المحتوى الرئيسى

نعم‏..‏ هناك ثقافة للتخلف‏!‏

05/02 00:33

أذكر أنني أهديت كتابي نقد ثقافة التخلف للبابا شنودة‏,‏ حين زرته ضمن وفد من اتحاد الكتاب كي نعزيه في شهداء كنيسة القديسين بالاسكندرية‏,‏ ونبارك له بالعام الجديد في الوقت نفسه‏,‏ وعندما تناول الكتاب‏,‏ سألني باسما‏:‏ وهل هناك ثقافة للتخلف‏,‏ إن الثقافة هي التقدم بكل القيم التي تلازمه‏.‏ وتحمست للاجابة عليه, وقلت إن الثقافة يمكن أن تكون ثقافة تقدم وثقافة تخلف في الوقت نفسه. واسترسلت في التوضيح, ولكن قطع الحديث دخول صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري السابق بكل هيلمانه القديم, فقمت مع زملائي الذين لم يكن أغلبهم يرتاح نفسيا لمجالسة صفوت الشريف. وتركنا المقر البابوي, وعاد كل منا الي بيته, ولكني ظللت علي اقتناعي بأن سؤال البابا مهم, ويخطر علي بال كثيرين, ولذلك يستحق الرد عليه في ذاته وتوضيح الفوارق الحاسمة بين ثقافة التقدم التي نتطلع إليها وثقافة التخلف التي لانزال نعاني منها, ونسعي الي مجاوزتها واستبدال ثقافة التقدم بها, وهي عملية بالغة العسر, لأن ثقافة التخلف التي ورثناها لاتزال سائدة, مترسخة, تعمل علي تثبيتها وترسيخها عوامل سياسية واجتماعية وفكرية, بعضها موروث نتوارثه منذ سيطرة المذهب السلفي وتحالفه مع الدولة العباسية, ممثلة في الخليفة المتوكل الذي ناصر أهل النقل والتقليد علي العقلانيين المسلمين, خصوصا المعتزلة, وتوارث خلفه والخلفاء, بعده, هذا التحالف الذي أدي في النهاية الي إنهيار الحضارة العربية الإسلامية. ولكن ماالعامل الحاسم الذي يفصل ويمايز بين ثقافة التقدم وثقافة التخلف. هذا العامل يتحدد بناء علي نظرتنا الي الثقافة نفسها. هل ننظر إليها نظرة وصفية أنثروبولوجية محايدة ؟ فنجعل منها رؤية عالم, تقوم علي نسق من القيم والعوائد الموروثة وأشكال الإبداع وإنماط السلوك والدوافع المرتبطة بهذه الرؤية. وتلك نظرة وصفية محايدة, تخلو من إطار مرجعي للقيمة, يصف هذه الثقافة بالسلب وغيرها بالإيجاب, فتصبح الأولي مقترنة بالتقدم والثانية بالتخلف. لكن هذا التحديد يتطلب أهم مايلزمه, وهو تحديد معني التقدم. وأكتفي بالقول بأن التقدم, في تصوري, هو رؤية العالم الملازمة للدولة المدنية الحديثة التي تقوم علي مبدأي الديموقراطية والحقوق الراسخة للمواطنة التي لا تعرف التمييز بين المواطنين علي أساس من دين, أو جنس, أو نوع, أو طبقة أو طائفة, أو حتي سن. وأتصور أن معرفة ثقافة التقدم, من هذا المنظور والتعريف بأهم جوانبها هو تعريف بثقافة التخلف, فالضد يظهر قبح الضد علي جهة الخلف, وكل مايناقض ثقافة التقدم يؤسس لمعرفة ثقافة التخلف بالضرورة, وبما أني أسهبت في تحليل ثقافة التخلف من حيث أصولها القديمة ومظاهرها الحديثة في كتابي, فمن الممكن أن أقتصر في هذا المقال علي نقيضها الذي أرجو أن يسود. والبداية هي ارتباط ثقافة التقدم بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. وبقدر ماتعني الديموقراطية فصل السلطات وتداول الحكم, في المدي الديمقراطي لعلاقة المواطن بالمواطن وعلاقة المواطنين جميعا بالسلطة وعلاقة السلطة بهم, فإنها تعني العقلانية السياسية الاجتماعية والثقافية التي تقوم علي شيوع النظرة العلمية في التفكير والتخطيط, والقياس الدائم علي المستقبل الذي لابد أن يكون أفضل من الحاضر والماضي علي السواء, فهذه هي سنة التطور التي ينبني عليها نظام الكون وطبيعة الكائنات. وشيوع العقلانية التي تقوم علي التفكير العلمي والنظرة المستقبلية تقترن باشاعة النزعة الابتكارية للأفراد, والاجتهاد الذي يغدو سمة العقول المتفتحة علي كل شيء, وذلك علي نحو يدفع الي تشجيع المبادرة الفردية للمواطنين, والتجريب في كل مجال بما يضع كل شيء موضع المساءلة, بعيدا عن تقديس أي فكرة أو أي رأي أو مسلمة, في أي مجال من مجالات المعرفة الإنسانية, حتي المجالات الخاصة بالأديان وتأويل نصوصها, فيما نطلق عليه اسم التفكير الديني أو الخطاب الديني الذي لا قداسة له, ولا عصمة لأصحابه, ما ظل خطابا بشريا, نسبيا, قابلا للخطأ أو الصواب, ويمكن أن يتأثر بأهواء البشر أو مصالحهم السياسية أو الاقتصادية, ولذلك فالبدء بمساءلة الخطاب الديني أمر بالغ الأهمية والحيوية, خصوصا في المجتمعات التي تشيع فيها نزعات التديين الناتجة عن تحالف التعصب الديني مع الاستبداد السياسي, فيغدو الفكر الديني السائد دعما للأنظمة الاستبدادية, كما تغدو الأنظمة الاستبدادية دعما للفكر الديني المغلق ما ظل يدعم مصالحها ويقبل التحالف معها, علي حساب المطامح العادلة للمواطنين لا الرعايا, وعلي حساب مصالح الوطن كله. وعندما تتسم الدولة بصفات الحداثة والتحديث غير المنفصلة عن الديمقراطية التي تعني حكم الشعب, وعن حق الاختلاف الذي يجمع بين المواطنين في وحدة التنوع الخلاق, فإن هذه الدولة المدنية الحديثة تلازمها ثقافة حقوق الإنسان, وثقافة التنوع والتسامح التي هي أساس فاعل في الحوار المجتمعي الذي يحقق السلام الاجتماعي والتقارب بين الطبقات, والتفاعل بينها في مدي المواطنة الذي يعني الولاء للوطن الذي يرتقي بتعاون كل أفراده المتساوين دون تمييز بين مواطن وغيره, وبين طائفة أو طبقة, وطائفة وطبقة مقابلة. وقبول الآخر هو ثقافة فرعية ملازمة لحق الاختلاف والخلاف في المدي الفكري والسياسي والاجتماعي علي السواء. وليس ذلك ببعيد عن نزعة إنسانية, تعمر بها قلوب المواطنين وعقولهم, فينفتح المختلف علي نقيضه في دائرة الحوار التي هي لغة الأكفاء, وينفتح في الوقت نفسه علي أخيه الإنسان في كل مكان, من منظور وحدة التنوع البشري والثقافي والاقتصادي الخلاق الذي يقترن بنزعة إنسانية جديدة, لا تمايز بين البشر علي أساس من الجنس أو الدين, فتسهم في إغناء الإنسانية, وتشيع مناخا مفتوحا من التفاعل الذي لا يهدد الهوية أو الخصوصية القومية, بل يري في اختلاف الثقافات الإنسانية عامل غني وثراء للبشرية كلها. والنتيجة هي احترام الجميع لحقوق الإنسان في كل مواثيقها ومعاهداتها الدولية. والحق أن ثقافة التقدم علي النحو الذي تحدثت عنه تتغلغل في كل مجال: علي المستوي السياسي الذي تؤسس فيه الديمقراطية لثقافة سياسية, تبعث علي المشاركة السياسية الفاعلة التي تبين عن وعي الأفراد بدورهم الحر في بناء المجتمع, والإسهام الخلاق فيه, من منطق الإذعان, أو التقليد أو القمع, وإنما من منطق المشاركة الواثقة بأن كل جهد, مهما صغر, له مردوده الإيجابي. وفي ذلك مايؤكد ضرورة تلازم الديمقراطية بالحرية التي تبدأ من حق الاختيار في صندوق الانتخاب, وتمر بحق الاختلاف في التوجه السياسي, ولا تنتهي بحق الاختلاف بين المثقفين, أو التنوع الحتمي بين المبدعين. ولا ننسي أن ثقافة التقدم علي المستوي السياسي, تعني ثقافة تداول السلطة ونزاهة الانتخابات وشفافية الحكم, والفصل مابين الديني والدنيوي, وإفهام الناس أن الدولة كيان مجرد أو دولاب محايد, يدير أمورهم, ويحقق مصالحهم, ويتصف بالمدنية لأن الشعب هو مصدر السلطات فيه, والدستور الذي يقره الشعب هو الاطار المرجعي الذي ينبني القانون الوضعي علي أساسه. وليس في هذا إلغاء للأديان أو تقليل من شأنها, بل علي النقيض, يتم تكريم الأديان واحترام تباينها, فالدولة لجميع أبنائها علي اختلاف العقائد أو الملل أو النحل. ومن العجيب أن أكثر الدول تقدما في عالمنا المعاصر هي الدول التي تقوم علي دستور مدني ذي مرجعية بشرية. ولن تجد أكثر احتراما للأديان وحفاظا عليها من هذه الدول المدنية المتقدمة التي تبدو نصيرة للأديان, علي النقيض من الدول الدينية التي نعرفها, وتقوم علي حكم نخبة دينية, تتأول الدين حسب مصالحها, وتعادي كل من يخالفها في تأويل الدين نفسه, أيا كان مذهبه وهو أمر يترتب عليه العنف في معاملة المذاهب المخالفة والفرق الدينية المباينة. وهل ينسي أحد مافعلته الدولة الدينية في أفغانستان التي أشاعت ثقافة العنف والتعصب والانغلاق علي هوية متوهمة, وعصر ذهبي متخيل. وعلي المستوي الاجتماعي: تعني ثقافة التقدم ثقافة الحوار بين الطبقات والشرائح الاجتماعية, وذلك علي نحو يؤكد معني المساواة في حقوق المواطنة, فلا يغدو الفقير منبوذا لأنه فقير, لايتمتع بضمان صحي ورعاية اجتماعية, وتعليم سليم متقدم متاح للجميع, بل يستوي الفقير مع الغني في الحقوق التي منها حق التعليم والرعاية الصحية والمسكن الملائم النظيف والتمتع بكل المباهج الجمالية للثقافة الفنية بوجه عام, والمظاهر الجمالية لتخطيط المدن والمتنزهات, فيعرف تقدير الجمال الذي يرتقي بآفاق الإنسان ويسمو بمدركاته. ورحم الله أيام كانت المدن المصرية نتمتع فيها بالمتنزهات وأكشاك الموسيقي, وغسيل الشوارع ونظافتها الدائمة, وكان ذلك قبل أن تسرق أرض الحدائق وتتحول إلي أحياء عشوائية, يتزايد فيها الحقد الطبقي, وتتصاعد فيها أخلاق العنف, وتنتشر الجريمة, فكأنها عالم غير العالم الذي يعرفه الصفوة أو النخبة المثقفة التي أصبحت تعاني, بدورها, من القذارة والعشوائية والاكتظاظ السكاني غير الإنساني في كل مكان, وانتهي الزمن الجميل الذي كانت فيه القاهرة أنظف وأبهي العواصم العربية إلي زمن تتجاور فيه مأكولات الناس مع أكوام القمامة التي تكاثرت, فأصبحت رمزا علي ماوصلنا إليه ونعيش فيه من مآس. أما علي المستوي الثقافي الفكري, فتعني ثقافة التقدم, أول ماتعني, الحوار الذي يقوم علي التسليم بأنه لا أحد يحتكر الحقيقة الكاملة, أو يحق له الحديث باسمها وحده دون غيره. والحوار يفضي إلي مايلازمه من تنوع وتعدد, وكلاهما علامتان لكل ثقافة متقدمة, خصوصا في تلازمها مع حق الاختلاف والخلاف الذي هو حق يقدسه الفكر الحر, ويمارسه في كل مجال دون ازدواج, فالاختلاف لايعني العداء بين الأطراف المتحاورة, والخلاف لايفسد للود قضية, فالاختلاف كالخلاف وسيلة للاقتراب من الحقيقة التي تظل نسبية, وهومصدر غني عندما يكون حول قضايا هامة لانوازع شخصية ضيقة, قد تكون تعبيرا عن أحقاد خاصة, أو ضغائن تتولد في نفوس الصغار, ومن المؤكد أن الاستبداد السياسي الطويل الذي عاشت فيه الثقافة العربية قرونا وقرونا أورث المثقفين طبائع الاستبداد, فجعلهم يضيقون بالرأي المختلف كما لو كانوا يقلدون, علي نحو لاشعوري, الحكام الذين تطاول استبدادهم, ولذلك استبدل عدد غير قليل من المثقفين بثقافة حق الاختلاف طبائع الاستبداد التي تتمثل في المسارعة, إلي إدانة الآخرين دون حتي الاستماع إلي رأيهم في سبب الاتهام, والهجوم الذي يبدو خير وسيلة ـ لاشعورية علي الأقل ـ للدفاع, وظهرت ظاهرة المثقف الذي يتوهم نفسه الأنقي, أما الآخرون فهم الفاسدون. وهي ظاهرة تذكرني بتشبيه, ذكره المرحوم ميخائيل رومان في أحد نقاده الذي أسرف في نقده, فقال إنه أشبه برجل الدين المسيحي يتلقي الاعتراف, ونصفه الأسفل غارق في الخطيئة. وكل هذه الظواهر هي من نتائج شيوع طبائع الاستبداد, خصوصا حينما تتغلغل في نفوس المقموعين الذين يتحولون إلي قامعين. ولذلك غاب الحوار الخلافي حول قضايا ثقافية حقيقية, كذلك الذي حدث بين فرح أنطون ومحمد عبده حول الدولة المدنية, والذي جري بين طه حسين والعقاد حول الفرق بين الثقافة الفرنسية والثقافة الإنجليزية, والذي حدث بين لويس عوض ومحمد مندور من ناحية ورشاد رشدي وزكي نجيب محمود من ناحية مقابلة, حول الخيار بين الالتزام الاجتماعي للإبداع أو مبدأ الفن للفن, وغيرها من الحوارات الخلافية التي تركت آثارها الإيجابية في الميراث الايجابي للثقافة المصرية التي فقدت مثل هذا النوع من القضايا الأدبية والثقافية, خصوصا بعد أن رحل الكبار, وتصاغر الكبار الذين خلفوهم, فأنتجوا ـ دون أن يدروا ـ طبائع الاستبداد التي ورثوها وأعادوا إنتاجها, ولايزالون يسلكون المسلك نفسه بحكم الميراث الطويل من الاستبداد الذي لن تنمحي آثاره, أو تنتهي, بسهولة, فالطريق إلي ثقافة التقدم لايزال طويلا وشاقا. تصويب واجب ذكرت في مقال الأسبوع الماضي أن شيخ الأزهر قام بتشكيل لجنة للتحقيق مع الدكتور محمد رضا محرم. والحق أن الذي يصدر قرار تشكيل هذا النوع من اللجان هو رئيس جامعة الأزهر الذي أطالبه بإعلان ماانتهت إليه هذه اللجنة التي تهدف إلي التحقيق أو التأديب, خصوصا بعد أن أصبح اتهام الدكتور محمد رضا محرم قضية رأي عام. المزيد من مقالات جابر عصفور

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل