المحتوى الرئيسى

الضوابط الشرعية للمعاملات المالية

05/03 12:09

تختص هذه الدراسة ببيان أهم الضوابط الشرعية التي تحكم المعاملات المالية , و في ضوئها يكون الحكم على شرعية وعدم شرعية المستحدث و المعاصر منها , و على أساسها تحدد الأهداف والسياسات والاستراتيجيات , وتوضع الخطط والبرامج و تراقب وتقوم المعاملات والأحداث المالية , و تتخذ القرارات اللازمة لتطوير الأداء إلى الأحسن و هذا كله وفقا لأحكام و مبادئ الشريعة الإسلامية . و من أهم هذه الضوابط ما يلي :تحقيق النية الصادقةقبل البدء في أي معاملة , يجب استحضار النية أن الغاية من العمل هو الحصول على المال الحلال الطيب ليعين الإنسان على تحقيق المقاصد الشرعية الآتية :-  الإنفاق على الحاجات الأصلية للإنسان للتقوية على عبادة الله سبحانه وتعالى .-  أداء الفرائض الشرعية و الواجبات الدينية .-  إصلاح الأرض واستغلالها وعمارتها .-  المساهمة في أعمال الخير والبر.و دليل هذا الضابط من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ( الأنعام:162) , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .....الحديث " ( رواه مسلم ). ولقد استنبط الفقهاء هذا الضابط  من القاعدة الفقهية: " الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها " وتأسيسا على ما سبق يجب على كل مسلم قبل أن يهم بأي معاملة أن يجدد النية بأن هذا العمل ابتغاء مرضات الله عز وجل وأن يكون العمل صالحا ولوجهه خالصا ليس فيه شيء لهوى النفس.الالتزام بالحلال الطيب و تجنب الحرام الخبيثو يقصد بذلك أن تكون المعاملات مشروعة أي مطابقة لأحكام و مبادئ الشريعة الإسلامية و الفتاوى الصادرة عن مجامع الفقه الإسلامي في المسائل المعاصرة , و كذلك أن تكون في مجال الطيبات , و تجنب الخبائث مهما كان قدرها . و دليل هذا الضابط من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ " ( البقرة: 168 ) , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا " ( رواه مسلم ) .و هذا الضابط مستنبط من القواعد الشرعية الآتية :-- الأصل في المعاملات الإباحة ( الحل ) .- وسائل الحرام حرام .- من اختلط بماله الحلال حرام أخرج قدر الحرام و الباقي حلال .- أكل المال بالباطل حرام .و تأسيسا على ما سبق يجب على المسلم إذا هم بمعاملة ما أن يعرف هل هي من الحلال الطيب فيقبل عليها, أم من الحرام الخبيث فيمتنع عنها .توثيق المعاملات بالعقود والعهودالالتزام بإبرام العقود والعهود و الوعود المطابقة لشرع الله عز وجل , و القائمة على السلامة والرضا والحق والوضوح و العدل , و مستوفية كافة الشروط الواجبة, و لقد أكد الله سبحانه وتعالى على هذا الضابط بقوله عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ "( البقرة: 282), و قوله سبحانه وتعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ "0 (المائدة:1).و من مرجعية هذا الضابط من القواعد الفقهية الآتية :- الأصل في العقود اللزوم .- المسلمون عند شروطهم إلا شرط أحل حراما أو حرم حلالا .- العبرة في العقود بالمقاصد .سلامة و استيفاء العقود والالتزام بهاو يقصد بذلك أن تكون العقود وما في حكمها من العهود و الوعود خالية مما يبطلها أو يفسدها حسب الأحوال , و من أمثلة ما يفسدها على سبيل المثال : الغرر والجهالة والإذعان وكافة صور أكل أموال الناس بالباطل , و لقد أكد القرآن على ذلك بقول الله تبارك وتعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ... " (النساء:29), ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاعتداء على أموال الغير , فقال صلى الله عليه       وسلم : " كل المسلم على المسلم حرام , دمه وماله وعرضه " ( رواه مسلم ) .كما يجب أن تكون مستوفاة لكافة الشروط التي تضبط الأعمال ليجنب الغرر والجهالة التي تفضي إلى النزاع المشكل .و يستند هذا الضابط إلى مجموعة من القواعد الفقهية منها :- الغرر الكثير يفسد العقود .- الجهالة المفضية إلى نزاع مشكل تبطل العقود .- حرمة أكل أموال الناس بالباطل .- الأصل في العقود اللزوم .مشروعية الغاية و مشروعية الوسيلةيعني ذلك أن تكون الغاية من المعاملات مشروعة , و الوسائل التي تستخدم لتحقيقها مشروعة , وأن الوسائل التي تؤدي إلى معاملات محرمة حرام , و هذا يتلخص في   المقولة: " مشروعية الغاية و مشروعية الوسيلة " .و من أدلة ذلك قول الله عز و جل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (التوبة : 28).و يرتكن هذا الضابط إلى القواعد الفقهية الآتية :-- وسائل الحرام حرام .- مشروعية الوسيلة .حسن الخلق مع الناسو يعتبر هذا الضابط من صور الالتزام بالأخلاق الحسنة والسلوكيات السوية مع الناس , فالدين المعاملة , و الأخلاق الحسنة تقود إلى معاملات حسنة , و الأخلاق السيئة تقود إلى معاملات سيئة .و دليل هذا قول الله تبارك وتعالى: "... وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً..." ( البقرة: 83), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنما الدين المعاملة " ( متفق عليه) , وقوله صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " ( البخاري ومسلم) .و من القواعد الفقهية  التي توجب حسن المعاملة مع الناس جميعا :- البيع بالتراضي.- الدين المعاملة.التيسير و رفع الحرج عن الناسو يعني ذلك تسهيل المعاملات و الاختيار من بين البدائل المشروعة الأيسر منها, وذلك لرفع الحرج عن الناس, والدليل على ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ " ( البقرة: 182 ) و قوله عز وجل : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " ( الحج:78) , و من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يسر ولا تعسر , و بشر ولا تنفر , وتطاوعا ولا تختلفا " ( رواه مسلم ).و يستند هذا الضابط إلى القواعد الشرعية الآتية :-- الضرورات تبيح المحظورات .- للأكثر حكم الكل , أو يأخذ اليسير حكم الكثير .- اليسير الحرام معفو عنه في كثير من الأحوال .- الغرر اليسير لا يفسد العقود .- المعروف عرفا كالمشروط شرطا .- إذا ضاق الأمر اتسع .الضرورات تبيح المحظورات بضوابطهاو يقصد بذلك أنه في حالة الضرورة يحول الحرام شرعا إلى حلال , و لهذه الضرورة ضوابط شرعية ولا يجب أن تترك لهوى النفس , و أحيانا تنزل الحاجة منزلة الضرورة لأن المشقة توجب التيسير, و دليل ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " ( البقرة: 173) .و مرجعية هذا الضابط من القواعد الفقهية ما يلي :- إذا ضاق الأمر اتسع .- المشقة توجب التيسير .- الحاجة تنزل منزلة الضرورة .وجوب تطهير الأموال من الحرام بعد التوبة الصادقةلقد حرمت الشريعة الإسلامية المال المكتسب من مصدر محظور منهي عنه شرعا, ويجب تحريزه وتجنيبه والتخلص منه في وجوه الخير العامة وليس بنية التصدق , مع التوبة والاستغفار والعزم الأكيد على تجنبه , و الإكثار من الأعمال الصالحات لتكفير الذنوب, ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً " ( الفرقان: 70) , و من السنة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن العبد إذا أذنب ذنبا , نكت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب و رجع واستغفر صقل قلبه منها ..... الحديث " ( رواه الترمذي وآخرون ) .و مرجعية هذا الضابط القاعدة الفقهية :" من اختلط بماله الحلال بالحرام يجب عليه إخراج قدر الحرام و الباقي حلال " .الالتزام بالأولويات الإسلاميةو يعني ذلك أنه يجب على المتعامل أن يلتزم بالأولويات الإسلامية وهي الضرورات فالحاجيات فالتحسينات , و تجنب الإسراف والتبذير و الإنفاق الترفي والمظهري و ما في حكم ذلك,و دليل هذا الضابط من القرآن قول الله تبارك وتعالى : " يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ " ( الأعراف: 31) , و يوصينا الرسول صلى الله عليه وسلم في ترتيب الإنفاق بقوله : " ابدأ بنفسك فتصدق عليها , فإن فضل شيء فلأهلك , فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قربتك , فإن فضل عن ذوي قربتك شيء فهكذا وهكذا .... " ( رواه أحمد والنسائي ) .و لقد اهتم الفقهاء بهذا الضابط مثل الإمام الشاطبي قي كتابه الموافقات , و هذا يستند إلى القواعد الفقهية الآتية :- الضرورات تبيح المحظورات .- الحاجة تنزل منزلة الضرورة .- لا اقتراض إلا لضرورة .الالتزام بالغنم بالغرمتقوم المعاملات بصفة عامة على ربط العائد بالتضحية و الكسب بالخسارة و الأخذ بالعطاء , وهذا ما يطلق عليه في كتب الفقه اسم : " الغنم بالغرم والخراج بالضمان " و يعني هذا العائد يقابل تضحية , ولا كسب بلا جهد , ولا جهد بلا كسب, ومن نماذج ذلك من  القرآن الكريم صفقة التجارة مع الله في الجهاد حيث قال سبحانه وتعالى : " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ " ( التوبة: 111) , و ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين الجهاد وتوزيع الغنائم . ومن مرجعية هذا الضابط من القواعد الفقهية ما يلي :-           الخراج بالضمان .-           الربح فيما اتفقا عليه و الوضيعة على صاحب المال .موالاة المؤمنينو يقصد بهذا الضابط أن تكون أولوية التعامل مع المؤمنين وهذا ما يطلق عليه اسم أولوية التعامل مع المؤمنين ,فالمسلم جزء من الأمة الإسلامية و يجب أن يحمل ولائه للمسلمين , ومن الصور التطبيقية للولاء الاقتصادي أن تكون أولوية المعاملات التجارية والاقتصادية والمالية بين المسلمين و دعم السوق الإسلامية المشتركة, ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  " ( التوبة: 71) , و حذرنا الله من موالاة الكافرين فقال : " لاَ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ المَصِيرُ " ( آل عمران: 28) .ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على موالاة المسلمين فقال : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " ( البخاري) , وقال : " لا تصاحب إلا مسلما ولا يأكل طعامك إلا تقي " (رواه أبو داوود والترمذي) , وقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم .......الحديث " ( رواه مسلم ) .و لقد أكد الفقهاء على أولوية التعامل مع المسلمين ومن مبررات ذلك ما يلي :- يجب دعم و عون المسلمين .- يجب المحافظة على عزة و قوة المسلمين .- يجب تجنب المعاملات غير المشروعة التي يقوم بها غير المسلمين أحيانا .- تدعيم السوق الإسلامية المشتركة .جواز التعامل مع غير المسلمين المسالمينو يقصد بذلك جواز التعامل مع غير المسلمين غير المحاربين من باب التيسير و رفع الحرج والمشقة , و كذلك من جانب المواطنة وتجنب الفتن , ولا يجوز التعامل مع غير المسلمين المحاربين ( دار الحرب) إلا عند الضرورة               التي تؤدي إلى مهلكة . ومن أدلة ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) " ( الممتحنة) .ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك , فقد ثبت أنه اشترى من يهودي طعاما نسيئة ( بالأجل ) , كما رهن درعه عند يهودي , فقد روى أنس رضي الله عنه , قال : رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعا عند يهودي بالمدينة , وأخذ منه شعيرا لأهله " .و لقد وضع الفقهاء مجموعة من الضوابط الفقهية للتعامل مع غير المسلمين ( غير المحاربين) منها :- أن يكون التعامل في حدود ما أباحته الشريعة الإسلامية .- الالتزام بالقسط والعدل والأمانة .- حرمة الاعتداء على أموالهم وأعراضهم و دماءهم .تحقيق النفع و تجنب الضرريقضي هذا الضابط بأن تحقق المعاملات النفع الذي يعود على الفرد نفسه وكذلك على الجماعة والأمة الإسلامية , و يكون هذا النفع مرتبطا بتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية, و كذلك تجنب أي معاملة فيها ضرر.و أصل هذا الضابط من القرآن الكريم هو قول الله تبارك وتعالى : " وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ " ( المائدة : 2) .و لقد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مجموعة من المعاملات لأنها تسبب أضرارا مثل التعامل في الخمر, و لحم الخنزير, و الميتة, والدم, و الأصنام, والصلبان, والتماثيل, والكلاب, و كسب الإماء ( الزنا), وبيع السلاح وقت الفتنة, والتسعير في الأسواق بدون ضرورة معتبرة شرعا, و قال صلى الله عليه و سلم : " من ضار ضار الله عليه , و من شق شق الله عليه " (رواه الترمذي) .و يستند هذا الضابط إلى مجموعة من القواعد الفقهية منها :- لا ضرر ولا ضرار .- الضرر يزال .- يتحمل الضرر الخاص .تجنب المعاملات التي تلهي عن الفرائض وإهداء الحقوقو يعني ذلك أن أي معاملة تصد عن سبيل الله ولا تمكن المسلم من أداء الفرائض والقيام بالواجبات الدينية تعتبر حراما, و لقد أشار القرآن إلى ذلك في العديد من الآيات مثل قوله سبحانه و تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " ( الجمعة:9), و من وصايا رسول الهم صلى الله عليه وسلم الواردة في الأثر: " لا يبارك الله في عمل يلهي عن الصلاة " .و من مرجعية هذا الضابط من القواعد الفقهية :-- إنما الأعمال بالنيات .- وسائل الحرام حرام .- المحافظة على مقاصد الشريعة .التورع عن الشبهاتو معنى ذلك أن يتورع المسلم في معاملاته عن مواطن الشبهات و تجنب أي معاملة فيها أدنى شبهة , محافظة على الدين وصونا للعرض واستغناءً بالحلال البين المقطوع بحله, ولقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من الأحاديث ما يؤكد ذلك , منها       قوله : " ... والمعاصي حمى الله , من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه "(الشيخان), وقوله صلى الله عليه وسلم : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (الترمذي) .و من مرجعية هذا الضابط من القواعد الفقهية :-- دع ما يريبك إلى ما لا يريبك .- الأعمال بالنيات .حرمة وبطلان الأعمال التي تفتح الباب إلى المفاسدو معنى ذلك تجنب أي معاملة تفتح الباب إلى مفسدة خاصة أو عامة لأن الأصل في المعاملات تحقيق المنافع, و دليل ذلك ما قاله جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه مسلم عام الفتح يقول : " إن الله و رسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام", فقيل يا رسول الله : أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح الناس بها قال : " لا هو حرام " , " ثم قال صلى الله عليه وسلم : " قاتل الله اليهود, إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوها , ثم باعوه فأكلوا ثمنه " ( البخاري) , و قال كذلك : " من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ليهودي أو نصراني أو من يتخذه خمرا فقد تقحم الناس على بصيرة " ( الطبراني في الأوسط)و يقوم هذا الضابط على القاعدة الفقهية التي تقول : " درء المفاسد مقدم على جلب المنافع" .المحافظة على الأموالو يعني ذلك أن المسلم يأخذ بالأسباب في المعاملات المالية التي تحمي المال من الهلاك و عدم تعرضه للمخاطر المالية التي تقود إلى الضياع , كما يتخذ التدابير اللازمة للمحافظة على المال من السرقة والابتزاز والرشوة , ولقد أشار القرآن إلى ذلك في قول الله عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ.. " ( النساء: 29) و قوله سبحانه وتعالى : " وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ", ( البقرة:188) , ولقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على الأموال , فقال : " .. و من قتل دون ماله فهو شهيد "(متفق عليه), وقوله صلى الله عليه وسلم : " أن الله كره إليكم ثلاث : قيل وقال , وإضاعة المال , و كثرة السؤال " (البخاري ومسلم).و دليل هذا الضابط من القواعد الفقهية ما يلي :- أكل المال بالباطل حرام .- لا ضرر ولا ضرار .تنمية الأموال بالاستثمارو يعني ذلك عدم اكتناز المال و حبسه عن وظيفته التي خلقها الله له , لأن ذلك يؤدي إلى انخفاض قيمته بسبب أداء الزكاة والتضخم , و في هذا المقام ينهانا الله عز وجل عن الاكتناز و يحثنا على الاستثمار فيقول : " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " ( التوبة : 34), و يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من عدم الاستثمار, فيقول : " استثمروا أموالكم حتى لا تأكلها الصدقة " (رواه أحمد) .و يدخل هذا الضابط في نطاق تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية و منها حفظ المال .الاستغفار لتحقيق البركات في الأموالو نعنى هذه القاعدة ذلك أنه على المسلم التقي الورع أن يكثر من الاستغفار لتطهير الأموال والمعاملات من الحرام ولتحقيق البركة , و دليل هذا الضابط من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى : " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً, يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً, وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً " ( نوح:10-12), والدليل من السنة قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا, ومن كل هم فرجا, و رزقه من حيث لا يحتسب " (رواه أبو داوود).و يدخل هذا الضابط في نطاق القاعدة الفقهية العامة : " إنما الأعمال بالنيات " والقاعدة " حفظ مقاصد الشريعة الإسلامية " .تعقيب على الضوابط الشرعية للمعاملات المالية .تعتبر الضوابط الشرعية السابقة الدستور الإسلامي للمعاملات المالية و الذي يُنظر إليه على أنه الأساس لوضع اللوائح والنظم والإجراءات التنفيذية في الواقع العملي , و كذلك المرجع الأساسي لاختيار السبل والوسائل والأدوات المعاصرة التي تستخدم في تنفيذ المعاملات المالية , كما تصلح أن تكون مرجعا لأي برنامج اقتصادي إسلامي وبديل للبرامج الوضعية الغير إسلامية .- منافع الالتزام بالضوابط الشرعية في المعاملات المالية المعاصرة :من المنافع المرجوة من الالتزام بالضوابط الشرعية في المعاملات المالية ما يلي :أولا : الارتياح القلبي والاطمئنان النفسي من أن المسلم يلتزم بشرع الله سبحانه وتعالى وتجنب محارمه , ولا يستشعر بذلك إلا أصحاب القلوب الخائفة من الله , والراجية رضاه , والطامعة في جنته . ثانيا : تحقيق الخير والبركة والزيادة في الأموال وفي الأرباح وتجنب المحق والحياة الضنك وهذا في حد ذاته يزيد من الاطمئنان من أن الله هو الرازق وأن بيده كل شيء .ثالثا : الوقاية من ارتكاب الذنوب والمعاصي والرذائل الاقتصادية التي تقود إلى فساد العقيدة والأخلاق أحيانا, حيث يقول العلماء أن للفساد الاقتصادي أثرا على الفساد الأخلاقي كما يقود الفساد الأخلاقي إلى فساد اقتصادي .رابعا : تجنب الشك والريبة والخصام والشجار بين المسلمين والمحافظة على رابطة الأخوة الصادقة والحب في الله , فالالتزام بالضوابط الشرعية من موجبات المحافظة على العلاقات الطيبة بين الناس .خامسا : سلامة واستقرار المعاملات بين الناس الخالية من الغش والغرر والجهالة والتدليس والربا .... وغير ذلك من صور أكل أموال الناس بالباطل , و هذا من موجبات وجود السوق الحرة الطاهرة .سادسا : تقديم الإسلام للناس على أنه دين شامل ومنهج حياة وليس دين عبادات وشعائر وعواطف فقط بل يمزج بين الروحانيات والماديات , وبين العبادات والمعاملات وصالح للتطبيق في كل زمان ومكان .سابعا : تفيد هذه الضوابط رجال الدعوة الإسلامية من وعاظ وعلماء ونحوهم في الدعوة إلى الله على بصيرة وعلم وكيفية ربط المفاهيم والقواعد والضوابط بالتطبيق العملي , كما تساعدهم في الإجابة على الاستفسارات المالية المعاصرة وبيان الجائز والمنهي عنه شرعا .ثامنا : تقديم نماذج عملية من المعاملات المالية التي تقوم على مرجعية فقهية مرنة وقابلة للتطبيق و تستوعب مستجدات العصر, وفي هذا بيان لعظمة الإسلام و عراقة الحضارة الإسلامية , والتأكيد على أن سبب تخلف الدول الإسلامية يرجع إلى عدم الالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة .تاسعا : تساعد هذه الضوابط الأفراد والشركات والمؤسسات ورجال الأعمال و من في حكمهم على أن يضعوا اللوائح المالية في ضوء الضوابط الشرعية و ليس وفقا لما يخالف شريعة الإسلام .عاشرا : تساعد هذه الضوابط كذلك في إعادة النظر في القوانين الاقتصادية والمالية والاستثمارية و ما في حكمها في البلاد العربية والإسلامية لتتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية و أن يكون نظامها الاقتصادي والمالي والأساليب والسبل التنفيذية مطابقة للشريعة كذلك .الخلاصةلقد تناولنا في الصفحات السابقة الإطار العام للقواعد الفقهية ذات الصلة بالمعاملات المالية, واستنبطنا منها أهم الضوابط الشرعية التي يمكن اعتبارها الدستور الإسلامي للمعاملات المالية المعاصرة .والغاية الكبرى من ذلك هو بيان المعاملات الحلال للالتزام بها , والمنهي عنها شرعا لنتجنبها, و مواطن الشبهات فنبتعد عنها, و عندما تتحقق هذه الغاية في معاملات الناس يكون قد تحقق رضا الله سبحانه وتعالى , وزيادة البركة في المال والأرباح والمكاسب , واستقرار المعاملات و تقوية الروابط الإنسانية بين الناس و تطبيق شرع الله عز و جل .و من موجبات تطبيق هذه الضوابط في الواقع العملي ما يلي :الفهم الصحيح للإسلام عقيدة وشريعة , وفهم قواعده وضوابطه الشرعية , والإيمان بأن الالتزام بها ضرورة شرعية و حاجة اقتصادية يثاب عليها المسلم .و بخصوص كيفية الالتزام بهذه الضوابط نوصي بالآتي :- الفهم الصحيح لفقه المعاملات بصفة عامة و فقه المعاملة التي يقوم المسلم بصفة خاصة .- أن يكون للمسلم مرجعية فقهية موثقة و معتمدة للرجوع إليها عند وجود معاملة مستحدثة تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي - إنشاء أرشيف أو مكتبة يحفظ فيها بعض كتب الفقه ذات الصلة بالمعاملات المالية ليرجع إليها عند الحاجة .- التزود الدائم بالتقوى والورع والخشية من الله والتوبة والاستغفار و تذكر الوقوف بين يدي الله القائل في أخر آيات القرآن : " وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ " ( البقرة :281).والحمد لله الذى بنعمته تتم لصالحات

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل