المحتوى الرئيسى

> «البيض» بدلا من نجمات السينما

05/01 21:04

كتب : عصام زكريا وصلت أخبار ما يفعله السلفيون والسفهاء من ضحايا الجهل والتعصب فى قنا وبقية ربوع المحروسة إلى مهرجان الخليج السينمائى الرابع، فتحول الإعجاب المشوب بالحسد بثورة مصر إلى قلق مشوب بالشماتة فى أسئلة وعيون الحاضرين.. هؤلاء الذين ينتفضون فى مظاهرات التخلف لا علاقة لهم بالثورة ولا مبادئها وأهدافها.. ولم يشاركوا فيها أو يحلموا بقيامها.. ولكنهم الآن يتصدرون المشهد، هل هو مصير كل الثورات، أن يصنعها الحالمون ويفوز بها الانتهازيون؟ حاولت أن أخفى انزعاجى داخل دور العرض، مهرجان الخليج نجح فى دعوة المخرج الإيرانى عباس كياروستامى ليس فقط لعرض بعض أفلامه ومشاركة الجمهور فى مناقشتها، لكن أيضا فى إدارة دورة تدريبية لشباب السينمائيين وصل عدد المشاركين فيها إلى 45 متدربًا كياروستامى -لمن لا يعلم- هو واحد من أشهر السينمائيين فى العالم، وأحد القلائل المفضلين لدى النقاد وعشاق السينما الفنية.. ربما يجد البعض -وأنا أعرف بعضهم- أن شهرة كياروستامى أكبر من قيمته وأن الغرب بالغ فى تقديره لأنه قادم من إيران التى طالما اضطهدت السينما والفنون وحرية الفكر عموما، لكنى واحد من الناس الذين يحبون أفلام كياروستامى ويزداد حبى لها كلما شاهدت جديدها أو أعدت مشاهدة قديمها. كانت قاعة العرض ممتلئة عن آخرها فى انتظار عرض فيلمين قصيرين لكياروستامى الأول بعنوان «بيض البحر» والثانى بعنوان «طرق كياروستامى».. الثانى يمزج فيه المخرج الذى يحترف التصوير الفوتوغرافى أيضا بين السينما والفوتوغرافيا والشعر فى قصيدة بصرية وسمعية بديعة عن الطرق.. الطرق وسط الجبال والصحراء والمدن البعيدة التى طالما شقها وعبدها الإنسان ليمضى فوقها نحو بلاد أخرى ومصائر أخرى.. لكنه فى النهاية لا يصل إلى مكان ولا يستطيع أن يغير مصيرهم ولا يفوز سوى بمتعة الطريق.. فكرة سبق تناولها فى أعمال عديدة، لكنها هنا تحمل أسلوب وروح أعمال كياروستامى المميزة.. الفيلم الأول هو الذى يحمل فكرة مبتكرة ويثبت فيه بساطته العبقرية غير القابلة للتقليد أو القياس. الفيلم عبارة عن لقطتين طويلتين ثابتتين طويلتين لمشهد واحد للشاطئ على البحر فى اللقطة الأولى تسير بضع بطات من شمال الشاشة إلى يمينها.. يستمر مجىء البط لدقائق ثم تتوقف إحدى البطات وتنظر للخلف -إلى شمال الشاشة- وتستدير عائدة من حيث أتت فيبدأ بقية البط فى التوقف والعودة حتى يعود الشاطئ خاليا تماما.. فى اللقطة الثانية تتحرك الكاميرا يمينا فنرى نفس الشاطئ الذى يحده سور صخرى مرتفع عن الماء وبين الصخر ثلاث بيضات نفهم ضمنا أن بعض البطات تركتها هناك.. يرتفع المد وتضرب الأمواج السور الصخرى بعنف متزايد ويسحب الماء إحدى البيضات إلى جوف البحر الذى يهدأ قليلا قبل أن يعاود الهجوم بموجاته المتلاحقة لدقائق أخرى طويلة حتى يسحب بيضة أخرى ولا يبقى سوى بيضة واحدة تقاوم لفترة طويلة، لكن الموج ينجح فى سحبها وابتلاعها فى النهاية. هل هذا فيلم تسجيلى أم روائى؟ هل صنعت الصدفة هذا الفيلم أم أنه كياروستامى؟ كيف استطاع المخرج أن يحرك مشاعر الجمهور وتعاطفه بل ودموعه أيضا على ثلاث بيضات ملقاة على شاطئ؟ كانت هذه بعض الأسئلة التى وجهها الحاضرون إلى المخرج الكبير الذى رفض أن يشرح أو يفسر أيا من الفيلمين مؤكدا بتواضع مغرور أنه لا يقصد أى شىء من أفلامه وأن ما يصل منها إلى المشاهد العادى جدًا هو كل شىء بدون رموز أو أفكار أو تفسيرات وراء الشاشة.. ولكن بما أن هناك العديد من طلبته كانوا وسط الحضور فقد وافق كياروستامى على كشف بعض أسرار عمله وشرح الكيفية التى صنع بها فيلم «بيض البحر» الفيلم مصنوع بالكامل كما قال. البط أتوا به ليتمشى أمام البحر والبيض اشتراه من سوبر ماركت قريب ووضعه فى المكان المختار متوقعا أن يأتى الموج ويسحبه كما حدث. وفى نفس الوقت خضع الفيلم لمونتاج ماهر أخفى القفزات الزمنية الطويلة ولمؤثرات صوتية عديدة من أمواج البحر والرياح وحتى صرخات البط والطيور البعيدة التى كنا نسمعها عقب التهام البحر لكل بيضة. هذا مخرج يعرف ويفهم السينما والدراما ويلعب بها مثل عازف قانون ماهر، وهذا الفيلم وحده درس عظيم لأى صانع أفلام شاب فى كيفية صياغة قصة وتطويرها وتنفيذها وإدارة الممثلين حتى لو كانوا مجموعة من البط وبيض من السوبر ماركت.. مما يذكرنا بقول هيتشكوك الشهير بأنه يدير الممثلين مثلما يوجه المزارع المواشى! وبما أن السلفيين فى بلدنا سيعترضون قريبًا على مهنة التمثيل ويطالبون بتجريمها هى والرقص والدعارة لذلك اقترح عليهم وعلى مخرجى السينما أن يسارعوا بشراء كميات كبيرة من البيض بأشكال وأحجام مختلفة ليصنعوا بها أفلامهم القادمة.. ويبدو أن الفراعنة كانوا يتنبأون بالمستقبل عندما فكروا فى تلوين البيض فى شم النسيم وإعطاء كل بيضة شخصية مميزة! بالنسبة لى فسوف يسعدنى هذا الحل لسبب واحد هو أن أتخلص من النجوم الحاليين الذين كلما طالعت سحنتهم المتيبسة تذكرت سحنة مبارك وابنه وزوجته وباقى العصابة. ولكن بالنسبة لكياروستامى أعتقد أنه سيغضب إذا تم تعميم فكرته وسيشعر بالذنب لأنه ليس من النوع الذى يحرم السينما أو التمثيل على الإطلاق.. بل وعلى العكس فقد خاض طوال حياته معارك مستمر مع النظام الدينى المستبد فى إيران خاصة فى السنوات الأولى التى أعقبت ثورة الخمينى من أجل الاستمرار فى صنع الأفلام والتعبير عن أفكاره الليبرالية وقد تعرض للاضطهاد طويلا قبل أن يضطر النظام إلى قبوله بل والتوقف عن التدخل فى حياته وأفلامه... ومن المعروف مثلا أن كياروستامى يشرب الخمر ويعيش مع صديقة له فى إيران نفسها.. كما أنه فى آخر أفلامه «نسخة موثقة» استعان بواحدة من أشهر وأجمل نجمات السينما الفرنسية وهى جولييت بينوش فى فيلم يتحدى شروط الرقابة الإيرانية ومحرماتها جميعًا. قلت فى مناسبات أخرى وأقول مجددا أن الفنان الذى ليس موظفا لدى الأنظمة أو أولى الأمر هو بالضرورة معارض على يسار أى نظام... وحتى فيلم البيض البسيط يخفى فلسفة كياروستامى العدمية التى تثير ثائرة ورعب المتزمتين دينيا وهو طالما أثار قلقهم بصنعه أفلاما عن الانتحار واليأس من إصلاح العالم والتحريض على التمسك بمتع الدنيا والتحرر من القيود.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل