المحتوى الرئيسى

> السعدني وهيكل ساخر الأمة..وكاتبها الأعظم

05/03 21:09

لا أدري لماذا خطر ببال العم الكبير محمد حسنين هيكل وأنا أستعيد ذكريات الولد الشقي. الحق أقول إنني فكرت وبصرت كثيرا في مسألة العم هيكل وقلت ربما لأن حياتنا كلها تشقلبت وأمورنا تنطورت وأحوالنا تدهورت بسبب هذا الرجل الذي سارع بالانضمام إلي الرئيس السادات بعد أن ذهب ناصر إلي رحاب ربه، ولا أخفي علي حضراتكم أنني ورثت عن الولد الشقي أشياء لا حصر لها أحمد الله عليها وأشكره. من بين هذه الأشياء ذلك الحب الجارف والاحترام الذي لا حدود له للأستاذ هيكل فقد كان السعدني رحمه الله يقول إن هيكل هو أعظم صحفي أنجبته أمة محمد وعلي الرغم من المعاناة التي أصابت السعدني بفضل الظن الذي خيم علي عقل الاستاذ هيكل بأن السعدني سوف يقفز فوق الأهرام لو نجح التيار الناصري في حسم الخلاف لصالحه مع السادات منذ تلك اللحظة بدأت مأساة الأسرة الحقيقية سواء مع السجون والمعتقلات التي أصبح السعدني نزيلا بها بغير ذنب ارتكبه أو المنافي التي فضلها عن أرض الميلاد بعيداً عن الأهل والأحبة والخلان والأصدقاء وقد كانت سنوات الغربة أشد قسوة علي السعدني من سنوات السجن ذلك لأنه كان نبتا أصيلا للتربة المصرية فحتي عندما سجنوه عاش حياته داخل الأسوار بالطول والعرض لدرجة أن المساجين والسجانين ومأمور السجن ونوابه عملوا مناحة يوم الإفراج عن السعدني، ولا أخفي علي حضراتكم إننا نعود بكل هذه الأسباب إلي ذلك الظن الذي سيطر ذات مساء علي الاستاذ وبالتأكيد كان هذا الظن كله وليس بعضه إثما. لقد شاهدت مؤخرا وعبر قناة الجزيرة القطرية الاستاذ وهو يتحدث عن فنجان القهوة الذي أصر السادات علي أن يعده لناصر بنفسه وكيف كان الأستاذ شاهدا علي إعداد القهوة وأعطي الأستاذ للجميع انطباعا بأن السادات قدم لناصر الفنجان الأخير.. ولعلني هنا أتوقف كثيرا وأسمح لنفسي بأن أسأل الاستاذ عن سر هذا الصمت الطويل وفي نفس الوقت تمنيت لو أن السعدني امتد به العمر قليلا ليستمع إلي قنبلة الأستاذ التي فجرها عبر الجزيرة القطرية لعله يجد إجابات لبعص الأسئلة التي ذهب السعدني للقاء ربه وكانت لا تزال تحيره وتدهشه وتثير عجبه وإن لم تعد كذلك بعد قنبلة الأستاذ و.. آه لو أن السعدني لا يزال علي قيد الحياة فإنه كان سيرد علي القنبلة بأفضل منها فهناك رواية لا يعرفها أحد علي ظهر الكون سوي حاكم عربي لا يزال علي قيد الحياة وأحد مستشاري الرئيس المخلوع ولكنه لم يكن مستشارا للسوء فقد كان رجلا فاضلا نزيها أما ثالث العارفين بالرواية التي لا مجال لنكرها علي صفحات جريدة «روزاليوسف» فكان السعدني الذي آثر أن يظل أمرها طي الكتمان لأنها كانت تمثل كارثة بكل ما تحمل الكلمة من معني وقد استمعت إلي تفاصيلها بالكامل وربما تري النور عبر الجزء الثاني من الحلقات التي بدأتها علي صفحات الإذاعة والتليفزيون من مذكرات ابن الولد الشقي.. ما علينا.. أعود إلي العلاقة التاريخية الشديدة العجب والمثيرة للدهشة بين الساخر الأعظم في تاريخ العرب السعدني الكبير ألف رحمة ونور عليه وبين الكاتب الأعظم في أمة محمد عمنا وتاج الرأس الأستاذ محمد حسنين هيكل وهي علاقة كان لسان حال السعدني فيها يتمثل مقولة الحليم صاحب أول دولة في تاريخ الإسلام سيدنا معاوية حين قال: إنني لا أستخدم سيفي حين يكفي سوطي ولا أستخدم سوطي حين يكفي لساني ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدا فإن أرخوها مددتها وإن مدوها أرخيتها»! وذات يوم حاول الاستاذ أن يجذب السعدني ومعه عبقري زمانه وأوانه الراحل الجميل صلاح چاهين وفاتح الاستاذ السعدني وچاهين في أمر مجلة ساخرة سيطلق عليها اسم «أبوالهول» وتحول السعدني من الجد إلي الهزل فضحك ساخرا علي الاسم فكيف يمكن لمجلة اسمها «أبوالهول» أن تعلق مع الناس.. ولكن الأستاذ بطريقته الجبارة استطاع أن يقنع الثنائي المبهج بأن الأهرام ذات نفسه اسم في الواقع ثقيل ولكن بمرور الزمن حدث تعود بينه وبين القارئ وأكد العم هيكل أن المضمون وليس الاسم هو الشيء الأهم وكاد السعدني يقع في الفخ هو وصلاح چاهين.. فقد كانت «روزاليوسف» بالنسبة إلي السعدني جزءاً من حياته ومصدرا من المصادر التي تفيض بالبهجة في قلبه ومنبعا للسرور والحبور الذي لا يمثل له فكان يشعر بأنه ملك متوج علي المساحة التي يكتبها في مجلة «صباح الخير» وكانت علاقاته تشمل الجميع من أول عمنا إحسان عبدالقدوس رحمه الله إلي عمال المطابع والسعاة والتليفونات كل هؤلاء كانوا يشكلون وحدة واحدة في حياة السعدني ومن شدة تعلق الناس به هناك درس أحد العاملين بالجمع وكان أيامها الجمع بالرصاص.. خط السعدني وتخصص في قراءة مقالاته فقد كان السعدني يكتب بسرعة عجيبة فكان قلمه يحاول أن يسطر سيل الأفكار الساخرة التي تهدر كالسيل من عقله ولذلك كان خطه في حاجة إلي ترجمان ولذلك تباهي هذا الرجل بأنه عنده دكتوراه في ترجمة خطوط السعدني ومسألة تحول السعدني من «روزاليوسف» إلي الأهرام كان ستصحبه نقلة كبري في الفشخرة والمكاتب الفخيمة والسيارات الفارهة والرواتب الفلكية ولكن هذه ليست هي الأشياء التي تربط السعدني بالمكان فهو يتذوق أولا صنف البشر قبل أن يرتبط بالأماكن فقد كان في «روزاليوسف» حديقة غناء من الورود التي لا يمكن أن تلتقي أو تتفتح في مكان واحد بهجت عثمان وصلاح الليثي وحجازي وچورج وصلاح چاهين وجمال كامل وحسن فؤاد ومفيد فوزي ولويس جريس وفتحي غانم ومصطفي محمود وإيهاب وعبدالستار الطويلة وفيليب جلاب ومحمد عودة ويوسف الشريف وإحسان عبدالقدوس وأحمد حمروش وفي البداية كان مع هذه النخبة النادرة التكرار تاج رأس القصة القصيرة يوسف إدريس.. وقد وضع السعدني هؤلاء في كفة المزاج والمحبة ووضع في الكفة الثانية «أبوالهول» فكانت الغلبة لهؤلاء النابهين الذين تركوا خلفهم إرثا فنيا وثقافيا لم يلق حتي يومنا هذا التقدير اللازم ولكن أين ذهب مشروع «أبوالهول».. لقد دخل في نفق مظلم وخيم الصمت الرهيب علي المشروع وكأنه يحاكي الصنم الذي تسمي باسمه! وكان للعم إحسان عبدالقدوس رأي في هذا الأمر فقد شك أنها مؤامرة لقتل المجلة التي بدأ نجمها في الصعود وهي مجلة «صباح الخير» وحارب إحسان كي لا تتم عملية الانتقال..وبلغ الأمر إلي أكبر رأس في الدولة الذي أمر بعدم الاقتراب من نجوم «صباح الخير».. ولكن يبدو أن العم هيكل وهو في أقصي لحظات انفعاله استطاع أن يحبس غيظه داخله ولكن السعدني صاحب القلم اللاذع واللسان الحراق استطاع أن يفسح للغضب مساحة أعظم داخل العم هيكل فقد كان في زيارة ذات يوم للعاصمة السودانية وكان السعدني يعشق أهل السودان وعلي علاقة طيبة بحكامها في الستينيات من القرن الماضي خالد عباس ومحمد المحجوب واصطحب أحدهما السعدني إلي مسقط رأسه في إحدي محافظات السودان النائية ودخل بيتا شديد التواضع تجلس فيه سيدة عجوز وإلي جانبها راديو تنصت إليه باهتمام فناداها المسئول السوداني قائلا: يا أمه أنا جئت ومعي أقبح لسان في الأمة العربية؟! فأجابت المرأة علي الفور هادا ما يكون إلا.. محمود السعدني.. فقد كان السعدني شهيرا في أنحاء العالم العربي العاشق للقراءة خصوصا بعد أن أذيعت له عدة مسلسلات في الإذاعة «الجدعان» و«بنت مدارس» و«الولد الشقي» و«الشيخ لعبوط» واحتفل أهل السودان بالسعدني احتفالا عظيما خصوصا أنهم هناك غضبوا بشدة من كلام كتبه الاستاذ هيكل والاستاذ موسي صبري وأجرت إحدي صحف اليومية حديثا مع السعدني حول رأيه فيما كتبه هيكل وصبري.. فأشاد السعدني بالعلاقة التاريخية التي تجمع شعب الوادي ولكن المحرر أصر علي أن يقول السعدني رأيه فيما كتب هيكل وموسي صبري.. ودون تفكير قال السعدني: هيكل.. موسي صبري.. أولاد.. «كذا»!!ونشرت الصحيفة علي صدر صفحتها الأولي رأي السعدني في هيكل وموسي صبري وعندما عاد السعدني إلي القاهرة التقي ذات يوم الأستاذ هيكل.. والمعروف عن الأستاذ أنه شديد الأدب عظيم التهذيب حتي في عتابه.. فاعترض بود شديد وهو يقول للسعدني: بقي كده يا محمود.. تقول هيكل وموسي صبري أولاد كذا.. هيكل وموسي صبري يا محمود؟! فضحك السعدني من أعماقه وهو يقول للاستاذ: علي الطلاق ما تزعل يا عم هيكل.. المرة الجاية ح أقول هيكل لو حده.. ابن كذا! وكتم الاستاذ ضحكة في أعماق القلب بالتأكيد كان تحتها غضب يحتل مساحات عظيمة بدليل أنه ذات مساء وفي نادي الصحفيين النهري علي ضفاف الجيزة الذي أنشأه السعدني وحده بجهد فردي جمع السعدني ذات مساء منذ ما يقرب من العشر سنوات أو يزيد قليلا الاستاذ هيكل وأسامة الباز وأراد الأستاذ هيكل أن يستفسر عن أشياء لم تكن تسره في السياسة والمواقف المصرية وأغضب الأمر أسامة الباز فرد علي الأستاذ قائلا: أنا بدأت من حيث انهيت أنت! ووجد السعدني أن الجو يكاد يتكهرب بين الاثنين فتدخل في الأمر وأعاد علي الحضور رواية ما حدث في السودان وما قاله بحق هيكل وموسي صبري فضحك كل من حول السعدني ومن بينهم أسامة الباز الذي انشكح كثيرا ولكن الأستاذ رسم شبح ابتسامة تنبئ عن غضب أكثر مما تنبئ عن أي شعور آخر وهذا كتب للمساحة الموجودة سلفا أن تنمو بشكل مطرد ولعله من اللافت للنظر أن كلا الرجلين لم يحضر جنازة السعدني ولا شارك في مراسم العزاء واكتفي هيكل بإرسال برقية طغت عليها البلاغة الأدبية فيما اختفي أسامة الباز في ظروف غامضة..ولكن علي الجانب الآخر ينبغي أن أذكر أن الطرف الذي تضرر بالفعل ودخل السجن وذاق مرارة المأساة وابتعد عن أطفاله وزوجته وحرموه من أسمي وأجمل ما يملك الانسان وهو حريته والأخطر من ذلك أنهم منعوه من ممارسة المهنة التي خلق لها وخلقت له ومع ذلك كله فإن السعدني عندما استمع من طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي وطارق عزيز وزير إعلامه كلاما يسيء إلي العم هيكل تصدي لهما بكامل أسلحته الفتاكة فنال طارق عزيز من سخرية السعدني الشيء الكثير ولقنه درسا وعلمه مكانة هيكل ودوره وأثره باعتباره كاتبا ومحللا ومفكرا وأعظم صانع للملوك في تاريخ العرب وأكد له أن الدول تدول والأنظمة تزول ومعها السلاطين والملوك والزعماء ولا يبقي من التاريخ سوي عمك الجبرتي وجبرتي هذا العصر هو عمنا هيكل.. هكذا كان يري السعدني محمد حسنين هيكل.. وهكذا أيضا ورثنا وجهة نظر السعدني وإن كان من حقنا هذه المرة أن نعلن الغضب من هيكل الذي اعتذر عن عدم حضور عزاء السعدني واكتشفنا أنه لبي في المقابل دعوة علي العشاء لأحد أبناء العقيد معمر القذافي في واحد من أفخر فنادق العاصمة ولو كان العكس هو ما حدث فإنني أؤكد للعم الغالي النفيس غير القابل للتكرار.. أن السعدني كان سيكون علي رأس مشيعيك والمعزين فيك كما كان دائما يحتل قمة محبيك والمدافعين عنك.. رحم الله أبويا الجميل السعدني الكبير وأسكنه فسيح جناته وأما أنت أيها الكاتب الأكبر في تاريخ الأمة.. فكل الاحترام والتقدير والمحبة لشخصك!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل