المحتوى الرئيسى

أُولى ثمار الثورة المصرية كانت فلسطينية!بقلم:جواد البشيتي

05/02 18:56

أُولى ثمار الثورة المصرية كانت فلسطينية! جواد البشيتي هذه المرَّة لم تكن إسرائيل على عِلْم مسبق؛ بل (وهذا ما يضاعف من انزعاجها وقلقها) لم تكن تتوقَّع؛ فاستخباراتها لم يكن لديها من المعلومات والمعطيات ما يسمح لها بتوقُّع أنْ تتصالح حركتا "فتح" و"حماس" الآن، وفي القاهرة، وبفضل الرِّعاية المصرية الجديدة لجهود ومساعي المصالحة بين قطبي السياسة، والحياة السياسية، الفلسطينية، والتي (أي هذه الرِّعاية) مع نتائجها تَصْلُح دليلاً عملياً وقوياً على أنَّ مصر، في عهدها الجديد، قد شرعت تستعيد (وسريعاً) المفقود (على كثرته) من دورها العربي والإقليمي، ومن مكانتها الدولية؛ وليس من موضع يستحق أنْ تبدأ منه مصر الجديدة استعادة هذا المفقود إلاَّ القضية الفلسطينية، بكل أبعادها وأوجهها. من قبل، أي في عهد مبارك، كانت مصر تحرص كل الحرص على تنسيق جهودها ومساعيها لرأب الصدع بين "فتح" و"حماس" مع إسرائيل والولايات المتحدة، وقوى أخرى إقليمية وعربية ودولية، وعلى أنْ تحيط الحكومة وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عِلْماً بكثير من تفاصيل ما تعتزم القيام به من تحرُّك، وبذله من جهد، لتسوية النزاع بين "فتح" و"حماس"، وهي تعلم أنَّ مصلحة إسرائيل (التي لم تتغيَّر بَعْد) تقضي ببقاء هذا النزاع بلا حلٍّ؛ ولقد كان هذا سبباً كافياً لجعل الدور المصري، في هذا الصدد، عديم الفائدة والأهمية، ولاستمرار وتفاقم هذا النزاع، من ثمَّ؛ وكأنَّ الهدف الكامن كان أنْ تظل تسوية النزاع بين هذين الطرفين الفلسطينيين مؤجَّلة إلى أنْ يتأكَّد (للإسرائيليين على وجه الخصوص) أنَّ "المصالحة" ستأتي بما يُخْضِع الفلسطينيين أكثر لمشيئة إسرائيل، وبما يجعلهم أكثر ضعفاً في التفاوض معها، أو في مقاومتها. وإنِّي لأرى في "المصالحة"، وفي لحظة حدوثها، ما يؤكِّد التحرُّر المتزامِن للأطراف الثلاثة، أي مصر و"فتح" و"حماس". مصر، في عهدها الجديد، أرادت أنْ تُثْبِت أنَّ "تحرُّرها الداخلي (من عهد مبارك مع ما يمثِّل)" سيَجِدُ سريعاً تتمته المنطقية والعملية والواقعية في سياستها الخارجية، وفي ما يختصُّ منها بإسرائيل والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص؛ و"فتح"، مع السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، أرادت أنْ تُثْبِت أنَّ ما منيت به "عملية السلام" من فشل ذريع بسبب جملة المواقف السلبية لحكومة نتنياهو، وما أظهرته إدارة الرئيس أوباما من عجز عن تغيير هذه المواقف، قد جعلها أكثر اهتماماً بإظهار وتأكيد استقلال قرارها في ما يخص أمر المصالحة مع "حماس"، التي فَهِمَت التغيير المصري الواسع والعميق، مع ما يحدث في سورية الآن، على أنَّه دعوة (من الواقع وحقائقه الجديدة) لها إلى تنأى بجهود ومساعي المصالحة (مع "فتح") والتي ترعاها وتقودها مصر الجديدة عن التأثيرات والضغوط السورية والإيرانية؛ لقد نأى المصريون والفلسطينيون ("فتح" و"حماس") بملف المصالحة عن تأثيرات وضغوط إسرائيل (والولايات المتحدة) وسورية وإيران فتحقَّق في ساعات معدودة ما عجزت عن تحقيقه سنوات عدة من الجهود والمساعي المصرية (وغير المصرية). "حماس" تَجِدُ الآن سنداً لها (لكن ليس بما يلحق الضرر بـ "فتح" والسلطة الفلسطينية برئاسة عباس) في التوازن السياسي الداخلي لمصر في عهدها الجديد؛ فجماعة "الإخوان المسلمين" المصرية، وبصفة كونها الحليف الطبيعي والقوي لحركة "حماس"، والقوَّة ذات التأثير القوي والمتزايد في مصر ما بعد الثورة، ضغطت، وتضغط، في اتِّجاه جَعْل القاهرة أكثر توازناً في موقفها من طرفي النزاع الفلسطيني؛ وما يحدث في سورية الآن من صراع هو في بعضٍ من أوجهه صراع بين نظام الحكم وجماعة "الإخوان المسلمين" السورية يفْرِض على حركة "حماس"، التي تتَّخِذ من دمشق مقرَّاً لقيادتها السياسية في الخارج، أنْ تفكِّر جدِّياً في احتمال أنْ تضطَّر مستقبلاً إلى أنْ تغادر سورية، موقعاً وموقفاً. وقد تَجِد "حماس" نفسها مستقبلاً في مأزق أشد إذا ما أدَّى تطوُّر الأحداث في سورية إلى ما يجعل إيران و"حزب الله" في تحالف مع نظام الحكم السوري ضدَّ القوى المعارضة له، والتي منها، إنْ لم يكن في مقدَّمها، جماعة "الإخوان المسلمين" السورية. وفي الأردن، يمكن أنْ تسعى الحكومة إلى تحقيق انفراج في علاقتها بجماعة "الإخوان المسلمين" الأردنية من خلال تحسين علاقتها بحركة "حماس". المصالحة بين "فتح" و"حماس" هي الضربة الأولى والمفاجئة التي وجَّهتها مصر الجديدة إلى إسرائيل (ولقوى إقليمية أخرى). أمَّا ضربتها الثانية، والتي لن تقلَّ إيلاماً لإسرائيل عن الأولى، فسوف تكون إنهاء كل مظاهر "الحصار المصري" لقطاع غزة من خلال الفتح الدائم والنهائي لمعبر رفح؛ ولا شكَّ في أنَّ المصالحة التي تتضمَّن (في إجراءات وتدابير تنفيذها) وجوداً أمنياً للسلطة الفلسطينية (من خلال "الحكومة الفلسطينية المؤقتة") على الجانب الفلسطيني من معبر رفح ستجعل البقية الباقية من مظاهر الحصار (للقطاع) فاقدةً الشرعية والمبرِّر، وإنْ ظلَّت إسرائيل مصرَّةً على إبقاء "الممر الآمن" بين الضفة والقطاع مُغْلَقاً، وعلى التحكُّم بمعابرها الحدودية مع قطاع غزة بما يُعبِّر، هذه المرَّة، عن معارضتها لإتمام المصالحة بين "فتح" و"حماس". ولقد أحسن الرَّاعي المصري صُنْعاً إذ جَعَل "محطَّة أيلول (المقبل)" تتوسَّط بين "تحقيق المصالحة" و"إجراء الانتخابات" للمجلس التشريعي ورئاسة السلطة والمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ فهذه الانتخابات مع نتائجها ستتأثَّر كثيراً بمسار الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية بدءاً من أيلول المقبل. وهذا المسار الجديد هو بحدِّ ذاته نفي للمسار القديم، أي لمسار "الدولة المتأتية من التفاوض المباشِر" بين إسرائيل والفلسطينيين؛ فهذا التفاوض أصبح الآن ممكناً استئنافه بعد (وليس قبل) الاعتراف الدولي (في أيلول المقبل، أو بدءاً منه) بالدولة الفلسطينية، بصفة كونها حقاً قومياً للفلسطينيين، معترفاً به دولياً، وغير قابل (أي يجب أن يكون غير قابل) للتفاوض (مع إسرائيل). وهذا إنَّما يعني أنَّ التفاوض (المباشِر) مع إسرائيل لن يُسْتأنف إلاَّ إذا أصبح تفاوضاً بين دولتين من أجل التوصُّل إلى معاهدة سلام بينهما. وينبغي لإسرائيل الآن أنْ تفهم جيِّداً معنى "الأزمة" في مَدِّها بالغاز المصري، فمصر الجديدة تتَّجِه إلى التزام معاهدة السلام مع إسرائيل وفق تفسير يسمح لها (أي لمصر) باتِّخاذ هذه المعاهدة وسيلة ضغط على الدولة العبرية بما يحملها على أنْ تفهم السلام، من الآن وصاعداً، على أنَّه سلام بين الشعوب، وليس بين إسرائيل ودول، أو أنظمة حكم، عربية. إنَّ مصر الجديدة، ومن غير تنهي معاهدة السلام بينها وبين إسرائيل، ستعرف كيف تَزُجُّ بثقلها الجديد (الحُرُّ من قيود العهد السابق) في معركة استعادة الفلسطينيين والعرب لثقلهم السياسي والتفاوضي؛ فإمَّا أنْ تجنح إسرائيل لسلامٍ مستوفٍ لشروط "سلام الشعوب" وإمَّا أنْ تَجِد نفسها في مواجهة مقاومة فلسطينية وعربية لم تعرفها من قبل. ونحن يكفي أنْ نتأمَّل جيِّداً معاني "الضربة المصرية ـ الفلسطينية" المباغتة حتى نقول، وحتى نكون صادقين في قولنا، هنيئاً للشعب الفلسطيني بانتصار الثورة المصرية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل