المحتوى الرئيسى

معنى الثورة (1)

05/04 08:05

ليس تقليلاً من قيمة الثورة، ولكن عندما خرجنا كمصريين إلى الشوارع لم يكن بهدف الثورة، على الأقل هذا رأيى الذى بدأ فى التشكل بعد المشاركة الكاملة فى أيام الثورة بدفع الأدرنالين، ظنى اليوم هو أنه يوم أن خرجنا لم نكن نهدف لثورة، بل لأننا كنا نعيش فى بيت قديم منتهى الصلاحية اسمه مصر، بيت آيل للسقوط فى أى لحظة، وكنا نتوقع أنه سيسقط على رؤوسنا فى أى يوم. بدأ البيت فى الانهيار يوم 25 يناير وبدأ ينزل طوبة طوبة، وبدلاً من أن ينهار البيت على رؤوسنا خرجنا إلى الشوارع ليس من أجل تغيير النظام ولكن من أجل تفادى الطوب الساقط علينا من أعلى، ودليلى على أننا خرجنا إلى الشوارع هربا من السقوط الكبير هو أننا، حتى هذه اللحظة، لم نتحدث عن الثورة كإعلاء لحرية الفرد، بمعناها المطلق ولم يتغير سلوك الإعلام المصرى قيد أنملة عن سابقه، فالثورات تحرر البشر ولا تبدل عبودية نظام بعبودية نظام آخر، أياً كان هذا النظام، سواء كان نظام الإخوان المسلمين أو السلفيين أو العسكر. الثورة تعنى الانتصار لقيمة الحرية، فلا يستقيم للعقل أن ننشد الحرية ونسير سير العبيد، وقانون السير فى مصر اليوم هو سير العبيد تحت تهديد البلطجة بأنواعها: البلطجة الإعلامية والثقافية والسياسية.  منذ 25 يناير وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم أُقابل المصرى الحر بالمعنى الحق للكلمة، فالحرية إحساس بأنه ليس هناك من يراقبك من حيث سلوكك الدينى أو الاجتماعى إلا ضميرك أنت وما ترتضيه لنفسك. رأيت مصريين يراقب بعضهم البعض، ورأيت نظاماً بوليسيا ودينا سلفيا يتشكل على الأرض، وليته الدين السمح الذى كان الهدف من إرسال رسائل السماء، بل دين يدعو للكراهية وليس الحب والتسامح. الدين تسام ورقى، وليس تخلفا وانحطاطاً، ولنا فى رسول الله قدوة حسنة. ما رأيته هو نظام بوليسى ليس أقل من أمن الدولة فى النظام السابق أو العسس فى بغداد العباسية وبغداد صدام. تتلفت حولك فتجد عيوناً تراقب عيوناً.. نظام مراقبة صارم ونميمة واغتيال أشخاص أمامك ولا تملك إلا أن تهز رأسك بطريقة لا يفهم منها الموافقة أو الرفض، محاولة لكى تنفد بجلدك من البلطجية أو الشبيحة كما يقول الإخوة فى سوريا، البلطجة سادت فى مصر على كل المستويات، والبلطجى ليس من يحمل مدية أو سيفا، بل هناك البلطجى الذى يلبس أغلى البدل ورابطات العنق، ولكنه بلطجى فى النهاية. كنت فى واحدة من الجلسات بين المثقفين، ومرّ رجل فألقى السلام، فى بلاد الغرب وفى البلاد العادية لا يستوقفك الأمر، أما فى مصر فتبدأ الأسئلة: من يكون، ومَنْ هو، وما أصله وفصله، ومن كفيله، أى يتبع أى نظام بلطجة فى البلد ومن المعلم، ولماذا هو هنا فى فترة الثورة هذه؟...  إلى آخر أسئلة المؤامرة التى كانت سمة أساسية من سمات النظام السابق.. النظام السابق لم يكن ديكتاتوريا صارما فى نهايته، قبل لحظة انهيار البيت على مَنْ فيه، بل بعد خمس وعشرين سنة من حكم مبارك، تشرَّب الشعب الديكتاتورية كنظام حكم، امتصها كما تمتص الإسفنجة الماء، ولذلك وفى السنوات الخمس الأخيرة كان نظام مصر الديكتاتورى يحكم من تحت وليس من فوق، كان الصحفى جاسوسا، وكان المعلم فى المدرسة مخبرا، وكان رئيس الجامعة مخبرا آخر، وكان السلفى طويل اللحية جاسوسا أيضا، شىء أشبه بنظام البنبتكون الذى تحدث عنه ميشيل فوكو فى العقوبة والسجن، كان كل المصريين سجناء يقضون عقوبة فى بيت كبير أو سجن كبير آيل للسقوط، ولما سقط خرجوا للشوارع لإنقاذ أنفسهم، وليس ثورة على التوريث، فالتوريث موجود فى مصر، وإن كان يظن المصريون أنهم قضوا على جمال مبارك الوريث، فهناك نظام توريث كامل فى كل المجتمع المصرى، ابن الوزير وزير، وابن السفير فى الخارجبة سفير وابن القاضى قاض، وابن ضابط الشرطة ضابط شرطة... إلخ، لا شىء تغير، لم يتغير لا الإعلام ولا القضاء ولا الشرطة.. ولا الدبلوماسية، فقط تغيرت بعض الوجوه، ولكن المجتمع لم يخط خطوة واحدة للانتقال من مجتمع المكافأة إلى مجتمع الكفاءة. مصر التى أراها اليوم لا يمكن أن أصفها بأنها مجتمع ثورى، فالثورى إنسان ينشد الحرية لنفسه ولغيره، وهذه صفة لا أجدها فى أى من مكونات الطيف السياسى أو الاجتماعى فى مصر، فلا السلفى القادم من الماضى يؤمن بالحرية، ولا من تربى فى ظل نظام بوليسى كنظام مبارك يؤمن بالحرية أو يعرفها ويتعرف عليها حتى لو «خبطته فى وشه وهو ماشى». نحن أما مشروع إنتاج لمصر بشع ومخيف. والأمر يحتاج إلى وقفة من كل المصريين، ينظرون فى المرآة قليلا ليروا ماذا هم بأنفسهم فاعلون، وهذا ليس بدعوى أن النظام السابق كان أفضل، كما يروج أزلام النظام، ولكن مصر تستحق الحرية، ويجب ألا نستعبد أهلها لا باسم مبارك، ولا باسم الثورة. الحرية هى القيمة الكبرى، وهى نفسها أندر سلعة فى مصر بعد الثورة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل