المحتوى الرئيسى

زواج.. أم طلب توظيف؟

05/03 20:59

من حكمة الله في كونه أن خلق من كل شيء زوجين، وخلق الذكر والأنثى وألف بين قلوبهما وجمع بينهما في الزواج، وهو فطرة يميل إليها كل سوي، وطريق إلى المودة والرحمة، وأن يخرج الفرد من إعالة نفسه فقط إلى إعالة غيره، وبه يتم التعارف بين الناس فتزداد المحبة والألفة وتتوثق الروابط. لذا فإن هناك شروطا أساسية تمثل الضمانة الحقيقية لنجاح الزواج، حددتها الشريعة الإسلامية، أولها القبول بين الطرفين، وهو يمثل الراحة النفسية ثم الباءة، وتعني القدرة، سواء المادية أو القدرة على تحمل المسؤولية، وكذلك الكفاءة الاجتماعية أو التماثل الاجتماعي والفكري، وأخيرا السلامة البدنية والنفسية، للحفاظ على النسل ولضمان زواج مستقر وناجح. واعتدنا أن يتم التفاهم على تلك الشروط عبر آليات اجتماعية تعارف عليها المجتمع، لأننا نكوّن أسرة وليس شركة تجارية، وبالتالي فإن يتم التعامل مع شريك الحياة عبر أوراق ثبوتية أو سير ذاتية يضعها على موقع إلكتروني، أو صحيفة حالة جنائية تثبت أنه لم يرتكب ما يشين، فذاك أمر يفقد الزواج مضمونه الحقيقي، ويصبح كمن يقوم بتقديم أوراق لشغل وظيفة، وليس لإقامة حياة بين أفراد سيكونون لباساً وسكناً بعضهم لبعض. ولما طرحت ضرورة الكشف الطبي قبل الزواج للتأكد من خلو الزوجين من الأمراض، قلنا لا بأس في ذلك للحفاظ على سلامة الذرية، ولعلاج ما قد أصابهما من أمراض تستطيع التقارير الطبية أن تؤكد شفاءهما منها وأنهما أصبحا مؤهلين للزواج. ولكن، كيف يمكن إثبات أن صاحب صحيفة الحالة الجنائية بريء من ذنبه الذي لقي عنه جزاءه، ويصر المجتمع أن يعاقبه عليه، وتظل وصمة صحيفة الحالة الجنائية تحول بينه وبين من ارتاحت لها نفسه ودق لها قلبه، وأراد أن يستكمل معها بقية مشواره فاتحا صفحة جديدة قد تكون أفضل آلاف المرات من الصفحات السابقة؟! ثم هل نحن ملائكة نمشي على الأرض؟ نحن بشر لنا ما لنا وعلينا ما علينا، وما ستره الله أكبر بكثير مما سجلته صحيفة الحالة الجنائية، وما أكثر الذين خبرناهم ارتكبوا في سن الشباب واندفاعه حماقات، لكن عركتهم الحياة بتجاربها وتحولوا عما كانوا عليه، وقبل الله توبتهم في ما رأيناه من آثارهم في الأرض. أيقبل الله التوبة ونظل نحن البشر نتتبع عوراتهم السلوكية ونترصد لهم ونذكرهم بها، موثقة وكأنها سيف مسلط على رقابهم يمنعهم من الحياة بشكل طبيعي! ثم ما تثبته الصحيفة الجنائية أقل بكثير مما لا تستطيع إثباته. فقد تكون صفحة الرجل الجنائية بيضاء، ولكن صفحته النفسية أسود من الليل الحالك. كيف للصحيفة الجنائية إثبات شح نفسه وقسوة قلبه وجفاف عواطفه وعبوس وجهه؟ إن مناداة البعض بضرورة أن يقدم من يقدم على الزواج صحيفة الحالة الجنائية قبل الزواج، هي دعوة لأن تصبح الأوراق الثبوتية ـ ما دامت معتمدة وموثقة ـ بديلا عن التعارف والتقارب بين الناس وهو من أكبر مقاصد الزواج، وأن يتعدى ذلك حدود العائلة والقبيلة، وهو وجه آخر من أوجه عصر الحداثة وما بعد الحداثة، وما استتبعه من علاقات اجتماعية وهنت عراها وحلت الريبة محل النوايا الحسنة بين بعضنا البعض. ونحن بذلك نضيف عبئا جديدا على أعباء الزواج، فضلا عن المغالاة في المهور وتكاليف حفلات الزفاف وتجهيز بيت الزوجية، التي تلعب ثقافة المباهاة دورا كبيرا في تعقيدها، مما جعل الزواج من المواطنة أمرا في غاية الإرهاق، وفتح الباب على مصراعيه للزواج من خارج البلاد، والذي لا يكلف الزوج أعباء كبيرة، ولا يتطلب تقديم السيرة الذاتية أو صحيفة الحالة الجنائية. إن تعقيد إجراءات الزواج بين أبناء وبنات الوطن، هو من أهم ميسرات الزواج من الأجنبيات وما يترتب على ذلك من إشكاليات، ابتداء من تأخر سن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة، وليس انتهاء بخلل المنظومة القيمية للمجتمع. وما دام الأمر كذلك، فهل من حق الزوج كذلك أن يطلب ممن ستكون شريكة حياته وأما لأولاده، صحيفتها الجنائية؟ أليست بشرا تصيب وتخطئ، أم هي منزهة عن الخطأ؟ كما أننا عند الزواج لا نرتبط سمعة ونسبا بشخص الزوج أو الزوجة، ولكن بأفراد الأسرة جميعا. ماذا لو تبين أن من بين أفراد أسرة الزوج أو الزوجة من لديه ما يشين؟ أليسوا أخوال وأعمام الأبناء مستقبلا؟ في أيام خلت كانت مجالسنا أساس ترابطنا وتعارفنا وتسامرنا، ولكن طبيعة العصر وطغيانه المادي جعلتنا نحتكم إلى الأوراق الثبوتية، ولم نفرق في ذلك بين إنشاء الشركة وتكوين الأسرة! وربما نفاجأ ذات يوم بمن يريد ممن يتقدم للزواج، أن يكتب الصفات التي يتحلى بها وما سوف يقوم به من أجل إسعاد زوجته، ويوقع على إقرار يتعهد فيه ألا يخل بأي شرط من تلك الشروط، كأن يكون مبتسما طيلة الوقت مهما كانت الظروف والأحداث، وأن تسبق مناداته لزوجته كلمة «حبيبتي» في المنشط والمكره، وأن يقرأ عليها كل يوم بيتين من الشعر الغزلي، ومن حق الزوجة أن تسمي الشاعر الذي ترغب أن يقرأ من ديوانه، وأن يكون الصيف في إحدى الدول الأوروبية، أو الآسيوية في أسوأ الأحوال، وإذا تعذر عليه ذلك فمن حق الزوجة أن تطلب بدلا نقديا عوضا عن عدم السفر! وإذا كان ولا بد أن ترتبط الزوجة بزوج خال من كل العيوب ـ وهذا أمر محال، لأن الكمال لله وحده وكل ابن آدم خطاء ـ تصبح مقولة «وراء كل رجل عظيم امرأة» ليس لها محل من الإعراب، لأنه تقدم إليها وكل أوراقه تثبت أنه في غير حاجة لمن تقف خلفه أو أمامه. أيها السادة؛ إن الحياة أعمق وأغلى من أن ينظر إليها هكذا نظرة، لأن النفوس بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وهناك أناس خبرناهم جابوا الدنيا طولا وعرضا، لكنهم بين يوم وليلة تغير حالهم من حال سيئ إلى أحسن حال، وأصبحوا القدوة والمثل لغيرهم، وكم من أناس كانت صحائفهم الجنائية بيضاء فتغيرت كذلك بين يوم وليلة. وكم من زوجه ارتبطت بزوج سقيم السلوك كانت سببا في إصلاحه، وأصبح لها بمثابة الأخ والأب والحبيب، وخاضا غمار الحياة سويا وكونا أسرا صالحة وخلفهما نبت طيب. لذا أن يتم الاحتكام إلى الأوراق الثبوتية، فذاك يصلح مع من يتقدم لشغل وظيفة، لا من يريد أن يكوّن أسرة. د. خالـد الخاجـة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل