ المُروِّعةُ, وَتُفاجئني التّجارِبُ الواقعيّةُ سلباً, فألفي نفسي مخدوعاً بما تراءى لي, ومفتوناً غباءً بالأصدقاءِ والصّداقةِ على حدٍّ سواءَ... فأتذكَّرَ ما كانَ يُحكى لي, أنَّ المُستحيلاتَ في هذهِ الحياةَ القاهرةِ العاهِرةِ, ثلاثةً, الغولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفيُّ, ويتراءى لي فلسفةً اجتهاديّةً, في المنظورِ التّفكيري تخاطراً وتحليلاً وتجلّياً, أنَّ الغولَ والعنقاءَ, يُمكنُ للإنسانَ العثورَ عليهما يوماً, وَيمكنِ أن يُشكِّلهما الفنّانُ في لوحةٍ من ابتكارِ الخيالِ, وَلكِنَّ الخِلَّ الوفيَّ, والصّديقَ الصّدوقَ, لا يُمكنُ لِلإنسانَ العثورَ عليهِ, حتّى في رؤى الخيالِ, أو في كوابيس الأحلامِ... ما أشدَّ كُرهي وَمَقتي واشمئذاذي, لِتلكَ السّاعةِ المؤلِمةِ لأمّي ولي... والتي وضعتني فيها, قهراً على قهرٍ, وألماً على ألمٍ, وكُرهاً على كُرهٍ... وَ فتّحتُ فيها عينايَ, فإذا أنا, قدْ وًلِدتُ في مكانٍ حقيرٍ فانٍ... تملأهُ الشّرورُ والمظالمُ والدّمارُ, وتطغى عليهِ حركاتُ الإجرامِ والإعتداءاتِ, وتروي أرضهُ الدّماءُ... يُطلِقونَ عليهِ جُزافاً وخطأً, العالمَ الإنسانيِّ... فيا ليتهمْ أسموهُ بالعالمِ الشّيطانيِّ, لكانوا أصابوا وصدقوا... فقبّحَ الله هذه الأرضَ, ومنْ فيها, وما عليها... فمنذُ وُلِدتُ فيها قدراً, أنا أشُكُّ بنفسي, ولا أثِقُ بها, وأشَكُّ بالجميعِ من حولي, ولا أثِقُ بأحدٍ, وحتّى بأقربِ المقرّبينَ لي... وهيَ رؤيتي الخاصّةِ, التي طبعتني بها, منذُ نعومةِ أظافري, وتتطبّعتُ عليها بالتّجاربِ, ونشأتُ على ميثاقها منذُ البدءِ... وغدوتُ منذُ وعيتُ الحياةَ, أشُكُّ بكُلِّ الأشياءَ من حولي, وَمن خلالِ شَكِّي الشّاملِ, بدأتُ أسبرُ كُنهَ كُلِّ الأشياءَ من حولي, وبدأتُ أفهمُ أسرارَ هذا الوجودِ, وأتعرّفُ إلى نفوسِ النّاسِ الذِّئبيّةِ الدّنيئةِ المُتوحّشةِ, وما تُخفي في طواياها من العهرِ والشّرورِ والفجورِ, التي تتخفّى تحتَ أرديةِ الإيمانِ المُزيّفِ... تجارُبُ الحياةِ علّمتني, أنَّ الصّداقةَ كالزّهرةِ الشّذيّةِ, عُرضةً لِلذّبولِ والفناءِ, وعلّمتني أيضاً أنَّ الصّداقةَ, التي تقومُ على المصالحِ واللذائذِ, وتُنمّيها الغاياتُ, لا خيرَ فيها, لمْ ولنْ ولا تدومُ على مرِّ الأيّامِ, وستفنى على كرِّ الأعوامِ... فلقدْ تصرّمتْ حِبالُ الصّداقةِ, ووهتْ خيوطها, وعفتْ آثارها, واندثرتْ معالمها, ولمْ ولنْ ولا تقومُ لها, في هذا الزمن الغادر الفاجر العاهر القاهر قائمةْ... ومهما تشدَّقَ البعضُ, أنَّ الصّداقةَ الحقيقيّةَ, تحيا في هذا العالمَ, فإنّهمْ لغواً يتشدّقونَ, مساكينُ أغبياءُ, إنّهمْ يهرفونَ بما لا يعرفونَ, ويهذونَ بما لا وجودَ له في واقعِ الحياةِ, أراجيفَ وأساطيرَ وأوهامَ تتراءى لهمْ ويكذبونَ... فيا أيّتها الصّداقةُ البريئةُ, أيّتها الصّداقةُ الحقيقيّة, أنبئيني, في أيِّ أفقٍ تحيينَ, وفي أيِّ بعدٍ آخرَ تُقيمينَ... فأنا واثِقٌ تمامَ الثِّقةِ, أنَّ الصّديقَ الحقيقيِّ, الذي يستطيعَ, أن يحتلَّ جزءً كبيراً, من وِجداني وروحي وقلبي وخاطري, لمْ ولنْ ولا يلفظهُ الغيبُ من العدمِ, ولمْ ولنْ ولا يلفظهُ أبداً... وغدوتُ لا أثِقُ بمخلوقٍ, تُظِلُّهُ سناءَ, ولا بمخلوقٍ تُشرِقُ عليهِ ذُكاءَ, فالّذي يُسمّى خطأً بالإنسانِ, مُتقلِّبٌ وخاضِعٌ لِسننِ التّغييرِ, وليسَ بثابتٍ في إيمانهِ وعقائدهِ, فكيفَ تكتمِلُ بهِ الثّقةُ؟! وكيفَ يكونُ صديقاً تفخرُ بهِ الصّداقةُ؟! أليستِ الثّقةُ بهؤلاءِ, هيَ في منتهى الغباءِ؟!, وغايةِ الجنونِ؟!... يجترِحُ المرءُ الطّيّبُ القلبَ أحياناً, خطأً كبيراً وفادِحاً, لطيبةِ نفسهِ وصفاءِ سريرتهِ, ونقاوةِ طويّتهِ, حينَ يعطفُ على من لا يستحِقُّ العطفَ, ويرتكبُ مُنكراً وشائنةً, حينما ينتشلُ من وهلةِ الهلاكِ المحقِّقِ, إلى مرفأ السّلامِ الأمينِ, من لا يستحقُّ هذه المساعدةِ... وسيجني طيِّبُ القلبِ, أشواكَ خطأهِ, الذي أوقعَ نفسهُ فيهِ عن قصدٍ, وسيكتشِفَ عاجلاً أو آجلاً, أنَّ الذي قدَّمَ لهُ العونَ, وساعدهُ على الحياةِ... ما هوَ إلاَّ غادِرٌ ماكِرٌ, وكاذِبٌ مُنافِقٌ, ولِصٌّ سارِقٌ, ومُجرِمٌ قاتلٌ, وأفّاكٌ آثِمٌ, ومُرائيٌ منافِقٌ... وسيتلمّسُ حقيقةً دامغةً, على حينِ ومضةٍ, أنَّ الذي انتشلهُ من عالمِ الجريمةِ والظّلامِ, وقادهُ إلى طريقِ الحُبِّ والسّلامِ, والذي انتشلهُ من هوّةِ الضّلالِ والفجورِ, وارتقى بهِ إلى فضاءاتِ الحرّيّةِ والنّورِ, سيتلمّسُ أنَّ هذا الشّخصُ تناسى كُلَّ هذا الخيرِ, وأخذَ ينهشُ في من لا يحقُّ لهُ, أن يرفعَ إليهِ بصرهُ, أو يرنو إليهِ بنظرهِ... وعِندها, سيتحوّلُ الحُبُّ الشّديدُ في القلبِ الطّيّبِ, وسيجنحَ إلى عاطِفةِ إهمالٍ وعدمِ اكتراثٍ, وسيندمُ بعدَ حينٍ على ما بنى عليهِ الآمالَ, وسيكونُ ندمهُ شديداً وَبالِغاً, ولكِنْ دونَ جدوى, فقدْ فاتَ الأوانُ... ألا لعنَ الله ذلكَ الشّخصَ, الذي يشطُّ وينحرِفُ عن الطّريقِ, الذي أقسمَ الإيمانَ المُغلِظةِ, وأشهدَ الله وعاهده واعدا, ووعده على ذِمّتهِ بالسّيرِ فيهِ حتّى النّهايةَ... بحثتُ كثيراً عنِ الصّداقةِ الحقيقيّةِ, وبحثتُ أكثرَ عن الصّديقِ الحقيقيِّ المُخلِصِ, وفتّشتُ طويلاً, حتّى كلّتْ قدمايَ من كُثرةِ المسيرِ, وأرهِقتْ نفسي من التّعبِ, ولكنْ دونَ جدوى, لأنني اكتشفتُ, أنَّ النّفسَ البشريّةَ, أمارةٌ بالسّوآتِ, مجبولةٌ على الضِّعةِ واللؤمِ, والختلِ القبيحِ... فغدوتُ في حياتي, لا أؤمِنُ بمخلوقٍ البتّةَ, ولا أأمنَ لِصديقٍ, مهما قرُبَ إلى قلبي, ومهما ظننتُ, أنّهُ لا توجدُ غاياتٌ وتمنّياتٌ, حتّى عندَ أقربِ إنسانٍ, أعتقِدُ فيهِ الصّدقَ والولاءَ... وأضحيتُ لا أثِقُ بأحدٍ, ولا ثِقةَ لي بأقربِ المُقرّبينَ لي, لأنَّ الحياةَ الإنسانيّةَ, مبنيةً على أسسٍ شيطانيّةٍ وشرّيرةٍ, وليستِ النّظمِ البشريّةِ ترقى في مفاهيمها وأعرافها, وليستْ ساميةً كالنّظمِ السّماويّةِ... واأسفاهُ, فكُلُّ يومٍ, تتكشّفُ لي, النّوايا الدّنيئةَ والسّيّئةَ المُستتِرةَ, التي تُحطِّمُ فؤاديَ المِسكينِ الطّيّبِ, الذي عانى ويُعاني الكثيرَ من الأسى والحزنِ والشّقاءَ... واويلتاهُ, من هؤلاءِ البشرِ الذينَ ليسوا أهلاً لِلثّقةِ, أشباهُ البشرِ وليسوا ببشرٍ, لأنَّ المرءَ ذاتهُ, ليسَ أهلاً, لأن يكونَ لهُ ثِقةً بنفسهِ, لأنَّ النّفسَ أمّارةٌ بالسّوءِ, مطبوعةٌ بطابعِ الشّرِّ, منذُ وِلادتها, بلْ قبلَ أن ترى, نورَ هذهِ الدّنيا الفانيةِ الآثمةِ... ولله الأمرَ والنّهيَ, ففي كُلِّ يومٍ, أكتشِفُ نوعاً جديداً, من أنواعِ الختلِ البشريِّ, فيزدادُ حزني, وتُنتزعُ ثقتي بهمْ, ولا أعودُ أطمئنُّ إليهمْ, وتنفرُ جميعُ ميولي وإحساساتي ومشاعري منهمْ, وكمْ أودُّ لوْ أعتزِلُ هؤلاءَ البشرِ, وأنأى عنهمْ في أقاصي الغاباتِ, أو أتسلَّقُ أعالي القِممِ, وألجأُ إلى صومعةٍ, على أن أكونَ قريباً, من أناسٍ مُراؤونَ مُنافِقونَ, يُظهِرونَ غيرَ ما يُبطِنونَ, ويُقسِمونَ بالإيمانِ المُغلِظةِ, وهمْ كافِرونْ, ويُشهِدونَ الله على وُعودهم وعهودهم, وهم أفّاكونَ كاذِبونَ... ما أقسى نُظُمِ هذهِ الحياةَ, وأعرافها الفانيةِ, وما أقلَّ الصّداقةَ الحقيقيّةَ في هذه الأرضَ الشّمطاءَ العاهرةَ, وما أخسَّ نفوسَ النّاسِ, في معتركاتِ العيشِ... وما أفدحَ ما طعنتني بهِ الأقدارُ, على أيادي أقربِ المُقرّبينَ لي من الأصدقاءِ, وعلى أيادي من يدّعونَ الإيمانَ بالله, لِغاياتٍ شيطانيّةٍ في أنفسهمْ, ويدّعونَ الإلتزامَ بأديانِ السّماءِ, وشرائعِ الله, ومساراتِ الحقائقِ, وما أمضّهُ على النّفسِ... ويا لفؤادي, المُعذّبَ الحزينِ, الذي حطّمهُ لؤمُ أصدقاءٍ, كُنتُ أظنّهمْ أحبُّ النّاسِ لي, وأقربهمْ إليَّ... فمن الغباءِ, أن يأمنَ المرءُ لإبنِ أنثى, فلا يخطرُ ببالِ أحدٍ, أنّ الصّداقةَ الحقّةَ, تحيا على هذهِ الأرضَ, التي لا تزخرُ, إلاّ بالنّقائصِ والنّقائضِ والرّذائلِ... وآهٍ على الصّداقةِ ومنها, إنّها مفقودةٌ, ولا وجودَ لها, فوقَ هذهِ الغبراءَ الملعونةَ... فنفسي حزينةٌ, من غدرِ ولؤمِ, من كُنتُ أخالهم, أصدقائي حتّى الموتِ, لقدْ خابَ فألي, إذْ عرفتُ, أنّ الصّداقةَ الحقّةَ, إن هيَ, إلاّ ظِلٌّ من الظِّلالِ, سرعانَ ما يُلاشيهِ العدمُ, ويعفي عليهِ الفناءُ... أنا إبنُ الأحزانِ والأشجانِ, ولمْ ولنْ ولا أثِقُ بعدَ اليومِ بإنسانٍ, إلى أن يُواريني الجدثُ, وأصبِحُ في ضميرِ النّسيانِ... واهاً عليكِ أيّتها الصّداقةُ الذّبلةُ, الصّداقةُ التي آمنتُ بها, وفي النّهايةَ, تكشّفتْ لي حقيقتها, فبكيتُ بدلَ الدّمعِ دماً قانياً, لأنني عرفتُ أنّها خرافةً باطِلةً... فالصّداقةُ والحبُّ والأمانةُ والولاءُ والعطفُ والأخاءُ والتّضحيةُ ونكرانُ الذّاتِ... جميعها كلماتٌ خرافيّةٌ جوفاءَ, لا روحَ فيها, ولا معنى لها... فلقدْ انتزعتُ الثّقةَ من أعماقِ فؤادي, بأيِّ مخلوقٍ, يعيشُ على هذهِ الأرضَ الحقيرةَ, ولمْ ولنْ ولا أعودُ إلى إيماني السّابقِ, ذلك الإيمانُ المسكينُ, الذي كشفتْ ليَ الأيّامُ عنهُ, فإذا بهِ هزيلاً يستحفُّ المراثي... وسأحاذِرُ ما حييتُ, الأوغادَ الأدنياءَ, من يدّعونَ الصّداقةَ, وهم ذِئابٌ خونةٌ...

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل