المحتوى الرئيسى

هل سقطت مطرقة القاضي؟!

05/02 18:33

بقلم: أ. د. خالد فهمي لم يكد الغبار الذي علق بأقام مشيِّعي الدكتور مصطفى الشكعة، رحمه الله، إلى مثواه- يزول حتى فجعت الحركة الإسلامية المعاصرة بنبأ رحيل واحد من أخلص رموزها الفكرة والحركية معًا؛ ألا وهو الراحل الكريم الدكتور علي محمد جريشة.      د. خالد فهميرحل الرجل بعد رحلة عطاء امتدت زمنًا طويلاً منذ جاء إلى هذه الدنيا سنة 1935م، وبعد محن ممتدة، تركب آثارها على صلابة الرجل، وتماسكه، ووعيه بما يحيط بأمته، وبدينها، وبثقافتها، وهو ما سوف ينعكس انعكاسًا ظاهرًا على عطائه الفكري والدعوي، رحمه الله.   ومنذ فترة بعيدة أدرك الدكتور علي محمد جريشة، رحمه الله، خطر التشويه، وخطر المحو والاقتلاع؛ الذي يستهدف هذه الأمة، من خلال التعرض للقنوات المؤسسة لهويَّتها، وهو ما دفعه دفعًا إلى العكوف على خدمة قضية الثقافة الإسلامية، حتى غدا واحدًا من أكبر خادميها المتخصصين فيها، درسًا وتدريسًا، وتنظيرًا وتخطيطًا، وكتابةً وتصنيفًا.   (1)  بداية الطريق وافتتاحه.. أين كلمة السر؟! كانت المحنة التي عصفت بالرجل على امتداد اثنتي عشرة سنة أو يزيد بسبب من دينه، ثم كانت المحنة الأخرى بالإخراج من الأرض التي درج عليها بسبب من استبداد الطغاة؛ سببًا مباشرًا في اختيار الطريق التي سار فيها مختارًا واعيًا بضرورة حمل المصباح لينير الطريق أمام أبناء الأجيال التي تلته؛ تحذيرًا من المخاطر التي تحدق بالإسلام، وتراثه، وثقافته، ودعوته، ورحاله، ومستقبله.   وقد تبدَّى ذلك في بعض الكتابات المبكرة جدًّا من عمره الفكري والدعوي، نذكر منها:   أ- عندما يحكم الطغاة، القاهرة سنة 1975م. ب- في الزنزانة، القاهرة سنة 1976م. وتأمل العنوانين وما جاء تحتهما، تدرك الأثر الإيجابي للمحن التي تعرَّض لها بسبب من انتمائه للحركة الإسلامية التي وفقها الله تعالى للتصدِّي للهجوم الفاجر على الإسلام؛ بما هو منهج شامل لقيادة الحياة، كما تمثل في دعوة الإخوان المسملين.   وربما أمكن أن ينظر إلى هذين الكتابين تعيننا على أنهما أشبه شيء بسيرته الذاتية التي تجيب عن السؤال المضمر حول كلمة السر التي فتحت الآفاق واسعةً أمام اختياره وحركته على طريق خدمة الإسلام العظيم.   كان الانخراط في صفوف العاملين للإسلام في أعرق الجماعات العاملة لرفعته، والتعرض لمناهجها التربوية والفكرية والدعوية؛ هي كلمة السر العبقرية في تقييم جهاد علي محمد جريشة الفكري، وتقديره وما أسهم به في هذا المجال، كانت حركة الإخوان هي نقطة الضوء في حياته.   (2) الوعي بطبيعة الفكرة الإسلامية والذين يقرءون آثار الراحل الكريم الفكرية يدركون عمق الأثر الذي تركه الفهم الشامل للفكرة الإسلامية فيها، يراها ويقدمها كما تربَّى عليها، وهذه الرعاية لمفهوم شمول الإسلام واحد من مناطق الجهاد الكبرى التي اضطلع بعبء النهوض بها الحركة المجددة في هذا العصر الذي نعيشه، وانخرط الرجل في صفوف رجالها، وأصبح واحدًا من أشهر رموزها الفكرية والدعوية على امتداد نصف قرن تقريبًا، وقد تبدَّت ملامح الوعي بطبيعة الفكرة الإسلامية بما هي فكرة شاملة، ومتوازنة معًا في الكتابات التالية:   أ- الإيمان الحق: شهادة، وعقيدة، وعبادة، القاهرة سنة 1975م. ب- شريعة الله حاكمة.. ليس بالحدود وحدها، القاهرة "مكتبة وهبة" سنة 1985م، عوائق في طريق الشريعة- القاهرة سنة 1990م. ج- أصول الشريعة الإسلامية مضمونها وخصائصها، مكتبة وهبة سنة 1985م. د- أصول الشريعة الإسلامية.. مضمونها وخصائصها، مكتبة وهبة سنة 1985م. هـ أركان الشريعة الإسلامية.. حدودها وآثارها، مكتبة وهبة سنة 1985م. ولعل الذين يفحصون أمثال هذه الكتابات يدركون أن جزءًا مما تواجهه الحركة الإسلامية من خصومة وتشويه أمرٌ يبدو مستقرًّا، وكأنه إستراتيجية ثابتة لهؤلاء الخصوم جميعًا.   أدرك جريشة سعة الشريعة، ومرونتها، وعالميتها، وإنسانيتها، وقبل كل ذلك أدرك ربانيتها وهو الملمح الآمن العاصم المانع من كل مخاوف القوم.   وقد نهضت هذه الكتابات إلى بيان أن الشريعة لا يمكن اختزالها في حدود القانون الجنائي (أو فقه الحدود)؛ ذلك أنها أوسع من ذلك بكثير.   ولعل بعض اللغظ الدائر اليوم حول إسلامية الدولة يجترُّ هذه المخاوف من جديد، وهو بعض دليل على ثبات إستراتيجية الخصومة التي تواجه بها الحركة الإسلامية منذ فترة طويلة جدًّا.   (3) جريشة القاضي خادمًا للفكرة الإسلامية على أن أهم جوانب عطاء الدكتور علي محمد جريشة الفكري والثقافي والدعوي ماثلٌ في جهوده في التأصيل للدستور الإسلامي؛ الذي يمثل صمام الأمان للأمة والدولة، وهي المحطة الجهادية التي نذر قدرًا كبيرًا من حياته لخدمتها ورعايتها.   واستثمر علي جريشة ثقافته وتخصصه القانوني، بما هو مستشار سابق في واحدة من أعرق مؤسسات القضاء المصري الشامخ؛ ألا وهي مؤسسة مجلس الدولة المصري، المعروف برصانة رجاله، وتبتلهم الفكري والعلمي.   استثمر الرجل كل ذلك، وهو ما أنتج مجموعةً من الإسهامات لا يمكن إهمالها في هذا السياق المعاصر.   كتب علي جريشة في هذا المجال ما يلي: أ- القرآن فوق الدستور، مكتبة وهبة سنة 1406هـ= 1986م. ب- مصادر الشريعة الإسلامية مقارنةً بالمصادر الدستورية، مكتبة وهبة سنة 1980م. وقد كان الرجل حاسمًا وصارمًا في هذا الميدان؛ لأنه أهم أعمدة البناء الإسلامي على الإطلاق.   كان الرجل واضحًا في أن إعجاز الذكر الحكيم لا يمكن أن يكون في نطاقه البلاغي فقط، ولكنَّ أصرح نطاقاته كامنٌ في إعجازه التشريعي، وهو الملمح الخطير الذي أولاه الإخوان المسلمون عنايةً بالغةً عبر ما قدمه أبناؤها من أطروحات، من مثل الرسالة الفذة حول القضية هذه للدكتور عبد الستار فتح الله سعيد، أكرمه الله.   كان الرجل واضحًا وهو يقرر أن الشريعة ليست ولا يمكن أن تكون الحدود وحدها، كان الرجل واضحًا وهو يقرر بطريق علمية لا دعائيةَ فيها أن القرآن دستورنا، وهو الشعار العبقري الذي أطلقه الإمام الشهيد، وقام على العناية بتأصيله قانونيًّا وقضائيًّا هذا المفكر الراحل، رحمه الله.   ثم كان واضحًا حاسمًا ملهمًا، عندما قرر- من دون شبهة تقليل من قيمة الشعار الذي مر بين يديك- أن القرآن فوق الدستور؛ لأن الدساتير تتغير والكتاب الكريم لا يتغير، ولأن الدستور من وضْع الجماعة الوطنية في كل بلد، والذكر الحكيم من عند رب البشر سبحانه، ولأن الدساتير صناعة سياسية بامتياز ترعى تنظيم العلاقات بين السلطات في نظام الدول، أما القرآن فمنهاج شامل يرعى الحياة الإنسانية في جوانبها كافةً.   والأمة اليوم- وهو تودِّع رجلاً من رجالاتها العظام- مطالبةٌ باستحياء هذا الشعار ليكون إمامها في معركتها الراهنة، والحق أننا مأمورون وفاءً للفكرة، ووفاءً لمن أفنوا أعمارهم في خدمتها أن نعيد تصدير هذا الشعار من جديد؛ ليكون بحق: "القرآن فوق الدستور".   وتأمل عطاء علي محمد جريشة يلمح المناطق المتنوعة التي ارتادها أعلام الحركة الإسلامية في جنبات العمل المختلفة له.   ومن الحق أن نقرر أن ميدان العمل القانوني والقضائي يشهد على جهاد فكري وعلمي متميز خادم لفكرة إسلامية الدولة المصرية، وهي الفكرة التي أسهمت في إنجاب أمثال عبد الرازق السنهوري وطارق البشري وعلي محمد جريشة، وغيرهم.   (4) المئذنة الشامخة.. صوت الدعوة في فكر الدكتور علي جريشة وإذا كانت مهمة جريشة، رحمه الله، الكبرى ماثلةً في خدمة التأصيل العلمي والقانوني في الملامح الفكرية الإسلامية في بعدها الدستوري، وهو أمرٌ صحيحٌ إلى أبعد حدٍّ؛ فإنَّ ذلك لا يعني أنها الممة الوحيدة في رحلة جهاده الممتدة رحمه الله.   لقد احتلت قضية الدعوة الإسلامية تأريخًا، وترشيدًا، وتفنيدًا لما قابلها من معوِّقات، وما أثير في طرقها من شبهات- مكانًا بارزًا على خريطة عطائه الفكري نلمحه جليًّا فيما يلي:   أ- أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي (بمشاركة محمد شريف الزيبق)- دار الاعتصام سنة 1978م. ب- الدعوة الإسلامية في القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجري، مكتبة السلام العالمية القاهرة سنة 1981م. جـ- دعاة لا جباة، دار الوفاء القاهرة سنة 1985م. د- على هامش فقه الدعوة، دار البشير القاهرة سنة 1980م. وأبناء الحركة الإسلامية مدينون جميعًا للتأثير الإيجابي الهائل لكتاب أساليب الغزو الفكري؛ بما فضح فيه وعرَّى ممارسات الاتجاهات التغريبية على الأبنية التعليمية والقانونية والإعلامية.   وهم مدينون له بما كشف فيه من تصور أصاب بعض الحركات العاملة للإسلام، في مواجهة شمول دعوة الإخوان واعتمادها على التربية المتوازنة، وعالمية دعوتها، وبما رصده من آمال على طريق مستقبلها.   صحيحٌ أن اليد التي طالما أمسكت بمطرقة القاضي سعيًا للتحذير والإنذار والتعليم توقفت طاعةً لمشيئة الله تعالى الآن، لكنَّ صدى طرقاتها ما تزال باقيةً في الأصوات التي أطلقتها وحملتها كتاباته المهمة في عمق خدمة العمل للإسلام.. رحم الله الراحل الكريم.   ---------- * كلية الآداب- جامعة المنوفية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل