المحتوى الرئيسى

لا تحزن بقلم : محمد محمود عمارة

05/02 20:05

هل أحزنك أنك كنت ذو منصب و جاه فلما زالا عنك انفض الناس من حولك و أداروا لك ظهورهم و طعنوك في ظهرك و قلبوا لك ظهر المجن ؟ - لا تحزن ، فهذه ليست محنة ، بل منحة لأن الشدائد تظهر معادن الناس فيظهر النفيس و ينتفي الخبيث ، و منْ لا يعرفك في محنتك ، فما حاجتك إليه في رخائك ؟ إن كنت عاقلاً فستستفيد من المنحة و تتعلم الدرس و تعيه ، و ستدرك أن كثيرين ممن مروا بحياتك و كنت تحسبهم أصدقاءاً أعزاء مجرد أشباح مروا من هذا المكان المسمى رحلة حياتك. فلا تحزن عليهم و لا تبتأس . و إن كنت حزيناً على المنصب فاعلم أن المناصب يزينها أصحابها لكنها تغر ضعاف العقول و النفوس لأنهم لو تدبروا قليلاً لأدركوا أنها كالدنيا لا تدوم لأحد. - لا تحزن و لا تندم على من مددت له يدك ابتغاءاً لوجه الله بالأمس فعضها اليوم ، لأن الأجر من الله أجدى و أنفع من شكر الناس ، و تذكر أن من الناس منْ أعطاه الله فشكر غيره ، و رزقه فعبد سواه ، فمن تكون أنت حتى لا يجحدك الناس؟ هل أحزنك أن شريك حياتك هجرك بلا مقدمات فطعن فؤادك و جرح مشاعرك و تركك كطير ذُبح بسكين بارد لا يعرف بأي ذنب قُتل ؟ - لا تحزن ، فكيف يستحق دمعك من قسى عليك ؟ و كيف تهتم و تبقي في محور اهتمامك و في صميم فؤادك من ألقاك من فوق ذروة حياته غير عابئ باغتيال عواطفك؟ من أحبنا بصدق أحببناه ، و من قدرنا قدرناه ، و من تركنا و جرحنا قبل أن يغادرنا شطبنا اسمه من كل قوائمنا بممحاة الكرامة وداوينا الجرح بنعمة النسيان. لا تترك نفسك رهين و أسير تجربة فاشلة ، ا نهض و انفض عنك غبارها ، قف على قدميك و سر قدماً نحو المستقبل بعد أن تعي الدرس و تستفيد من أخطائك لتتلافاها في القادم من حياتك. هل عاندتك الحياة فأمطرتك بوابل من الابتلاءات و كدرت صفوك فلم تر منها سوى الزوابع و الأعاصير ولم تعرف فيها سوى الحزن و الألم ؟ - الابتلاء ليس من الحياة ، بل من الله ، فلا تحزن و ابتسم لأن الله ما ابتلاك إلا لأنه يحبك و ما أخذ منك إلا ليعطيك ،و اعلم أن أشد الناس ابتلاءاً الأنبياء فالذين يلونهم ، فإن أردت أن ترتقى إلى هذه المنزلة فليس عليك سوى الصبر ، و الصبر ليس له جزاءاً سوى الجنة في الآخرة ، و في الدنيا الشدة يأتي معها الفرج و اليسر كما قال تعالى " إن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا " ، و الصبر ملجأك الوحيد فتفوز بالحسنيين : رضا الله و الجنة ، و لا تلقي بنفسك إلى اليأس و الإحباط فيجتمع عليك الأمّرين : مرارة اليأس و سخط الله. و تذكر أن من الأولين من كان خيراً منك فابتُلي فصبر و شكر ، فيوسف الصديق النبي بن الأنبياء حُرم من والديه صغيراً و بٍيع بيع العبيد و سُجن ظلماً فصبر و شكر فرضى الله عنه و منّ عليه بملك مصر و لخص محنته في هذه الآية الكريمة " إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " و إن كنت من أهل المعصية فأبشر فما الابتلاء إلا لمحو خطاياك لتبدأ مع الله طريقاً جديداً يخلو من المعصية و الذنوب و الآثام . جاء في الحديث القدسي الذي يُروى عن رب العزة " أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا إلىّ فأنا حبيبهم ، و إن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب و المعائب. هل أقعدك المرض و طال عليك و مزقك بآلامه ؟ - لا تحزن لأنه طهور إن شاء الله . هل تذكر المرأة التي أتت الرسول صلى الله عليه و سلم تطلب منه أن يدعو لها لأنها مصابة بالصرع و تتكشف ، فخيرها بين الصبر و الجنة وبين دعوته لها بالشفاء فاختارت الصبر و الجنة وسألته أن يدعو لها حتى لا تتكشف ؟ هل تذكر حديث الرسول صلى الله عليه و سلم : " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها " ؟ هل أحزنك فراق الأحباب و الأهل و الصدقاء بعد أن غيبهم الموت ؟ - لا تحزن ، فكلنا مفارق و ما الدنيا إلا كحافلة كلنا ينزل في محطته ، المهم أن تكون قد أعددت نفسك لتلك اللحظة حتى لا تندم وقت لا ينفع الندم . قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني وصححه الحاكم وغيره: " جاءني جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد ! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس " و أخيراً لا تحزن على شيئ فاتك من هذه الدنيا لأنها بما حوت لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، و العاقل لا يندم على ما فاته و لا يفرح بما أتاه لكنه يحمد الله في البلاء فيصبر و يحمد الله في السراء فيشكر و يلجأ إليه وقت الشدائد و المحن لأن بابه هو الباب الوحيد المفتوح بلا إذن و لا عوائق في كل و قت ، و هو الوحيد الذي لا يرد سائلاً أو صاحب أو صاحبة حاجة أتوا إليه ضعفاء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل