المحتوى الرئيسى

المصالحة الفلسطينية.. معوقات وتحديات: بقلم د. خالد محمد صافي

05/02 19:23

المصالحة الفلسطينية .. معوقات وتحديات: بقلم د. خالد محمد صافي تَرددت وما زال تتردد مقولة أن المصالحة الفلسطينية ليست شأناً فلسطينياً بل عربياً وإقليمياً ودولياً، وكأن من يرددها يريد أن يقول أن المصالحة غير ممكنة بل مستحيلة في ظل المصالح المتعارضة والمتناقضة فلسطينياً وعربياً وإقليمياً ودولياً. دون أن يدرك هذا المُردد أن القضايا السياسية لأي مجتمع لا يمكن أن تتم بمعزل عن المحيط، وأن مكونات القضايا السياسية هي مكونات ذاتية وموضوعية في الوقت نفسه. كما أن تعريف السياسة بأنها فن الممكن، وأنها تعني البحث عن تقاطع المصالح، يعني أن التآمر السياسي من أجل تحقيق الممكن خدمة للمصالح والأهداف المنشودة ليس مستبعداً في الشأن السياسي على صعيد الفكر والممارسة. وقد لا نحيد كثيراً عن الصواب إذا عرفنا السياسية بأنها فن التآمر من أجل تحقيق المصالح الحزبية والوطنية ... الخ. و هذا يدفعنا إلى القول أن من يعتقد أن المصالحة الفلسطينية يمكن أن تكون شأناً فلسطينياً فقط فهو مخطئ لاسيما وأن الأطراف الفلسطينية ليست أطراف مستقلة لا على المستوى السياسي أو المالي بل لها تأثرات جمى بالمحيط. فالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أسيرة اتفاقات سياسية وأمنية ومالية، وسلطة الأمر الواقع في غزة تحكمها موازين قوى وارتباطات بمحاور سياسية وأمنية ومالية. أي لا يمكن الحديث عن قرار فلسطيني مستقل مائة بالمائة لا هنا في غزة ولا هناك في رام الله. ولا يعني ذلك أن واقع الشأن الفلسطيني محكوم بقراراته للغير ولا يستطيع أن يحلق بعيداً عن نفوذ وسيطرة المحيط بل يعني أن التحديات في الشأن الفلسطيني هي كبيرة نظراً للدور الكبير الذي تلعبه العوامل الموضوعية مقابل العامل الذاتي. وقد برز ذلك جلياً من أن توقيع ورقة المصالحة من قبل حركة حماس كان تأثراً وتكيفاً مع متغيرات المحيط العربي والإقليمي. ولابد من الإشارة هنا أن المعوقات والتحديات التي تواجه تنفيذ المصالحة على أرض الواقع هي معوقات ذاتية وموضوعية. فهناك قوى داخل حركتي فتح وحماس سوف تعرقل تطبيق المصالحة لأجندة شخصية وحزبية تم تناولها سابقاً في أحد مقالاتنا. أما حديثنا في هذا المقال فيتطرق إلى المعوقات الموضوعية لاسيما الجانب المتعلق بالطرف الإسرائيلي. فمن المؤكد أن الانقسام الفلسطيني وبقاءه هو استراتيجية إسرائيلية ماضياً وحاضراً ومستقبلاً وأن إسرائيل قد استفادت كثيراً من الانقسام في السنوات السابقة على المستوى السياسي والأمني والاستيطاني. فقد خطت إسرائيل خطوات كبيرة على صعيد تهويد القدس، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وتهربت من استحقاقات سياسية تحت ذريعة عدم وجود شريك فلسطيني في ظل الانقسام الفلسطيني. وربما كانت الاستفادة العظمى لإسرائيلي هو انكفاء الخطاب الفلسطيني السياسي والإعلامي على نفسه. وتراجع إرادة الإنسان الفلسطيني الذي عانى تيه الهدف والمشروع والهوية، والتيه الأسري والعائلي والمجتمعي. ولذلك عملت السياسة الإسرائيلية على عرقلة المصالحة الفلسطينية. وكان تصريح نتنياهو أن على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية أن تختار بين السلام مع إسرائيل أو السلام مع حركة حماس. ويعد ذلك قمة التدخل الإسرائيلي السافر في الشأن الفلسطيني الذي نعرف أن ساحته مستباحه كثيراً على اعتبار أن الساحة الفلسطينية هي إفراز لاتفاقيات أوسلو والقاهرة، والمحكومة بحكم ذاتي محدود ومحاصر. وتجلى التحدي الإسرائيلي واقعاً عندما استمرت التصريحات الإسرائيلية بالتهديد باتخاذ إجراءات انتقامية من السلطة بسبب تحقيق التقدم في ملف المصالحة الفلسطينية. وطبق التهديد على أرض الواقع من خلال إعلان إسرائيل عن تجميد تحويلات الضرائب إلى السلطة الفلسطينية والتي تقدر بنحو 63 مليون دولار، أي نحو 37% من ميزانية السلطة الفلسطينية. وهذا يعني أن إسرائيل تريد شراء انقسامنا بالمال الذي هو مال فلسطيني تجبيه إسرائيل من حركة التجارة الفلسطينية عبر موانئها. ويعد ذلك عملية ابتزاز مالي لتحقق أهداف سياسية تخدم الأجندة الصهيونية. وهذا يعني أن على السلطة الفلسطينية أن تجابه هذا التحدي من أجل إنجاح قرارها بتحقيق المصالحة الفلسطينية. وأن ذلك يمكن أن يكون من خلال اتباع سياسة مالية تقشفية مما يترك أثرة على ميزانية السلطة ونفقاتها التي هي محدودة أصلاً بحكم محدودية الموارد الفلسطينية. وهنا يبرز ضرورة معالجة التحدي من خلال توفير غطاء مالي للعجز في الميزانية من أجل مواجهة التحدي الإسرائيلي. وهنا يجب التحرك إما من خلال غطاء مالي عربي للمصالحة، وهذا يتطلب دخول مصر بثقلها على الدول العربية النفطية لتحقيق ذلك مما يعني دعم عربي لتعزيز العامل الذاتي في القرار الفلسطيني مع ما يحمل ذلك من إشكالات الوقوع في التناقضات العربية العربية، والعربية الفلسطينية. وقد يكون تحرك السلطة أوروبياً لمحاولة خلق موقف أوروبي متوازن بعيداً عن الضغط الإسرائيلي والأمريكي وهذا يحتاج إلى جهد دبلوماسي فلسطيني كبير لاسيما وأن الموقف الأوروبي لا يزال متردد تجاه الكثير من الاستحقاقات السياسية الفلسطينية. وأن هناك خشية من عدم تحليق الموقف الأوروبي بعيداً عن اللوبي الأمريكي الإسرائيلي. مجمل القول أن اتخاذ القرار الصواب قد لا يكون نهاية المطاف بل بداية الطريق لمواجهه تنفيذه على الأرض. فيجب هنا الانتباه جيداً للمعوقات الذاتية وفق مقولة "الشيطان يكمن في التفاصيل". فالتمنيات والأماني وحدها لا تكفي لتحقيق المصالحة بل يتطلب ذلك وعي وإدراك من الطرفين للمعوقات والتحديات، وأن المعركة الحقيقية هي في كيفية ترجمة الأقوال إلى أفعال، والكلمات إلى واقع ممارس. كما لابد من مواجهة التحديات الموضوعية لاسيما وأن الطرف الإسرائيلي يملك في جعبته الكثير من الأوراق التي يستطيع من خلالها العبث بالساحة الفلسطينية. لذلك على القيادتين الفتحاوية والحمساوية الاستعداد لخوض معركة المصالحة بوعي وإدراك للواقع القائم، بعيداً عن المناورات والمناكفات الحزبية. وعلى الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وأطيافه أن يدخل في معركة المصالحة، وعدم لعب دور المتفرج. فالتفائل مطلوب ولكن ليكن حذراً.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل