المحتوى الرئيسى

‫‫أخطاء اللحظات الأخيرة‬‬

05/03 12:39

مالك عبيد ‫‫نجاح الثورة في وجه أي نظام ديكتاتوري كمشروع، يحتاج إلى توفر مجموعة من المكونات والشروط التي تتشابك فيما بينها مشكلة جسد الثورة الواحد والمتماسك, كالبعد الفكري، ووحدة الهدف، وإيمان الجماهير الثائرة بأهدافها الأخرى التي خرجت من أجل تحقيقها، حتى وإن أدى ذلك إلى الاصطدام بالمدرعات العسكرية، والموت تحت جنازيرها أو في المعتقلات السرية، بالإضافة إلى وجود القيادة الملهمة لحماسة وتحرك الجماهير. إلا أن هذه الشروط والمكونات لا يمكن لها أن توجد أو تنضج، دون نظام ديكتاتوري يعمل على القضاء على نفسه بنفسه، وذلك من خلال محاولات اللحظات الأخيرة للسيطرة على الشارع. تلك المحاولات التي غالبا ما تكون أخطاء فادحة تسرع من حركة الزمن بإتجاه الهاوية. إلا أن وجود قيادة مترهلة وفاسدة على الجانب الآخر من طاولة الصراع، ترتكب من الأخطاء ما يغذي الثورة بإكسير الحياة، لاتقل بأي شكل من الأشكال في أهميتها عن أهمية غيرها من الشروط السالفة الذكر.‬‬ ‫‫النظام المصري قدم نفسه في الأيام المنصرمة من خلال تعاطيه مع الثورة كحدث وتجربة وضعت وما تزال تضع وجوده وأفراد إدارته ككل على المحك، على إنه نموذج لكل الأنظمة الديكتاتورية التي تساهم وبفعالية تامة في دفع الجماهير ، وشحث همتها كي تستمر وتصمد، من خلال ارتكابه لمجموعة من الأخطاء التي لا تغتفر في حسابات وأصول إدارة الأزمات. فالثورة ماتزال قائمة ومستمرة في التصاعد والاحتداد يوما بعد يوم كلما خرج النظام المصري بتلبية مطالب قديمة على أنها حلول جديد محاولا بذلك "استعباط" الجماهير الغاضبة غير أنه يفشل. هذه الحلول التي أثبتت فشلها ولم تجد نفعاً، ولم تسمن من جوع، ماتزال هي محرك رئيسي للجماهير، وباعث حقيقي لها كي تصبح أكثر اصراراً على نيل مطالبها، وأكثر إلحاحا على تحقيق الهدف الأوحد والأهم وهو رحيل النظام المصري والمتمثل برأس الهرم وهو الرئيس حسني مبارك. فكل التدابير التي حاول النظام المصري إتخاذها للإلتفاف على الجماهير من قتل و"بلطجة" وسفك دماء وإرهاب وسحب قوى الأمن من الشارع، وترك الناس تلاقي لصوصا وقتلة ومعتدين لم يتوانوا في محاولة فاشلة لتحطيم أحد أهم أوجه وآثار التاريخ الإنساني في مصر، أمام مرأى ومسمع الإعلام والمجتمع الدولي.‬‬ ‫‫تحول استراتيجية النظام المصري أخيرا بلجوئه إلى محاولات التعتيم الإعلامي، وتهديد كل من يقف بالحياد في نقل المعلومة، وإخلاء ميدان التحرير من كل ما من شأنه أن ينقل صورة إلاحداث على الأرض، له دلالة واضحة في أجندة الحكومات الديكتاتورية وأنظمة البلطجة على النية للقيام بحجب ما لا يجب ان يرى من استخدام للغة السلاح والقوة المفرطة ضد مجموعة من الشباب المتظاهر ، الرافض لوجود حكم لم يلب مطامحه على مدى عقود بل إنه قاد مصر على إلى واد سحيق من الظلام والتراجع والفقر والفساد. بالإضافة إلى أن هذه التدابير التي تم اتخاذها بمهاجمة أجهزة الإعلام وتحطيم الكاميرات وتهديد الصحافة ومحاولة التأثير على نقلها للحقيقة الكاملة له دلالة أخرى وهي أن هذا النظام الذي أوهم الذهنية المصرية على مدى سنين حكمه بأنه يتمتع بالقوة والتماسك وإنه على أهبة الإستعداد لحماية البلاد من أي خطر ، أثبت أنه نظام ضعيف يخشى عدسة الكاميرات التي قد تنقل للعالم وللمصريين الوجه الحقيقي لإدارته وقادتها.‬‬ ‫‫منهجية النظام المصري في معالجة لاحتجاجات في الوقت الراهن هي الشرط الأساسي لإنجاح الثورة فيما بعد على حسب ما تشير إله نتائج تلك المواجهات. فالأوراق التي يحاول النظام المصري أن يلعب بها قد فقدت قيمتها الفعلية في حسابات الرابح والخاسر أمام ورقة واحدة للثوار ماتزال صامدة لا تتزحزح وبإرادة أصلب من السابق وهي البقاء لحين رحيل النظام الحالي. الثورة تدل على أن طاقم هذا النظام ومستشاريه لا يملكون عن الشارع الثائر أدنى معرفه. وهذا هو الخطأ الأفدح الذي يجب على أي نظام يشبه النظام المصري أن يتفاداه وإلا فإنه سيكون قد "زن على خراب عشه"‬‬ ‫‫الأخوان المسلمين الذين بدأ النظام المصري يشير إليهم على أنهم قادة هذه الثورة هم جزء من الشعب المصري كغيرهم من الفئات الدينية أو العرقية الأخرى والتي تعيش ضمن السياق الاجتماعي المصري، ويحق لها المشاركة بالدفاع عن بنية وطنها ومكتسباته. وعليه فإن الإشارة لفئة ما بعين الفئة الضلاله والعقوق. لن تفي بغرض القضاء على الثورة بالرغم من أنها من أهم الأوراق التي قد يتم من خلالها إبتزاز الرأي العام العالمي بالتلويح بـ "بعبع" سيطرة الجماعات الإسلامية على زمام الأمور والتي قد تجعل المصريين قبل دول الجوار والدول الكبرى يعيدون النظر بشرعية بقاء هذا النظام والقبول به على اعتباره الأقل ضرراً.‬‬ ‫‫ثورة الشارع المصري التي لا تحمل وجه قيادة تتمثل بشخص كما هي الثورات التقليدية التي كنا نقرأ عنها ونحلم بها دون أن نجدها في عالمنا العربي, لايمكن التلاعب بها ومناورتها من خلال عمليات تجميل فاشلة لا تمنح القبول والرضا، الذان كانا من المسائل المسكوت عنها بالأمس القريب جدا شعبيا واللتان لم يشملهما طوق حرية التعبير.‬‬ ‫‫ثورة اليوم ليست هي مجموعة من الشباب المتهور المطالب برحيل الرئيس بعد أن احتل كرسي الرئاسة لفترة تتجاوز نصف عمر النظام الجمهوري لمصر فحسب، وليست ثورة أيادي خفية من الخارج ومجموعة من الخونة كما يحاول النظام المصري أن يقدمها للعالم من خلال قنواته الإعلامية وطرق ملتوية. إنما هي منهج فكري ليس لكل الأنظمة العربية مجتمعة أن تواجهه بأسلحتها التقليدية والتي بذلت من أجلها الميزانيات الضخمة. لأن تلك الثورة بواد وكل الأنظمة الشمولة بواد آخر، لا تعي أن عجلت الزمن قد تجاوزته بسنين ضوئية.‬‬ ‫‫أزمة النظام المصري اليوم كما هي أزمة النظام التونسي من قبل ولعلها ستكون أزمة نظام عربي آخر فيما بعد، أنه يواجه ثورة يقودها كيان غير تقليدي ولا يمكن السيطرة عليه بالمنع والإرهاب...! فالفيس بووك وتويتر كأهم وجهين من وجوه الإتصال الحديثة ونقل المعلومة، هما من خلقا حدث الثورة بمعناه الحاضر، وهما من يقودان هذا التحرك الشعبي، وهما من يغذيان الجماهير بالأمل والأفكار، وهما من يرسمان خارطة التحرك وسقف المطالب. ‬‬ ‫‫فالجماهير التي خرجت بتونس من أجل اسقاط نظام زين العابدين بن علي ونجحت، والجماهير التي تنام لغاية الآن في ميدان التحرير، ومدن مصرية أخرى مطالبة برحيل النظام المصري الحالي، وتعالج جرحاها بالأقل من الإسعافات، ليست بانتظار خطب دينية ولا بحاجة لتوصيات أوثان المعارضة التي رقصت ردحا من الزمن على أحلام الشارع المصري لتبقى على قيد الحياة وتساهم أيضاً في بقاء نظام مترهل على قيد الحياة السياسية طوال الثلاثين عاماً. وإنما هي وفي وجودها في العراء أكثر تنظيما و"عقلاً" ووعياً وأدبا وأكبر من شعارات المعارضة التي سرعان ما فقدت شرعيتها وتلاشت جذوتها الكاذبة وتعرت أمام زخم االمصداقية والأمل الذيين يحملهما طابور الشباب الثائر.‬‬ ‫‫على النظام المصري أن يعي أن هذه الطوابير لايمكن صدها بالأسلحة لأنها تقاد بكيانات غير تقليدية، كما أنه لا بد من أن يعي أن حجم التنازلات التي يقدمها لا تكفي ولا تقنع الشباب المصري في ميدان التحرير على العودة إلى بيوتهم من جديد. وبالتالي فإن حقن الدماء الآن هي مسألة أخلاقية بحته لا بد من الإلتفات أليها لكي لا ينقلب السحر على الساحر خصوصاً بعد أن بلغ الحدث مسافة اللاعودة في طريق التغيير. ولم يعد هناك من مخرج لأزمة النظام المصري الذي سقط فعلياً بسفكه كل تلك الدماء دون وجه الحق. كما أنه يتوجب على قيادات ما يسمى بالمعارضة الخروج من اللعبة بترك محاولاتهم الالتفاف على الثورة بالقبول بالمفاوضات والمساومة على دماء قبلت بالتحدي ومضت كي لا تعود بغير هدفها الوحيد لأن منهجية وعقلية الجماهير الثائرة في غير مساحة التفكير التقليدي.‬‬

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل