المحتوى الرئيسى

المصالحة الفلسطينية في ظل المتغير العربي.. إلى أين؟!بقلم:مجدي عيسى

05/03 18:04

المصالحة الفلسطينية في ظل المتغير العربي.. إلى أين؟! مجدي عيسى* لا شك أن وصول حركتي فتح وحماس إلى اتفاق مصالحة وطنية في القاهرة أمر في غاية الأهمية، سيما في ظل حالة الانقسام التي عاشتها الساحة الفلسطينية بُعيد قيام حركة حماس بالاستيلاء على السلطة في قطاع غزة صيف عام 2007، في عملية أطلقت عليها حينها عملية الحسم العسكري ضد أذناب الاحتلال، في حين وصفتها حركة فتح وقوى منظمة التحرير الفلسطينية بالانقلاب. وبالرغم من ذلك الخلاف الدموي بين الطرفين، والذي امتد على مدار السنوات الأربعة الماضية، إلا أن المصالحة الوطنية الفلسطينية هي مسألة أساسية لاستكمال انجاز المشروع الوطني الفلسطيني. إذ لا يمكن، بأي حال من الأحوال، ضبط مسألة إدارة الصراع مع الاحتلال في ظل حالة الانقسام الفلسطيني، لأن الصراع الداخلي يؤجل الصراع الرئيس مع الاحتلال، فلا يصبح ذلك الصراع رئيسا ويتراجع من حيث الأهمية والقدرة على الادارة والحسم، وبالتالي، يتقدم الصراع الثانوي المؤجل على الصراع الرئيس، ويُرهق الطرفان، ويتشتت الجهد النضالي الفلسطيني، وتضيع الأولويات والبرامج والاستراتيجيا. إن مسألة استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية من أجل استكمال المشروع الوطني الفلسطيني تعتبر من مسلمات العمل السياسي، وهذه المسلمة تدركها حركتي فتح وحماس، فلماذا تأخرت الوحدة الوطنية الفلسطينية، واستمرت حالة الانقسام على مدار الأربع سنوات الماضية؟! تساؤل هام بحاجة إلى اجابة متأنية غير متسرعة، حتى لا نقع في شباك فشل اتفاق مكة عام 2007. يعتقد البعض أن الخلاف بين طرفي الصراع الفلسطيني الداخلي، فتح وحماس، يعود إلى أسباب ترتبط باختلاف البرامج والاستراتيجية، فبرنامج فتح يهدف إلى إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي عام 1967 عبر استراتيجية المفاوضات "السلام" كأسلوب وحيد لتحقيق ذلك الهدف. أما برنامج حماس التائه بين الديني والوطني، فهو متردد في مسألة إقامة الدولة على حدود عام 1967 بسبب المحددات العقدية، وتعتمد حماس استراتيجية المقاومة المسلحة "الحرب" كأسلوب وحيد لتحقيق هدفها في التحرير. ويعتقد آخرون أن الخلاف بين الطرفين حول السلطة بالأساس، فحركة فتح التي سيطرت على النظام السياسي الفلسطيني على مدار العقود الأربعة الماضية منذ أواسط العام 1968 وقادته دون منازع، لم تستوعب الشراكة السياسية وتداول السلطة، وظلت أسيرة لعقدة الحكم والتفرد به، وقد سلمت السلطة شكليا لــحماس. أما حركة حماس التي رفضت تاريخيا شراكة منظمة التحرير الفلسطينية، فإنها شاركت في انتخابات عام 2006 على قاعدة أن حجمها يمكنها من الفوز على غريمتها فتح، ولكنها لم تستوعب شروط السلطة ومتطلباتها، حيث مارست الحكم وفق رؤيتها وبرامجها الخاصة، فتم رفضها وحصارها من قبل المجتمع الدولي، فاتجهت نحو الانقلاب على النظام السياسي ومؤسساته الشرعية رغم أنها أصبحت تمثل السلطة بحكم نتائج الانتخابات وجزءا رئيسا من الشرعية الفلسطينية. لقد ظنت حركة حماس أنها بسلوك الانقلاب تستطيع أن تحمي منجزها بالمحافظة على السلطة، وأن تفرض برنامجها واستراتيجيتها في ادارة الصراع مع الاحتلال، وأن تشكل بديلا لمنظمة التحرير. فكانت النتيجة، بُعيد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أواخر العام 2008، إعلان حماس الهدنة من جانب واحد ووقف إطلاق الصواريخ. وبالتالي، تعطلت استراتيجيتها وأصبحت المقاومة شعارا أجوفا يردده قادتها دون وجود له على أرض الواقع. إن تجربة طرفي الصراع الفلسطيني الداخلي خلال سنوات الإنقسام قد أوصلتهما إلى نتيجة هامة تحكم علاقتهما ووجودهما ومستقبلهما في الساحة الفلسطينية، وهي أنه ليس بالامكان إلغاء أي طرف للآخر، وإن نجح بعض الوقت في إقصائه عن جزء من الجغرافيا السياسية للوطن؛ لأن فتح وحماس ليسا تنظيمين رئيسين لدى الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما هما جزء من النسيج الإجتماعي الفلسطيني الذي لا انفكاك منه. وبالعودة إلى جوهر الخلاف، نجد أنه من الضرورة بمكان الحديث عن الوحدة الوطنية الفلسطينية وسر نجاحها خلال العقود الماضية، لا سيما في فترة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأسباب تعثرها في مرحلة الرئيس محمود عباس. فالرئيس الراحل عرفات استطاع المحافظة على الوحدة الوطنية في ظل منافسة حركة حماس له في النظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد تشكيل السلطة الفلسطينية وتوقيع اتفاقات أوسلو عام 1993، والسر في ذلك لا يعود فقط إلى الشخصية الكارزماتية التي تمتع بها عرفات فحسب، والتي منحته شعبية كبيرة فلسطينيا وعربيا؛ وإنما يعود أيضا، وبشكل أساس، إلى امتلاك عرفات لاستراتيجية أبقته وحماس على مسافة كبيرة من الانقسام والانقلاب، إنها استراتيجية المقاومة المستترة خلف استراتيجية المفاوضات. وبذلك، تمكن عرفات من المحافظة على البيت الفلسطيني الداخلي موحدا، قاطعا الطريق على محاولات القوى الاقليمية والعربية العبث في الساحة الفلسطينية. ولذلك، كان القرار الفلسطيني في زمنه، نسبيا، قرارا وطنيا مستقلا بامتياز. أما في مرحلة الرئيس عباس، فقد شهدت الساحة الفسطينية انقساما سياسيا حادا رغم إجرائه انتخابات ديمقراطية ونزيهة تمكنت عبرها حركة حماس من الفوز بالمجلس التشريعي، وبالتالي، تشكيلها لحكومة فلسطينية لأول مرة في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني المعاصر. بمعنى آخر، فقد تمكنت حماس في فترة حكم الرئيس عباس من الحصول على السلطة، في الوقت الذي لم تتمكن فيه من الحصول على تلك السلطة طوال سنوات حكم الرئيس الراحل عرفات. بعد فوزها في الانتخابات، شكلت حركة حماس حكومة فلسطينية ببرنامج سياسي مخالف لبرنامج الرئيس عباس، فدخل النظام السياسي برمته في مواجهة مع المجتمع الدولي، الأمر الذي أثار خلافا فلسطينيا رئيسا في ظل فرض حالة من الحصار الدولي على الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حماس. وبهذا، شهد النظام السياسي الفلسطيني حالة خطيرة من الخلاف السياسي بسبب اختلاف رؤية كل طرف لاستراتيجية إدارة الصراع مع الاحتلال. فالرئيس عباس يرى أن المفاوضات وخيار السلام هما الطريق الوحيد لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، فيما ترى حركة حماس أن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد لاستعادة حقوق الشعب الفلسطينى وإقامة الدولة. في مرحلة التحرر الوطني، يعتبر االتوافق حول البرنامج السياسي والاستراتيجية بين الأطراف المناضلة من أجل التحرير قانون أساسي لا يمكن تجاوزه، إذ يشكل هذا الأمر الضمانة الأكيدة لصيانة الوحدة الوطنية والطريق الحتمي لتحقيق أهداف الثورة. والحالة الفلسطينية التي تحكمها حالة الخلاف السياسي الداخلي العميق في المرحلة الحالية، بعيدة كل البعد عن منطق الثورات وقانون مرحلة التحرر وشروطه لضمانة تحقيق الأهداف. وفي إطار الحديث عن الخلاف الفلسطيني حول الاستراتيجية، تجدر الإشارة إلى أن كل من استراتيجية الرئيس عباس وحماس هما تعبير بشكل أو بآخر عن الحالة العربية، وانعكاس لإنقسام الاستراتيجية العربية في إطار إدارة الصراع مع اسرائيل. ففي السنوات الأخيرة، نشأ في المنطقة العربية محورين، الأول؛ بقيادة مصر والسعودية ويطلق عليه محور الاعتدال، وهو المحور الذي يرى بأن السلام والمفاوضات هما الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق العربية. فيما يرى المحور الثاني "محور الممانعة" بقيادة سورية وإيران، أن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد والحتمي لاستعادة تلك الحقوق. وفي ظل حالة الإنقسام العربي، وتصاعد الخلاف السياسي الفلسطيني، لعب المحورين العربيين دورا سلبيا في التأثير على مواقف حركتي فتح وحماس، ليزيدا من حدة الانقسام الفلسطيني، وساهما عبر سياسات مختلفة في استمرار ذلك الانقسام. وبهذا، أصبحت الساحة الفلسطينية لا تمتلك القرار الوطني الفلسطيني المستقل؛ وإنما أصبح قرارها مرتهنا بيد قوى خارجية لا سيما القاهرة ودمشق وغيرهما من القوى الإقليمية والدولية. وللتنويه هنا، فإن حركة فتح تحررت من التأثيرات العربية مبكرا بُعيد الوصول إلى الورقة المصرية للمصالحة وقبولها لها فور إعلانها مع بدايات العام 2009، فيما رفضت حركة حماس الورقة لأكثر من عامين. واليوم، بعد نجاح الثورة الشعبية وانتهاء حكم النظام الاستبدادي السابق في مصر الشقيقة، وكذلك اشتعال الثورة ضد الاستبداد في سورية، ومطالبة الشعب السوري الباسل بالحرية واسقاط نظام الأسد الديكتاتوري، عاد الرشد إلى حركة حماس لتقبل التوقيع على الورقة المصرية دون تعديل يُذكر، معلنة بذلك إنهاء حالة الإنقسام والوصول إلى إتفاق مصالحة رغم بقاء حالة الخلاف السياسي مع حركة فتح حول البرامج والاستراتيجية. وعليه، يمكن القول أن حالة الانقسام الفلسطيني كانت بسبب غياب رؤية استراتيجية فلسطينية موحدة لإدارة الصراع مع الإحتلال من جهة، ومن جهة أخرى غياب القرار الفلسطيني المستقل عبر تأثير المحاور العربية لا سيما القاهرة ودمشق في قرار المصالحة وإنهاء الإنقسام. والفضل كل الفضل في إنهاء حالة الإنقسام وإبرام اتفاق المصالحة المزمع توقيعه خلال الأيام القليلة القادمة، يعود إلى جماهير ثورة الشعب المصري العظيم وثورة الشعب السوري البطل، والذين لولا ثوراتهما ضد النظم الاستبدادية لما تحققت تلك المصالحة؛ لأن تلك الثورات العملاقة أسقطت حالة الاستبداد عن الشعبين المصري والسوري، وبالتالي، ستُسقط أيضا حالة الانقسام العربي، وأولى بشائرها إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني. لقد تحررت الساحة الفلسطينية من تلك العلاقة مع الأنظمة العربية الرجعية، التي تحكمت في حالة الإنقسام الفلسطيني وساهمت في تعميقه لسنوات طويلة، عندما ثارت الشعوب العربية وهزت أركان النظام المصري والسوري لتتحرر من الاستبداد. فكل الشكر والامتنان لثورة مصر وشعبها، وكل الشكر والامتنان لثورة سورية وشعبها، التي نتمنى لها المواصلة والانتصار، على إنجاز المصالحة الفلسطينية. ولكن.. إذا ما تم توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة، هل ستطوى صفحة الإنقسام إلى الأبد وهل ستكون الساحة الفلسطينية بخير في ظل استمرار حالة الخلاف بين فتح وحماس في البرامج والاستراتيجية في إطار إدارة الصراع مع الاحتلال؟! وهل سنبقى كفلسطينيين قدريين ندعو الله أن يرزق مصر وسورية وبقية العرب قيادة وطنية وقومية حكيمة تترك الساحة الفلسطينية وشأنها لتدير علاقاتها ومصالحها بعيدا عن التجاذبات العربية القائمة؟! أم أننا اتعظنا من حالة الانقسام، كما قال القيادي في حركة فتح عزام الأحمد خلال إعلان اتفاق المصالحة في القاهرة، وسنشرع في بناء جبهة وطنية عريضة تمكننا من إدارة الصراع مع الاحتلال عبر استخدام استراتيجية فلسطينية موحدة قادرة على تحقيق أهدافنا بأقصر الطرق الممكنة؟! أسئلة ملحة ليست بحاجة إلى إجابات نظرية؛ وإنما بحاجة إلى أفعال واضحة ومقنعة من قبل قيادتي فتح وحماس، حتى يتسنى لنا الحكم على اتفاق القاهرة بأنه اتفاق مصالحة يمكن أن ينجح ويُبنى عليه، أم أنه لا يعدو أكثر من كونه هدنة مؤقتة -استراحة محارب- فرضتها الحالة العربية الراهنة؟! ـــــــــــــــــــــــ • باحث في شؤون الاستراتيجية الفلسطينية وشؤون حركة حماس.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل