المحتوى الرئيسى

سورية... عودة إلى مربع الدم الأول

05/02 02:31

ميسر الشمري بات واضحاً أن النظام السوري اتخذ القرار الخطأ. قرار يجبره على المضي قدماً في سفك الدماء. لم يعد بإمكان الرئيس بشار أن يتراجع لاسترداد نفسه، ذلك أن القرار الذي اتخذه لمعالجة الوضع في محافظة درعا أيقظ حساسيات طالما حاول السوريون تجاوزهاالزمن تغيّر، آليات المطالبة الشعبية هي الأخرى تغيّرت. قرار الأسد الأب في ضرب حماة وما حولها من القرى والبلدات حصل في وقت لم يكن فيه بثّ التلفزيون السوري الرسمي يصل إلى دير الزور. لا أحد رأى ما الذي جرى في حماة. اليوم وعلى رغم التعتيم الإعلامي الذي تمارسه السلطات السورية، إلا أننا نستطيع أن نرى ما يجرى على الأقل بعد دقائق، وهو الأمر الذي أصبح فيه الأسد في موقف حرج، فلا هو قادر على التراجع بعد أن أراق الكثير من الدماء السورية، ومضيّه قدماً في الحل العسكري سيوقظ المزيد من الحساسيات التي ستقود الوطن السوري إلى الهاوية. ما أعرفه عن الأسد الابن – بحسب مقربين إليه – إنه شاب متعلم غرف من الثقافتين العربية والغربية وأن لديه رؤى إصلاحية وأخرى لتحديث المجتمع السوري وثالثة لتطوير آليات الاقتصاد السوري وتحريره من العبودية والاحتكار، وأعتقد جازماً أن رؤى الأسد الابن اصطدمت بمصالح بعض الحرس القديم فعرقلها. كان بإمكان الأسد أن يسحب قواته من لبنان بشكل مشرّف قبل استشهاد رفيق الحريري، لكن البعض ممن كان لبنان بمثابة «البقرة الحلوب» بالنسبة له، حاول توريط الأسد بإبقاء الجيش السوري في لبنان من خلال القرار السوري بالتمديد للرئيس أميل لحود، وهو القرار الذي أدخل الأسد ومعه سورية شعباً وجيشاً في نفق مظلم، كانت نهايته خروج مخزٍ لجيش صاغ لبنان الوطن وحماه من الضياع وإن بأسلوب لم يعهده اللبنانيون. خطأ الرئيس بشار بالتمديد لرئيس لبنان تكرر أكثر من مرة في لبنان إن عن طريق حلفاء وإن عن طريق بعض اللبنانيين المزايدين على الأسد. تلك حقبة انتهت وإن لم تنتهِ تبعاتها بعد، لكن الخطأ اليوم يتكرر في الداخل السوري، ولكأن هناك من الحلقة الضيقة للرئيس بشار، من يريد أن يعيد سورية إلى مربع الدم الأول. لست من دعاة الفتنة وإثارة النعرات الطائفية وإيقاظ الحساسيات، لكن من أشار على الأسد بالحل العسكري هو من يريد نبش الجراح السورية، وإلا ما معنى أن يبرر التدخل العسكري في درعا بوجود جماعات سلفية، فيما السلطات تعتقل المئات من السوريين الوطنيين، وليس من بينهم إسلامي واحد. البعض ممن اعتقلوا أقرب إلى الإلحاد منه إلى التدين. هذا تناقض مخجل. الذي اتخذ القرار العسكري أراد تصعيد الموقف ودفع القيادة السورية إلى طريق مسدود نهايته موت حتمي لأحد الطرفين. القرار أربك الإعلام السوري وجاءت ردود أفعاله بلهاء وتبريراته سخيفة ومخجلة لا تليق بتاريخ الإعلام السوري العريق. الشعب السوري تجاوز مهزلة التوريث ومسرحية تغيير الدستور بقيادة عبدالحليم خدام ودعم العماد مصطفى طلاس. السوريون تجاوزوا كل تلك المهازل لأنهم رأوا في الرئيس بشار شاباً متعلماً ربما يحقق لهم ما لم يحققه لهم الأسد الأب، لكنه خيّب آمالهم في حدثين مفصليين على الأقل: الوضع في لبنان والتعامل مع المحتجين في عدد من المحافظات السورية. أعتقد أن سورية مقبلة على مرحلة خطرة، وخطرة جداً إن لم يستعد الأسد زمام الأمور ويقيل غالبية الطبول الذي أحاطوا به خلال سنوات حكمه واستبدالهم بدماء شابة قادرة على مواكبة رؤاه، هذا أولاً، وثانياً البدء بإجراء إصلاحات سياسية تبدأ من قانون لتنظيم الأحزاب وانتخاب برلمان مستقل ثم إجراء انتخابات رئاسية شفافة وتحت إشراف لجان دولية، وبعد ذلك استحداث وسائل عملية للقضاء على الفساد والبطالة وإصلاح التعليم، وقبل ذلك إيقاف التغلغل الإيراني داخل المجتمع السوري ونشر التشيع الصفوي، وإجراء حوار وطني معمّق. أعلم أن مثل هذه الإجراءات أصبحت بعيدة بعدما اتخذ الشعب قراره، خصوصاً وأن منسوب الدم السوري ارتفع في شوارع درعا وحمص وبانياس نتيجة اتخاذ القرار الخطأ في الزمن والمكان الخطأ. *نقلا عن "الحياة" اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل