المحتوى الرئيسى

مفاتيح وإشارات لفهم دعوة الإخوان

05/03 10:32

بقلم: د. محمد صبحي رضوان مما لا شك فيه أن لكل باب مفتاحًا لا يفتحه غيره، وقديمًا قال الأصوليون إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولذا لكي نفهم دعوة الإخوان المسلمين فهمًا صحيحًا فإن ذلك يتطلَّب امتلاك مفاتيح هذا الفهم وصحة هذا التصور، وأود أن أشير إلى أن هذا التصور نابعٌ عن فهم الجماعة لكتاب الله عز وجل ولما جاء به رسول الله صلى الله علي وسلم، وأتمنَّى أن تكون النقاط التالية مفاتيح ومدخلاً مناسبًا لجماعة الإخوان المسلمين:   1- قال الله عز وجل: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)) (آل عمران)، وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه الأعرابي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أعرابي، سلْ حاجتك"، قال: يا رسول الله، ناقة برحلها وأعنز يحلبها أهلي، قالها مرتين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل"؟ فقال أصحابه: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟ قال: "إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر، ضلوا الطريق، فقال لهم موسى عليه السلام: ما هذا؟ فقال علماؤهم: نحن نحدثك: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا ما يدري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها، فأتته، فقال دلوني على قبر يوسف، قالت لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي قال: وما حكمك؟ قالت أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة (موضع مستنقع ماء) فقالت: انضبوا هذا الماء (أزيلوه)، فنضبوا، قالت احفروا فاستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض إذ الطريق مثل ضوء النهار".   وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى". ولا ننسى قول الصحابي الجليل ربعي بن عامر لرستم، حينما سأله: ما الذي دفعكم لقتالنا والولوع بديارنا؟ فقال له ربعي رضي الله عنه بنفس عالية: "جئنا لنخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".   وأقول معلقًا: إن المسلم في هذه الحياه لا بد أن ينظر إلى معالي الأمور. وعلى هذا الأساس بدأ مؤسس الدعوة الأستاذ البنا، رحمه الله تعالى، بتحديد أهداف للجماعة، بدأها بإصلاح الفرد وتكوين البيت وإرشاد المجتمع وإصلاح الحكومة وتحرير الوطن وأنهاها بهدفين عاليين هما: إعادة الخلافة، وأستاذية العالم.   2- قال الله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (الأنعام)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أراد الدنيا فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معًا فعليه بالقرآن".   وحكى الإمام الغزالي أن أربعة من العميان جاءوا لفيل، فوضع أحدهم يده على ذيله، ووضع الآخر يده على رجله، والثالث يده على خرطومه، والرابع يده على أذنه، ثم تذاكروا في شأنه، فقالوا هذا الفيل الذي نسمعه، ثم قال الذي وضع يده على رجله إنه كعمود المسجد، وقال الذي وضع يده على خرطومه إنه كخرطوم المطافئ، وقال الذي وضع يده على ذيله إنه حبل مبروم، وقال الذي وضع يده على أذنه إنه كالمروحة، فوجدهم رجل وهم مختلفون، فقال: تعالوا معي إلى هذا الفيل، ثم أمسكهم جميعًا بكل أعضائه حتى أحاطوا بها، وبهذا استطاعوا أن يصفوه على حقيقته.   وأقول معلقًا: إن نظرتنا للأمور يجب أن تكون شاملةً وليست من زوايا محددة أو جزئية، وعلى هذا الأساس قال مؤسس الجماعة الأستاذ البنا رحمه الله تعالى في فهمه للإسلام: "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا؛ فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة، وعبادة صحيحة سواء بسواء".   3- قال الله عز وجل: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) (التوبة)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وقال صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا عليًّا بن أبي طالب رضي الله عنه-: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم"، وفي رواية أخرى "خير من الدنيا وما فيها"، وأعني بذلك أن ندرك وجوب الدعوة إلى الله ونفهم حقيقة ما ندعو إليه وعقلية من ندعوه وضوابط الدعوة.   وقد حدَّد الإمام يرحمه الله أن الدعوة تكون للتسابق للخيرات ولندل بها على الخير، فقال: "أن تبينوا للناس غايتكم ووسيلتكم، وحدود فكرتكم، ومنهاج أعمالكم، وأن تعلنوا هذه الأعمال على الناس؛ لا للمباهاة بها ولكن للإرشاد، إلى ما فيها من نفع للأمة وخير لأبنائها، واحرصوا على أن تكونوا صادقين لا تتجاوزون الحقيقة، وأن تكون دعايتكم في حدود الأدب الكامل والخلق الفاضل والحرص التام على جمع القلوب وتأليف الأرواح، واستشعروا كلما ظهرت دعوتكم أن الفضل في ذلك كله لله.. (بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات: من الآية 17).   4- أن يدرك المسلم أن أعظم مهام دعوته هي تجديد الإسلام وإقامة نظامه الشامل، وخدمة المسلمين والبحث عن سعادتهم في الدنيا والآخرة، ثم إعطاء القدوة والنموذج في ذلك كله.. يقول الأستاذ البنا رحمه الله تعالى: "ففكرة الإخوان مستمَدَّةٌ من الإسلام وقائمةٌ عليه، ومن أجله تعمل وتضحي، فحين يتعاطى الإخوان مع مختلف مجالات العمل الدعوي؛ فهم يتعاطون مع الإسلام في حقيقة الأمر، وينفِّذون تعاليمه كما فهموه وكما فهمه الأسلاف في عهد النبوة وما بعده من عهود"، كما ذكر في موضع آخر أن "قومنا أعز علينا من أنفسنا"، وقال رحمه الله تعالى: "إن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد، ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم؛ الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات".   5- لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتدرج المعروف (ثلاثة عشر عامًا في مكة وعشرة أعوام في المدينة) طبَّقه رسول الله خطوةً خطوةً، حتى أقام دولة الإسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكمًا لهذه الدولة، ورئيسًا لها، وإمامًا لمسجدها، وقاضيًا بين أفرادها، وقائدًا عسكريًّا فذًّا، وداعيةً مخلصًا، وزوجًا حنونًا وأبًا رحيمًا، ولا نفهم من ذلك المركزية الشديدة، ولكن نفهم النموذج المتكامل الذى تجسَّدت فيه كل جوانب الشخصية التي ينشدها الإسلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم أفضل المربين، وسيد من أدار الأمور بتوزيعها على من يجيد وتفويض من هو أنسب، وكل من جاء بعده صلى الله عليه وسلم وعمل بنفس المفاهيم كرَّر نفس التجربة الرائدة.   وأقول معلقًا: إن الإسلام إذا فُهم فهمًا سليمًا وطبِّق تطبيقًا صحيحًا، وكان ملمح التدرج واضحًا في الدعوة إليه وفي تطبيقه؛ أوجد دولةً رائدةً سادت الدنيا وكانت نموذجًا حضاريًّا بمعنى الكلمة، وهل يشك أحد في دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودولة الخلفاء الراشدين من بعده.   يقول الأستاذ البنا رحمه الله في هذا الصدد: "يجب أن تكون دعامة النهضة التربية، فتُربَّى الأمة أولاً، وتفهم حقوقها تمامًا، وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق، والأمة التي تريد النهوض عليها أن تحيل الوطن إلى مدرسة كبيرة أساتذتها الزعماء والمصلحون، وطلبتها كل المواطنين، وعلومها الحقوق والواجبات أو قل الوسائل والغايات.. ولكن لا شك في أن الغاية الأخيرة أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار، ومتانة التكوين".   6- لو تتبعنا خطاب الخالق عز وجل للمؤمنين لوجدناه في غالبه خطابًا جماعيًّا بـ(يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا) (الحج: من الآية 78)، وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع؛ أشهرها قوله صلى الله عليه وسلم "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، وفي هذا كله إشارات لضرورة التكاتف والتلاحم والاتحاد والذي يؤكده العمل الجماعي في أوضح صوره.   ولما كانت الأهداف التي يسعى المسلمون لتحقيقها عظيمة تتعدَّى بكثير الجهد الفردي (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج: من الآية 78) كل ذلك أكد أهمية العمل الجماعي.   وأقول معلقًا: إن عقلاء العالم أدركوا أن جهد الواحد غير الاثنين والاثنين خلاف الثلاثة، وهكذا لجؤوا إلى تكوين وإنشاء كيانات تمثل تجمعات تمكنهم من إنجاز ما يهدفون إليه (الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال)، وعليه كان تصور مؤسس جماعة الإخوان المسلمين منطلقًا من أهمية تكوين جماعة تحمل مع غيرها هذا العبء وتدعو إليه وتحاول جاهدةً أن تجعله واقعًا في حياة الناس؛ لأن الإسلام دين الجماعة.   بهذه الإشارات (التطلع إلى معالي الأمور- الشمول- أهمية القيام بالدعوة إلى الله عز وجل- التدرج في الدعوة وفي العمل- ضرورة وأهمية العمل الجماعي- إعطاء القدوة والنموذج في كل ما سبق)، أرجو أن أكون قد قدمت مدخلاً  لجماعة الإخوان المسلمين، مستدلاًّ في ذلك بالكتاب العزيز والسنة المطهرة، داعيًا المولى عزَّ وجلَّ أن تلقى هذه الإشارات صدًى وقبولاً صادقًا وجادًّا لكل من يقرؤها من خارج الجماعة فيمد كلتا يديه للانضمام لها؛ لنتكاتف جميعًا من أجل أن تسود قيم الإسلام ومثله ربوع العالم كما أتمنى كذلك أن تكون دافعًا قويًّا للانطلاق والتماسك والبذل والعطاء لكل من ينتمي إليها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل