المحتوى الرئيسى

من يحدد للكاتب أين يتحرك وأين يقف؟

05/04 08:19

جاسر عبدالله الحربش أمسك بالقلم هذه المرة وفي أصابعي رعشة الحذر من الدخول سهواً في دائرة المساءلة. هذا الشعور لم يكن موجوداً قبل التعديل الجديد في نظام المطبوعات والنشر. الخوف بالتأكيد ليس من مقاصد القيادة العليا ولا من جوهر التعديل بنصه، بل من الرجال الذين سوف يتعاملون مع النص المعدل. الخوف بتعبير أكثر صراحة هو من تضارب الأهواء وحرص أجهزة الرقابة على تضييق الواسع وتوسعة الضيق. المقصود بالواسع هنا هو التعرض بالنقد المفتوح لكل ما هو دنيوي، من بشر على كراسي المسؤولية بأنواعها ومن مشاريع وخطط وتصريحات وتصرفات يرى الكاتب أنها تستحق نظرة ناقدة للفت قمة الهرم السياسي إليها. الكاتب يعرف حرص مراكز المسؤولية العليا في الاطلاع على آراء المثقفين والكتاب وأصحاب الرأي. لكنه يعرف أيضاً حرص بعض المسؤولين فيما تحت قمة الهرم على طمس آثار ما يخفقون فيه أو ما لا يرغبون في تغيير ما اعتادوا عليه عرفا ومصلحة وممارسة. سوف أغامر وأعبر عن مكامن الخوف عندي من إمكانية التأويل وتضارب المصالح الشخصية وتأثير الهوى والرغبات في بعض الفقرات الواردة في التعديل. 9-1: تعديل المادة التاسعة: يلتزم كل مسؤول في المطبوعة بالنقد الموضوعي والبناء الهادف إلى المصلحة العامة والمستند إلى وقائع وشواهد صحيحة. يكمن الخوف هنا من تقديم المسؤول في المطبوعة مصلحة مطبوعته ومصلحته الشخصية بطريقة مبالغ فيها. أخاف أن يرى المسؤول في المطبوعة في كثير من محاولات الانتقاد لعدم تحقق العدالة الاجتماعية في أمر أو مكان ما، أو لعدم الكفاءة الإدارية لمسؤول كبير، أو لنقص الرأي والتخطيط في مشروع ما إخلالا بمصلحة مطبوعته أو مصلحته الشخصية. الخوف هو أن يرى مسؤول المطبوعة في ذلك ما قد يعرضه للمساءلة والتأنيب والغرامة. من وما الذي سوف يحدد لكل مسؤول في مطبوعة أو أداة رأي أين يقف ومتى يتحرك. أعصاب وقلوب المسؤولين عن هذه المطبوعات وعمقهم الثقافي ونظرتهم إلى مكانهم ومصلحتهم المهنية الآنية والمستقبلية داخل المطبوعة وخارجها تختلف من واحد إلى آخر. التعديل في هذه الفقرة يضع مجالاً واسعاً للرقابة الذاتية المصلحية عند الكاتب وعند المسؤول عن المطبوعة. هذا يضعف كثيراً من قوة الطرح فكرياً وأسلوباً ويستبدل بها عقلية الحذر والاحتيال واللف والدوران في العرض والتعبير. في هذه الحالة لا يعود النقد إصلاحياً وإنما تعبيراً إنشائياً يثير السخرية ولا قيمة له لا في الداخل ولا في الخارج. 9-6: يحضر أن ينشر بأي وسيلة كانت ما يضر بالشأن العام في البلاد. هذا التعديل مفهوم ضمنياً وشرعياً ووطنياً وأخلاقياً لأن الخروج على مضمونه يعتبر سفاهة وخروجاً على المصلحة الجامعة. لكن السؤال هو من وما الذي يضمن للكاتب أن ما يعتبره هو في قلب المصلحة الوطنية الجامعة قد يعتبره الرقيب إضراراً بها. الموضوع هنا بالذات يمس التعرض للنواقص والعيوب الإدارية والقضائية والاجتماعية واعتبار السكوت عنها هو ما يشكل حقيقة إضراراً بالشأن العام في البلاد. الفقر والبطالة وبخس المرأة حقوقها وتزويج القاصرات والعنف الأسري وسرقات المنازل وتكسير السيارات في الشوارع بقصد السرقة وتواجد الأعداد الهائلة من مخالفي نظام الإقامة ومشاكلهم الأخلاقية والاجتماعية، كل تلك الأمور من الممكن أن يعتبر الشخص ذو الصدر الضيق قي أحد مراكز المتابعة الرقابية أن التعرض لها في وسائل الرأي والإعلام يشكل إضراراً بالشأن العام للبلاد. كيل المديح والعزف على وتر كل شيء على ما يرام له ألف أب وعم وخال، لكن تقليب المواجع وكشف الجروح ليس لها أقارب سوى من يتطلعون إلى البحث عن علاج. 9-7: يحضر أن ينشر بأي وسيلة كانت وقائع التحقيقات أو المحاكمات دون الحصول على إذن من الجهة المخولة نظاماً. سؤال: ما هي الجهة المخولة نظاماً إعطاء الإذن في نشر وقائع التحقيقات والمحاكمات؟. هذه إن وجدت سوف تكون بما يشبه المؤكد دائرة حكومية تقع داخل منظومة السلطة القضائية أو التنفيذية. هل هذه الدائرة سوف تتجاوب حقيقة لا افتراضاً مع طلب الحصول على إذن النشر في وسيلة إعلام عامة عن قضية خلافية بين طرفين أو عدة أطراف قد تكون أحدهما جهة حكومية؟. أحتفظ لنفسي بميزة الشك حتى يثبت العكس. في الختام.. لا خلاف على المقاصد النبيلة فيما أمر به المقام السامي من التعديلات في نظام المطبوعات والنشر لكن، وبما أن الرجال يعرفون بالحق والحق لا يعرف بالرجال فإن الخوف من أهواء بعض الرجال الذين لا تتسع صدورهم إلا لتضييق الواسع وتوسعة الضيق. في كل الأحوال العبرة بالنتائج. * نقلا عن "الجزيرة" السعودية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل