المحتوى الرئيسى

ارحل يا غسان بن جدو غير ماسوف عليك

05/02 20:21

وأنا أتابع الزّخم الإعلاميّ الكبير الذي صنعته بعض وسائل الإعلام حول استقالة الإعلاميّ "غسّان بن جدّو" من قناة الجزيرة الفضائيّة، تذكّرت قصّة الذّبابة التي حطّت على جذع نخلة، فلمّا همّت بالرّحيل قالت للنّخلة: "تماسكي فإنّي راحلة عنك"، فضحكت النّخلة وقالت للذّبابة: " وهل شعرت بك حين نزلت عليّ، حتى أشعر بك وأنت تغادرين؟!". قد لا نتّفق مع الجزيرة في كثير من اختياراتها، وقد نعتب عليها إحجامها عن نصرة الحقّ والحقيقة في بعض القضايا، وبخاصّة ما يتعلّق منها بالإسلام والإسلاميين، ولكنّ الإنصاف يقتضي منّا أن نعترف لهذه القناة بريادتها في فضاء الإعلام العربيّ، وبأنّها الأفضل بين كثير ممّا هو موجود، على الأقلّ لأنّها وقفت مع المستضعفين في كثير من القضايا، وكانت صوتا لمن خنقت أصواتهم في زمن الدّجل الإعلاميّ، وفي زمن الإعلام الرّسميّ الذي يرفع شعار:{ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَاد }. "بن جدّو" برّر استقالته بكون الجزيرة قد تحوّلت فجأة إلى غرفة عمليات في تغطيتها للشّأن السّوريّ، وهذا المبرّر في حقيقة الأمر يفضح هذا الإعلاميّ ولا يفضح القناة، لأنّ كلّ متابع يلحظ أنّ الجزيرة تغطّي أحداث سوريا بالطّريقة نفسها التي غطّت بها أحداث تونس ومصر، فلماذا لم يستقل بن جدّو يومها بدعوى أنّ القناة تحوّلت إلى غرفة عمليات ضدّ النّظامين التّونسيّ والمصريّ؟. لم يشفع للجزيرة عند غسّان بن جدّو أنّها تعمّدت التّعتيم على أحداث سوريا في بدايتها حتى لا تتّهم بأنّها كانت المحرّك لها، وكادت تفقد مصداقيتها وهي تغضّ الطّرف عن المجازر التي كان النّظام السّوريّ يرتكبها في حقّ المتظاهرين، ولم يشفع لها أنّها كانت تنقل لمشاهديها تصريحات لبعض الموالين للنّظام السّوريّ تستهتر بدماء الأبرياء وتدافع عن الجلاّد وتحمّل المسؤولية للضحيّة، ولم يشفع لها أنّها مارست ولا تزال تمارس تعتيما مريبا على الانتفاضات التي تعرفها إيران من حين لآخر، وعلى الدّور الإيرانيّ ودور حزب الله اللّبنانيّ القذر في تثبيت أركان النّظام السّوريّ على حساب دماء وأرواح الشّعب السّوريّ الأبيّ، ولم يشفع لها أنّها تحوّلت إلى ناطق رسميّ باسم حزب الله وباسم أمينه العامّ حسن نصر الله. كلّ هذا لم يشفع للجزيرة عند "غسّان بن جدّو"، فقرّر أن يقدّم استقالته، لأنّ الجزيرة قرّرت بعد أن طفح الكيل أن تنقل شيئا ولو يسيرا من المجازر التي يرتكبها النّظام السّوريّ في حقّ شعبه، وقرّرت أن تنقل بعض الصّور والمقاطع التي امتلأت بها شبكة الأنترنيت، ونقلتها كثير من القنوات. إذا كانت الجزيرة لم تكن مهنية في نقل ما يحدث في سوريا، فلماذا لا يستغلّ النّظام السّوريّ هذه الفرصة لكشف الحقيقة، بأن يسمح لقنوات مثل البي بي سي لنقل الصّورة الحقيقة للمشهد السّوريّ؟. لقد نقلت الجزيرة كغيرها من القنوات مقطعا مرئيا لأفراد من قوات الأمن السّوريّ ومن مليشيات الشبيحة وهي ترفس السّوريين في مدينة البيضة السوريّة، في مشهد هزّ الملايين في العالم. الإعلام السّوريّ كعادته في الدّجل ركّز على الجزيرة بالذّات واتّهمها بأنّها نقلت مشاهد من العراق وزعمت أنّها من سوريا، ولكنّ السّوريين أبوا إلا أن يفضحوا إعلامهم المتآمر فقاموا بتصوير المكان الذي صوّر فيه المقطع الأصلي، وطابقوا بين المقطعين، وظهر للعامّ والخاصّ مدى الإسفاف الذي بلغه الإعلام السّوريّ. وهذا مثال من بين عشرات ومئات الأمثلة التي تثبت حرفية الجزيرة في مواجهة الإعلام العربيّ الرّسميّ. فارحل يا غسّان غير مأسوف عليك.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل