المحتوى الرئيسى

بن لادن آخر

05/03 01:48

عدنان حسين ميتة أخرى غير هذه الميتة الشنيعة كان يمكن لأسامة بن لادن أن يُلاقي حتفه بها.. ميتة لا تظل طيّ الكتمان في ساعاتها الاولى ، ولا يعقب الإعلان عنها تسونامي من مشاعر الفرح والشماتة كالذي عصف بالعالم أمس من أقصى شرقه إلى أبعد غربه. بن لادن كان مؤهلاً لأن يموت بسلام على سريره في البيت أو في المستشفى، محاطاً بمحبيه من أفراد عائلته وأصدقائه، وأن يُشيّع إلى مثواه الأخير في مقبرة معلومة وليس في لجّة البحر، في جنازة مهيبة يمشي فيها عدد من الرؤساء والملوك والسلاطين أو ممثلوهم بالإضافة الى أمراء ووزراء ورجال دين بارزين وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية مرموقة، فيما تتدفق عبر العالم موجات من الشعور بالحزن والأسى والأسف. كان يمكن لأسامة بن لادن أن يكون بطلاً إنسانياً يحوز على جوائز عالمية كجائزة نوبل للسلام وعلى شهادات التقدير والتكريم في القارات أجمع لو انه اختار في الحياة طريقاً أخرى، كالطريق التي مشت عليها الأم تيريزا أو سلكها البروفيسور محمد يونس على سبيل المثال. الأم تيريزا اختارت، من منطلق ديني، أن تكرّس حياتها لخدمة الفقراء في الهند فكوفئت بجائزة نوبل وبتطويبها قديسة. وبروفيسور الاقتصاد والمصرفي البنغلاديشي محمد يونس رأى، من منطلق أنساني، أن يؤسس بنكاً لمساعدة الفقراء، وبخاصة النساء، في إنشاء ورشات إنتاجية لهم، فانتقلت بمشروعه ملايين العائلات من فقرها المدقع المزمن إلى الحياة الكريمة، فكوفئ هو الآخر بجائزة نوبل للسلام وبتقدير عالمي سيظل خالداً إلى الأبد. ورث أسامة بن لادن، وهو في عزّ شبابه، عن أبيه 300 مليون دولار، وهي ثروة كانت ستبلغ قيمتها الآن عدة مليارات لو عمل بن لادن على طريقة بيل غيتس، صاحب شركة مايكروسوفت العملاقة الذي تبرّع بعدة مليارات من الدولارات، هي نصف ثروته، للأعمال الخيرية. وكان يمكن لـ"بن لادن" أن يعمل على طريقة البروفيسور يونس لدعم الفقراء في بلاد الإسلام، وما أوفرهم! لينال محبتهم وتقدير العالم. على النقيض اختار بن لادن أن يستثمر ثروته في الشر، بل في أسوأ أنواع الشر: الإرهاب، وكانت الحصيلة أن أحرق مئات ملايين الدولارات في نسف المباني الكبيرة بالعاملين فيها والمجمعات السكنية بسكانها، وفي تفجير الأسواق والمدارس والمستشفيات والجوامع والكنائس والسفارات والمطارات ومحطات السكة الحديد والقطارات والطائرات وباصات النقل العام ومراكز الشرطة.. وهذا ما حدث في أفغانستان وباكستان والعراق والسعودية ومصر والولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا واسبانيا وفرنسا واندونيسيا والهند وتركيا والصومال وتنزانيا، وسواها... وتطول قائمة البلدان التي فُجعت بالأعمال الإرهابية لمنظمة القاعدة وفروعها وخلاياها وحركة طاليبان، والتي خلّفت مئات الآلاف من القتلى والمصابين في هذه البلدان، معظمهم من المسلمين، وأحدثت دماراً هائلاً في الممتلكات التي يعود معظمها للمسلمين أيضاً. كان يمكن لأسامة بن لادن أن يُورّث أبناءه وبناته وأحفاده إلى جانب الثروة المادية الطائلة سمعة حميدة لا تقدّر بقيمة، لكنه اختار أن يمشي في الاتجاه المعاكس، فاللوثة العقلية – الفكرية التي عصفت برأسه جعلته يعتقد أن الدين عصبية وان الإسلام لا يكون إلا بالسيف، فعمد إلى نشر الخراب في كل مكان، معمماً صورة الإسلام باعتباره ديناً وحشياً والمسلمين باعتبارهم ضواري لا تجيد إلا القتل غير الرحيم. *نقلا عن "المدى "العراقية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل