المحتوى الرئيسى

الصحوة العربية وثورات اللاهوت

05/03 16:48

إبراهيم طالع الألمعي البشر والعدالة الاجتماعية مطاردة الإنسان للحرية قديمة قِدمَ وجوده. واختلاف المفاهيم فيها كذلك، حتى إنه لا اتفاق بالمطلق على تعريف محدد لها. فاقتتال ابنَيْ آدم – كما ورد في الأديان – ليس سوى اختلافٍ على مفهوم الحرِّية، وما حدث للرسل والأنبياء وسلاطين الدهر وملوكه وأباطرته وقياصرته وكِسرواته ومصلحيه ومن ناوأهم جميعاً ليس إلا نفس الحركة الدائرية في التاريخ أو ما سماه صاحب كتاب "رأس المال" كارْلْ ماركس بـ"ديالكتيك التاريخ". والمقصود بالديالكتية: استحواذ فئة ما من المجتمع على الحياة والمقدّرات الاقتصادية استحواذاً كاملاً حتى يصبح الشعب مجرد خدم أو عماّل لهذه الفئة تملكهم وتملك الأرض وما ينتجون، ينتج عن هذا انفجار فئة المملوكين على المالكين أو من سموا طبقة (البروليتاريا)، ويحدث الصراع الطبقي الاجتماعي بين الفئتين حتى تتشكّل منهما فئة ثالثة تتكون من اندماج أو تذويب الطبقتين في قالب اجتماعي واحد. ولنا أن نرمزَ لهذه الفئات بالرموز التالية: فئة الإقطاعيين المالكين لكل المقدرات المسيطرين على رقاب العاملين هي فئة (أ). فئة العاملين الكادحين المنفجرين في وجه (أ) هم فئة (ب). الفئة المتشكلة من صراع الثورة هي فئة (ج). ارتأى صاحب كتاب (رأس المال) أنّ تشكّلَ الفئة (ج) وتحكّمَها في الاقتصاديات أو ما سماه (الإنتاج) هو الغرض الإنساني الأسمى للعدالة الاجتماعية. لكنّ المنطق الرياضيّ لهذه الحسبة لم يكنْ مطلقا، لأن العلمَ لا مُطْلَقاتِ فيه. فالحقيقة أن صراع الفئتين (أ، ب) سيُنْتِجُ فعلا فئة (ج)، ومجرد وجود فئة (ج) يقتضي إنتاج المنافس (بحكم الفطرة البشرية المفطورة على التملك والميكافلّيّة والأنانية والأهمَّية الذاتية)، وعندها لابد من انفجار جديد يصنع لنا فئة (أ) من جديد، ثم تدور الدائرة مرة أخرى بنفس الديالكتيك. وعلى هذا الأساس فشلت النظرية الاشتراكية في ترسيخ مرادها وهو: العدالة الاجتماعية، بل ونشأت من داخلها فئة (أ) الجديدة، ويَذكر العالَمُ اكتشافَ أن زوجةَ صاحب البروسترويكا (الرئيس جور باتشوف) كانت تملك عِقداً من الجوهر الثمين لا يُعرفُ من أين لها ذاك وكيف حوسبَ عليه! هذا عن الخط الاجتماعي الثوري الإنساني للبحث عن العدالة الاجتماعية. البشر والعدالة اللاهوتية في جانبٍ موازٍ آخر، كانت المجتمعات الإنسانية تبحثُ عن العدالة خارج منظورها المادِّيّ المحسوس، وهذا لشعورها باستحالة العدالة من هذا الجانب، فلجأتْ إلى الغيبيات التي ترى أنه بإمكانها التحكم المطلق في الحياة، باحثين عن مفقودتهم الإنسانية (العدالة) في أرجاء الغيب، فوجدها بعضهم في رموز مادية وثنيّة كالأصنام والتماثيل أو رموز من الطبيعة كالشمس والقمر أو حتى الحيوانات والكائنات والأماكن، ووجدتها فئة أخرى في البحث عن هذه القوة القادرة على تحقيق العدل، فلجأوا إلى بعض المظاهر بحثاً عنها كقصة إبراهيم (عليه السلام) باحثاً عن ربه في الشمس فلما أفلتْ قال (إني لا أحب الآفلين)، ثم اكتشفوها في إيحاء غيبيّ إلهيّ عندما وجد ربّه – تعالى - وبدأ بعده الأنبياء يتلقّون وحياً من الله كل بطريقة تختلف عن الآخر خصوصاً أهمهم: موسى – عيسى – محمد ، عليهم السلام. وانتهتْ فكرة النبوات ونابتْ عنها في اليهودية فكرة الشعب المختار ورفض الآخر مطلقاً، وهو أقسى ما سيواجهه العالم مستقبلاً من المَيز العنصري، وفي المسيحية فكرة الكهنوتية وصكوك الغفران الشهيرة التي انتهتْ بالثورة الكبرى على الكهنوت وفصل الدين عن الدولة، وفي الإسلام لم تزل تراوح بين ما يشبه الكهنوتية شبهاً شديداً كأنظمة المَلالِيْ أو ما يسمّى (ولاية الفقيه) التي كانتْ أيضاً نتاجاً طبيعياً لما سماه الجاحظ (الشعوبية) أي: حقد غير العرب على العرب نتيجة لاستبداد العرب بعد الفتوح الإسلامية ضد الشعوب الداخلة ضمن دين الإسلام، وما يقابل هذه الكهنوتية في البلدان العربية والإسلامية الأخرى من المذهبية الدينية التي تركبها الأنظمة الحاكمة لتوجيهها حسبَ مصالحها وإراداتها التي تصب في استحواذها على حكم وتملّك الأرض ومن عليها. زمن الشعارات العربية مرّت الشعوب العربية بمراحل واضحة لمن يعرف تاريخها. فقد انتهت حقيقة أو جوهر الفتح العربي أو قل (الإسلامي) بمعركة (بلاط الشهداء) في جبال (بواتيه) الفرنسية الإسبانية، وبعدها عمّتْ ثقافة المُلك الإمبراطوري التي كانتْ قد ترسختْ في المشرق العربي بمجرّد حكم بني أمية. ثم تحولت البلاد المفتوحة إلى أزمنة من الملوك والسلاطين لمجرد الملك والقوة بعيداً عن الهدف الذي نجح به المدّ العربي (الدين)، وبهذا تحوّل الدين إلى وسيلة سياسية ولم يعدْ هدفاً حقيقياً، حتى تناهتْ هذه السلطنات إلى دويلات تآكلتْ وجاء دور أوربا (الديالكتيكي) لاستعمار هذه الشعوب وغيرها في العالم، ثم لم يلبث المدّ الثوري التحرري أن سيطرَ على العالم حتى استقلّتْ شعوبه سياسياً ومنها: الشعوب العربية لكنْ بالشرطِ الأوروبي العلمي (زنقة.. زنقة..) بعيداً عن التوحّد العربي القديم الأخطر على الآخر، فصارتْ بعض الدول العربية الحالية التي لا تساوي مدينة صغيرة دولةً ذات سيادة دولية، ولمْ يبقَ للثقافة العربية التي تجمع هذه الأقطار أو (الشعوب) أي أثر يمكن أن يجمعها ذات يوم. كان زعماء الثورات العربية رموزاً وطنية كبرى تقود الاستقلال والحرية، وما لبثتْ هذه القيادات أن فهمتْ خطأً أنها هي فقط رمز الحرية دون سواها، واستمرّتْ في تدوير وتدويخ الشعوب كل عام بمنجزاتها قبل خمسين عاماً وأكثر، بينما (ديالكتيك) الزمن يسير، والبشر يريدون – لا شعورياً – السير مع الزمن والحاجات (نريد أن نعيش وأن نكُونَ شيئاً): ليبيا الأكثر والأنقى عروبةً في شمال إفريقيا عليها أن تحتفلَ بطرد ملِك كل يوم. ومصر أم الدنيا وكنانة العرب تريد أن يكتفِي فيها الشعب بالهتافات كلما أطل الحاكم بأمره وعليهم ألا يبحثوا عن أسباب فقر أم الدنيا وهزال دورها في ريادة العرب. وتونس وجهُنا الحُرّ وشعلةُ وعينا العربي يجبُ أن تعيش تحت وطأة بوليسية يحكمه وزيرٌ (للداخلية). واليمنُ السّعيدُ عليه أنْ يبقى سعيداً دونَ الاعتراف بأنه مهدُ العروبة الحرّة. والشام عليها أنْ تؤمنَ بفكرةٍ عجماء اسمها (الممانعة – والبعث والصمود الصامت) دون أن يكون لشعبها العظيم مفاعلة أو فعل في هذه المصطلحات. وعلى الخليج – بين عربية التسمية وفارسيتها – أن يحدِّدَ ماهيته وفصيلته التي تؤويه في ظلّ (الديالكتيك الحتميّ للتاريخ). الإنسانية النفعية (ميكافلية الحياة) تحت وطأة ما سبق إيجازه من بعض التاريخ الإنساني والعربي، جاء ما يسمى (الثورات العربية)، والحقيقة بأنني أسميه زمن (الصحوة العربية). فقد اكتشفت الشعوب من داخلها - دون قياداتٍ لم تزل تحتفل بما شاركت فيه مع سابقيها من أمجاد – اكتشفتْ – ديالكتيكيا – زيف التوظيف (البروليتاري) للشعوب من قبل القيادات، وانطلقتْ من ضميرها النَّفْعيّ الخالص، فمنفعتها حسّياً في العمل والكرامة والحرّية، ونفسياً واجتماعياً كذلك، وأولى الدلالات على هذا – عندي – ليس محاسبة المخلوعين بقانون (من أين لك هذا؟)، بل موقف (مصر) اليوم تجاه القضية (اللعبة) بالنسبة لقيادات العالم العربي (فلسطين)، وموقفها من حصار (غزّة) وأهلها. لقد قامت هذه الثورات (الشعبية) دون قيادات، ولا أعلم – شخصياً – ثورة توازيها سوى الثورة الفرنسية التي كان لها عظيم الأثر في العالم الحديث، غير أن اعتقادي بأن الثورات العربية ستكون ذات أثر أعظم للأسباب التالية: - أن الثقافة العربية الواحدة تؤثر كثيراً في مدى تأثير هذه الثورات على مساحة العالم العربي المهمة على المستوى العالمي جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً. - أن الوحدة العربية (الفنتازية) التي كانت حلماً قابلة للتحقيق، وأن معاناة العربي اليوم للدخول إلى أهله في قطر عربي آخر قد تنتهي يوماً ما، ودليلي على هذا هو ذلكم التسابق الشعبي الذي لحظناه جلياً بين تلكم الثورات، فلماذا كان عام الثورات عربياً ولم يكنْ لغيرها معها إن لم يكنْ هناكم تجاذبٌ شعبيّ عربيّ حقيقيّ؟ - وطالما أنه ثبتَ لكل من يعقلُ من حكام العرب أن الشعب إذا أرادَ الحياة فلنْ يعودَ إلى الممات، بدليل نجاح كل هذه الثورات الشعبية – لأنها شعبية – فكيف لعاقلٍ منهم ألاّ يفقه أن البقاء للشعب وإرادته؟ وهل الثورات العربية تُعْتَبَرُ تصحيحاً لتطبيق نظرية (هيجل) أم تطبيقا لنظريّةِ شعرائهم (الصعاليك) الذين طبّقوا النظريّة الاشتراكية في زمن صاحب (المدينة الفاضلة)، ولم يسمعوا عنه لأنهم قومٌ أمِّيُّون عاشوا بين سروات جزيرة العرب وتهامتها ونَجدِها، وطبقوا أسلوبهم الخاص في نهب ثروات الإقطاعيِّين وتوزيعها بطريقتهم على (بروليتاريا) المعدمين؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل