المحتوى الرئيسى

محمد سعيد محفوظ يكتب: صحفيون بلا ذكرى

05/02 18:22

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كنت أقضي ليالٍ بلا نوم في منزل الموسيقار الكبير محمد ضياء لصناعة أغنية ترثي الصحفيين الذين ضحوا بحياتهم وأمنهم في سبيل كلمتهم.. كنا نسابق الزمن لكي نقدمها لزملائنا وأصدقائنا الصحفيين في عيدهم الذي يوافق الثالث من مايو كل عام، وبالفعل انتهينا منها في زمن قياسي، وشرعت في الاتصال بزملائي لاستغلالها في تسليط الضوء على متاعب ومخاطر المهنة، من خلال صحفهم وبرامجهم..المفاجأة الأولى التي أصابتني بخيبة الأمل، هي أنني كنت بحاجة لتذكير الجميع بالمناسبة.. كان أبرز الزملاء الذين اتصلت بهم يجهلون أن للصحفيين عيد، وأنه يوافق هذا التاريخ بالتحديد!! أما المفاجأة الثانية والأكثر إحباطاً، فكانت في جواب البعض على اقتراحي بأن لديهم ما هو أكثر أهمية!! شعرت كما لو كنت أتسول منهم.. بعضهم يحظى بشعبية كبيرة، وتتلقفه محطات التليفزيون إذا ما غادر إحداها، لكن عدم وفائه لشهداء المهنة لا يقلل أبداً من سعره في السوق، ولا من إقبال المعلنين على برامجه..يعود يوم الصحافة في موعده هذا العام، يوماً كأي يوم.. أخرس فلا يغني لأبطاله، أصم فلا يسمع آهات محبيهم، أعمى فلا يبصر معاناة فرسان المهنة النبلاء.. تأكل هذه المهنة أبناءها لحماً وتلقي بهم عظماً.. تطوي صفحتهم إذا غادروا، وتنظر في صفحة غيرهم لتستهلكها قبل أن يرحلوا.. التكريم حلال على الفنان ورجل السياسة، وحرام على الصحفي.. لم تخطئ سيدة حين أثنت على برنامجي بقولها إنه يسليها وهي تعد الغداء.. يبحث الجمهور عن مهرجين على خشبة المسرح، لا عن مقاتلين في الميدان.. يصفق لمن يتحدى الرقابة كما لو كان يصارع ثوراً، فإذا هزمه الثور جرجروا جثته خارج الحلبة، ثم عادوا من جديد إلى مقاعد المتفرجين...يعلم ملاك وسائل الإعلام ذلك، ويسلم به الصحفيون أنفسهم، ويجدون أن عليهم مواكبة المهرجان الصاخب دون إصابة رواده بالملل والاكتئاب.. التغني بشهداء الثورة موضة يسايرها بعضهم، ويناقضها في سلوكه، ويزايد بها إذا اقتضت الضرورة.. أما التغني بشهداء الصحافة فلن يأتي للسوق بزبائن، ولن يزين بضاعته في شيء.. من مات مات، ومن فُقِد فُقِد، ومن أصيب أصيب.. و"من أطال النظر إلى الخلف، عجز عن التقدم للأمام"..تحلق اليوم في سمائنا أرواح العشرات من شهداء الصحافة في مصر والعالم.. تسبح فى فضاء الذكريات المهمَلة، وتراقب اندماجنا في أخبار سجن طرة، ومحاكمات الفاسدين، ومناظرات الإخوان، ومظاهرات السلفيين.. لا مكان في أجندة الإعلام لمن ذهب ضحيتها من قبل.. يتوارى اليوم اسم الكاتب رضا هلال الذي اختفى في وضح النهار، ويشيع في أوساطنا أنه اختطف على يد جهاز أمن الدولة المنحل، والمراسل طارق أيوب الذي قصفه الجيش الأمريكي في بغداد، والمصور مازن دعنا الذي ترك الجيش الإسرائيلي جرحاً على كل شبر في جسده، ثم لقي حتفه في العراق وهو يوثق بعدسته فظائع الاحتلال.. هؤلاء وغيرهم كانوا أصدقائي، ولمست إخلاصهم في القول، وتفانيهم في العمل، ثم فجأة سقطوا وتلاشت ذكراهم.. واستكثر علينا ملاك وسائل الإعلام ووكلاء إعلاناتهم، ونجومهم المحسوبون على المهنة مجرد التأمل في هذه القصص الملهمة..من ليس له خير في زميله.. ليس له خير في جمهوره!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل