المحتوى الرئيسى

أولادنا: نريد مسكنا ننمو فيه غدا

05/04 06:38

محمد بن ناصر الجديد ''هناك نقص في رصيد المباني السكنية، ودون توافر موارد موثوقة لتمويل البناء والتشييد فإن مؤسسات البناء لا تستطيع دفع تكاليف مواد البناء والأراضي وتكاليف الأيدي العاملة. وفي غياب نظام إقراض طويل الأجل على غرار الرهن العقاري، فإن الطلب على الإسكان من قبل الأسر ذات الدخل المتوسط والمعتدل يأخذ في التراجع بسبب عدم قدرة تلك الأسر على ادخار ما يكفي من المال لمواكبة ارتفاع أسعار المساكن''. توصية حكيمة تحاكي واقع تحديات قطاع الإسكان في المملكة اليوم صدرت قبل 36 عاما في التقرير الأول لوزارة التخطيط بعيد إنشائها في 1975 (صفحة 508-511). سلطت هذه التوصية الضوء على تحدي الإسكان كتحدٍ رئيس يواجه عملية تنمية الاقتصاد السعودي إبان تلك الحقبة الزمنية. صدرت التوصية على غرار توصية سابقة صدرت عما كان يعرف بالهيئة المركزية للتخطيط في 1970 في تقريرها السنوي قبل أن تحول إلى وزارة للتخطيط في 1975. أسهمت هذه التوصية في إنشاء صندوق التنمية العقارية بهدف رئيس مفاده مواجهة تحدي الإسكان الذي يواجه العملية التنموية السعودية من خلال ''تقديم القروض للأفراد والمؤسسات لإقامة مشروعات عقارية للاستخدام الخاص أو الاستخدام التجاري على نحو قروض خاصة و استثمارية''. أسهم صندوق التنمية العقارية بشكل رئيس في مواجهة تحدي الإسكان من خلال تقديم حلول إسكانية فريدة في حداثتها على العملية التنموية السعودية إبان تلك الفترة. أسهمت هذه الحلول في مواجهة تحدي الإسكان في الماضي، لكنها وعلى الرغم من إسهاماتها في الماضي، إلا أن عودة شدة تحدي الإسكان اليوم يدعونا إلى النظر في أدوات إسكانية فريدة بمعيار اليوم تكون قادرة على العمل جنبا إلى جنب مع صندوق التنمية العقارية وزملائه من صناديق الإقراض الحكومية الأخرى؛ مما من شأنه ليس مواجهة تحدي الإسكان فحسب، وإنما في إراحة بال المواطن السعودي لدعمه في استثمار طاقاته البشرية في مجالات تنموية أخرى في حاجة إلى جهود هذا المواطن بشكل أكثر من مجال توفير المسكن. فعندما ننظر إلى تاريخ العملية التنموية السعودية نجد أن هناك مجموعة من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المملكة منذ مطلع القرن الماضي حتى اليوم، وأسهمت ليس في وصول المملكة إلى حالتها الحالية من النمو والرخاء فحسب، وإنما في زيادة الاهتمام بالمستقبل وما يحمله من تحديات وآفاق أضفت الحماس نحو تسخير إمكانات اليوم بما يضمن الاستثمار الأمثل لفرص الغد، بعون الله تعالى وتوفيقه. من أهم المحاور التي شهدت تغيرا ملحوظا في منظومة المملكة قطاع الإسكان بمروره بخمس مراحل متسلسلة أسهمت في إيصاله إلى هيئته الحالية من الإنجازات مع وجود مثيلها كما وكيفا من التحديات. الأولى ''مرحلة ما قبل الطفرة'' (1960 - 1972)، والثانية ''مرحلة الطفرة'' (1973 - 1981)، والثالثة ''مرحلة ما بعد الطفرة'' (1982 - 1990)، والرابعة ''مرحلة التخطيط التنموي الشامل'' (1991 - 2005)، والخامسة ''مرحلة إعادة البناء الاقتصادي'' (2006 - 2024). اتسمت كل مرحلة بسمات اقتصادية وتنموية مختلفة نستطيع أن نتعرف عليها من خلال إعادة قراءة تطورات مساهمة قطاع الإسكان في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بالأسعار الجارية. حيث يشير تقرير مؤسسة النقد العربي السعودية الأخير (رقم 46) إلى أن قطاع الإسكان في المملكة أسهم فيما معدله قرابة 3.68 في المائة سنويا من الناتج المحلي الإجمالي خلال ''مرحلة ما قبل الطفرة'' (1968 - 1972). ثم تضاعفت هذه المساهمة لتصل إلى ما معدله قرابة 7.23 في المائة سنويا من الناتج المحلي الإجمالي خلال ''مرحلة الطفرة'' (1973-1981). ثم استمر معدل النمو في مساهمة قطاع الإسكان خلال ''مرحلة ما بعد الطفرة'' (1982 - 1990)، لكن بوتيرة أقل من المرحلة التي سبقتها لتصل إلى ما معدله قرابة 8.66 في المائة. ثم بدأت مساهمة قطاع الإسكان في الناتج المحلي الإجمالي بالتراجع منذ 1991 وحتى اليوم. فوصل معدل المساهمة السنوي هذا إلى قرابة 6.32 في المائة سنوياً خلال ''مرحلة التخطيط التنموي الشامل'' (1991 - 2005). ثم استمر معدل المساهمة السنوي في التراجع ليصل إلى 4.45 في المائة سنويا خلال الأعوام الأربعة الماضية، التي تشكل بدايات ''مرحلة إعادة البناء الاقتصادي'' (2006 - 2024). يمثل عام 2025 التوقيت الزمني لاكتمال تحقيق ''رؤية الاقتصاد السعودي 2025''. وعندما ننظر إلى تحدي الإسكان في الماضي وتطورات التمويل الإسكاني اليوم، نجد أن ذلك قد يحمل في طياته انعكاسات سلبية على القدرة الادخارية لجيل اليوم. فمصادر تمويل المساكن خلال المراحل الأربعة الماضية منذ الستينيات الميلادية من القرن الماضي وحتى اليوم لم تخرج عن خمس قنوات تمويلية مختلفة تناولها الدكتور نضال صبري في ورقته الفنية، بعنوان ''الإطار العام لتمويل الإسكان في السعودية''، التي أتت ضمن الدراسات التي أصدرتها الاستراتيجية الوطنية للإسكان العام الماضي. القناة الأولى قناة ''الادخار الشخصي''، ويقصد به ما يدخره المواطن من موجودات خلال حياته وينفقه في توفير مسكن يؤويه هو وأفراد رعيته. والقناة الثانية ''صناديق الإقراض الحكومية'' وفي مقدمتها صندوق التنمية العقارية وما يقدمه من حلول إقراض سكني وتجاري. والقناة الثالثة ''الهيئات والمؤسسات الخيرية'' وما تقدمه من مجمعات سكنية لشريحة من المواطنين ذوي ظروف خاصة. والقناة الرابعة ''المصارف التجارية''، وما تقدمه من حلول تمويلية شخصية. والقناة الخامسة ''شركات التطوير العقاري'' وما تقدمه من حلول إسكانية مختلفة. يضاف إلى هذه القنوات التمويلية ما تقدمه بعض المؤسسات الحكومة والأهلية من مساكن لمنسوبيها خلال فترة خدمتهم المهنية. وعلى الرغم من تعدد قنوات التمويل هذه، إلا أن معظمها إما تركز على تقديم حلول تمويلية قصيرة ومتوسطة الأجل لا تتناسب وآلية مواجهة تحدي الإسكان؛ كون الإسكان يعتمد على التمويل طويل الأجل. أو أن معظمها تنظر إلى الإسكان على أنه هدف واحد من ضمن مجموعة من الأهداف التي تسعى لتحقيقها. يستثنى من هذين العاملين قناتي ''الادخار الشخصي'' و''صندوق التنمية العقارية'' كونهما الوحيدين اللذين يستهدفان توفير المسكن والمسكن فقط. تقودنا هذه القراءة السريعة لطبيعة قنوات تمويل المساكن في المملكة إلى خلاصة مفادها أهمية دعم ظهور هيئات ومؤسسات تمويل مساكن عديدة تهدف فقط إلى تمويل قيام مساكن جديدة أسوة بما قدمه صندوق التنمية العقارية في الماضي من مواجهة لتحدي الإسكان. وظهور مثل هذه الهيئات والمؤسسات التمويلية من الأهمية بمكان ألا تجعل من الاستحواذ على مدخرات جيل اليوم ومداخيلهم المستقبلية ضمانا لتقديم حلول إسكانية. فمدخرات جيل اليوم ومداخيلهم ما هي إلا موجودات جيل الغد الذي يملك وحده حق التصرف في استثمارها. * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل