المحتوى الرئيسى

التربية على الانشغال بالنفس

05/03 15:38

بقلم: أشرف حسن طبل* قال حماد بن زيد عن عاصم الأحول: "قال لي الفضيل بن زيد الرقاشي: يا هذا لا يشغلك كثرة الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، وإياك أن تذهب نهارك تقطعه هاهنا وهاهنا بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت، ولم نرَ شيئًا أحسن طلبًا، ولا أسرع إدراكًا، من حسنة حديثة لذنب قديم"(1).   فلقد كان هذا الجيل الرباني الذي تعلَّق قلبه بالله دائمًا، منشغلاً بنفسه عن نفسه التي هي أعدى أعدائه؛ من أجل الله سبحانه وتعالى، فانشغلوا عن كل الشواغل بالنفس التي بين جنبيهم، يهذبونها ويربونها؛ لأنهم فهموا أن تربية الفرد لنفسه وتعاهدها أولاً بأول أمر لا بد منه لمن يريد دوام الاستقامة على أمر الله، ولأنهم أدركوا حقيقة هذه النفس وطبيعتها، كما يقول الآجري: (إذا أطمعتها طمعت، وإذا آيستها أيست، وإذا أقنعتها قنعت، وإذا أرخيت لها طغت، وإذا فوضت لها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت)(2).   قال موسى بن إسماعيل: (لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدقتكم، كان مشغولاً بنفسه، إما أن يُحدِّث، وإما يقرأ، وإما أن يسبح، وإما أن يصلي، كان قد قسم النهار على هذه الأعمال)(3).   فكم من أوقات يقطعها الدعاة في غفلة وانشغال عن أنفسهم بالفراغ من طاعة، أو بالانشغال ببعض المباح، أو كل ما لا ينفع النفس في أخراها، واعتبر التابعون ذلك قتلاً للنفس في قاموسهم، كان الفضيل بن عياض يقول في قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)) (النساء)، قال: لا تغفلوا عن أنفسكم، فإن من غفل عن نفسه فقد قتلها(4).   وكان يقول: (ليكن شغلك في نفسك، ولا يكن شغلك في غيرك، فمن كان شغله في غيره فقد مكر به)(5).   هكذا كان نهجهم مع أنفسهم الانشغال بها عنها (فالعبد إن لم يشتغل أولاً بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات، بقي خبيث الجوهر)(6).   لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها                    لنفسي في نفسي عن الناس شاغل فقد كان حالهم دائمًا ما يهذب هذه النفوس، قال بكار: (ما رأيت عبد الله بن عون يمازح أحدًا، كان مشغولاً بنفسه، وكان إذا صلى الغداة مكث مستقبل القبلة في مجلسه يذكر الله عز وجل، فإذا طلعت الشمس صلى، ثم أقبل على أصحابه، وما رأيته شاتمًا أحدًا قط، عبدًا ولا أمة، ولا دجاجة ولا شاة، ولا رأيت أحدًا أملك للسانه منه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا حتى مات، وكان إذا توضأ لا يعينه أحد، وكان طيب الريح لين الكسوة)(7).   وهكذا فهم التابعون الأمر، وأخذوه مأخذ الجد، ومن هنا علت أنفسهم وسمت لما انشغلوا بها، وكان كل منهم يعلم تمام العلم أنه (إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة، ولا بد.. فإن تمادى في الإهمال تمادت في الخيانة)(8).   فانتبهوا إلى خطر بطالة النفس وفراغها وغفلتها، فإنها إن لم تجد ما يشغلها بالحق، انشغلت بالباطل، كما يقول الإمام الشافعي، ومن لهوها وانشغالها بالباطل أن تنشغل بعيوب الآخرين، تجرِّح وتصنِّف، وتتصيد الأخطاء للتشهير والتنفير، فتنشغل الألسنة بركام الأوهام والآثام، فتخدش وتلصق التهم، وتطمس المحاسن، وتحاكم خلجات القلوب، وتفسر المقاصد والنيات، ولعمري إن ذلك من أكبر الجنايات على نفوسنا.. وما أصابنا ذلك إلا بجراثيم عيوبنا التي تغزو المقلة، فتلتهب، فتعمى إن لم تعالج عن عيب النفس، وقد تكثر هذه الجراثيم شيئًا فشيئًا، فتمتد إلى القلب فيتوقف نبضه.   ومن هنا فإن هذا الجيل يربينا ويحذِّرنا من هذا الخطر، قال محمد بن أحمد بن سلمة: قال لي ذو النون: (لا يشغلنك عيوب الناس عن عيب نفسك، لست عليهم برقيب، ثم قال: إن أحب عباد الله أعقلهم عنه، وإنما يستدل على تمام عقل الرجل وتواضعه بحسن استماعه للمحدث، وإن كان به عالمًا، وسرعة قبوله للحق، وإن كان ممن دونه، وإقراره على نفسه بالخطأ وإذا جاء منه)(9).   وإنها لصيحة حق يصرخها الربيع بن خثيم في وجه من أراد منه التفرغ لإحصاء عيوب الآخرين، فناداهم بأعلى صوته حين قيل له: (ما نراك تعيب أحدًا ولا تذمه؟ فقال: ما أنا عن نفسي براضٍ، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس، وإن الناس خافوا الله تعالى في ذنوب الناس، وأمنوا على ذنوبهم)(10).   لقد انتبه هذا الجيل إلى أن الانشغال عن عيوب النفس، بعيب الآخرين، إنما هو مرض خبيث ووباء سرطاني فتاك، كأمراض هذا القرن الذي نعيش فيه، ولقد أدركوا تمامًا التشخيص السليم لهذا الوباء، فعلموا أن النفس المصابة هي التي تنشغل عن عيوبها بعيب الناس.   يقول أحد أبناء هذا الجيل ناصحًا لكل محموم بهذا المرض: (لقد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس؛ لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها)(11).   وإنك تلحظ خشونة الكلام مع تلك النفس المريضة، التي لا بد لها من مرارة الدواء حتى تطيب، أو كما يقول الراشد: (فإن كلمات الدبلوماسية لا تنفع في تربية الدعاة)(12). عجبت لمن يبكي على موت غيره                   دموعًا ولا يبكي على نفسه دما  وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره                   عظيمًا وفي عيبه عن عينه عمى   وسمع محمد بن سيرين يومًا من أحد الجالسين يسب الحجاج بن يوسف الثقفي بعد وفاته، فلم يترك الأمر يمر مرور غفلة، ولكنه لقن الجالسين من تلاميذه درسًا تربويًّا، يحتاجه كل من يريد الانتباه لهذه النفس، فقال: (صه يا ابن أخي، فقد مضى الحجاج إلى ربه، وإنك حين تقدِّم على الله ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد من أعظم ذنب اقترفه الحجاج، ولكل منكما يومئذٍ شأن يغنيه، واعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج فيمن ظلمهم، كما سيقتص للحجاج ممن ظلموه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بعيب أحد)(13).   وما يشتغل الناس بعيب الآخرين إلا لغفلتهم عن أنفسهم، تلك الغفلة التي قال عنها التابعي الجليل عون بن عبد الله بن عتبة: (ما أحسب أحدًا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه)(14). وتعذر نفسك إذا ما أسأت                      وغيرك بالعذر لا تعذر وتبصر في العين منه القذى                وفي عينيك الجزع لا تبصر   هذا الفقه التربوي الرائع الذي يجب على دعاة اليوم أن يكونوا شديدي الانتباه له، وهم في طريقهم لتربية نفوسهم، فكم نخرق من حرمة، وكم نهتك من ستر، وكم نقع في عظيمة، عندما نشغل أنفسنا بعيوب الآخرين.. ويحذرنا أحد أقطاب هذا الجيل بأن هذا هو الاستدراج، يقول السري السقطي: (من علامة الاستدراج للعبد: عماه عن عيبه، وإطلاعه على عيوب الناس)(15). شَرّ الوَرَى مَنْ يَعيْبِ الناس مُشْتَغِلٌ                    مِثْلَ الذُّبابِ يُرَاعي مَوْضِعَ العِلَلِ   وهذا مربٍّ من هذا الجيل يهديك وصيته، وخلاصة خبرته، يقول سهل بن عبد الله التستري: (لا تفتش عن مساوئ الناس ورداءة أخلاقهم، ولكن فتش وابحث في أخلاق الإسلام، ما حالك فيه، حتى تسلم ويعظم قدره في نفسك وعندك)(16).   فيا أخي.. هيا نثب وثبة إصلاح وتغيير لحال قد سلف، ونعلن أوبتنا ونهتدي بهدي السلف، فإن إهمال النفس هو التلف كل التلف. --------------- الهوامش: (1) حلية الأولياء ج3 ص102 (2) أدب النفوس، نقلاً عن حطم صنمك، وكن عند نفسك صغيرًا، للأستاذ مجدي الهلالي ص112 (3) حلية الأولياء ج6 ص250، وصفة الصفوة ج3 ص254 (4) السابق ج8 ص111 (5) السابق ج8 ص102 (6) الأحياء ج3 ص539 (7) صفة الصفوة ج3 ص218 (8) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان للإمام ابن القيم ج1 ص97 (9) صفة الصفوة ج4 ص510 (10) حلية الأولياء ج2 ص 107، وصفة الصفوة ج3 ص38، والطبقات الكبرى لابن سعد ج6 ص211 (11) العوائق لأستاذ محمد أحمد الراشد ص132 (12) السابق ص96 (13) من آفات الدعاة للدكتور يحيى إبراهيم اليحي ص22 (14) العوائق لأستاذ محمد أحمد الراشد ص133 (15) السابق ص131 (16) حلية الأولياء ج10 ص193 --------------- * الباحث بكلية دار العلوم- قسم الشريعة الإسلامية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل