المحتوى الرئيسى

إذا الورودُ خلتْ من طيبِ نفحتها بقلم : مجدي كامل

05/01 19:58

إذا الورودُ خلتْ من طيبِ نفحتها بقلم : مجدي كامل في خضم الأحداث التي تمر بها منطقتنا العربية ، و تتباين بشأنها المواقف و الآراء ، و خاصة ما يتعلق منها بثوابت وطنية و قومية ، ما كان لأحد أن يختلف حولها ، ، عاد تعبير " أزمة المثقفين العرب " يتردد هذه الأيام – من جديد - على مسامعنا في إشارة إلى الهوة ، التي تفصل غالبيتهم بين ما ينبغي أن يكونوا عليه ، كمثقفين حقيقيين ، و ما هم عليه بالفعل . و لعل سر هذه المحنة هو عدم اتفاقنا جميعاً على مفهوم " الثقافة " و السهولة الغريبة ، التي يتم بها إطلاق هذا اللقب على كل من " هب و دب " ، لا لشيء سوى لأنه مثلاً كنزاً من المعلومات ، أو بارع في التنظير ، أو " جهبز " في التحليل ، أو شديد المراس مع من يختلف معهم في البرامج الحوارية ، التي تبثها الفضائيات !! و الغريب ، أننا في عالمنا العربي نرتكب خطأ فادحاُ بحرمان الأميين ، الذين لا يعرفون القراءة و الكتابة ، من حمل لقب " مثقف " رغم أنهم مثلهم مثل المتعلمين لديهم نفس مصادر الثقافة ، و بمقدور من لديه الرغبة منهم – و هم ُكثرُ – أن يكون مثقفاً ، بل ربما يفوق في ثقافته أولئك الذين يحملون أكبر الدرجات العلمية ! و إذا اتفقنا في البداية على أن الثقافة هى القيم و المعايير التي توجه السلوك الإنساني في الحياة ، بمعنى أنه إذا كانت حياتنا أشبه بسفينة فإن الثقافة هنا ستكون بمثابة الدفة التي توجه هذه السفينة ، فسوف يأتي الدين في مقدمة مصادر الثقافة ثم الفن و الأدب و هكذا . و هذه المصادر متاحة للجميع ، و إذا كان هناك من فرق بين المتعلم و الأمي – حال تعرض كل منهما لهذه المصادر – فسيكون من حيث درجة الثقافة فقط ، و ليس من حيث النوع ، بمعنى أن المتعلم ستتاح له فرصة التعرض للمصادر المكتوبة ، بينما الأمي سيتعرض لها من خلال المسجد و الإذاعة و التلفاز ، و بينما سيقرأ المتعلم الأدب ، سيشاهده الأمي ، أو سيستمع إليه في صورة أعمال فنية . و أستطيع أن أقول إن هناك أعداداً لا من المثقفين العرب ، الذين لا يعرفون القراءة و الكتابة ، و لديهم من الثقافة الحقيقية ، و ليست " الاستعراضية " أو " الاسترزاقية " – إن جاز التعبير – ما يفوق أولئك الذين حصلوا من التعليم على قسط وافر ، و لو راجع أي منا نفسه سيجد أنه يلتقي بعضهم كل يوم ، و قد يستأنس برأيهم ، و يحترم مواقفهم المبدئية من الأحداث ، بعيداً عن الدعايات المغرضة ، أو الحسابات المغلوطة ، متسلحين في مواقفهم هذه بحزام من القيم ، و منطلقين في صياغتهم لها من قدرة كبيرة على النفاذ إلى أعماق القضايا ، و الخروج ليس فقط بنتائج ، و إنما أيضاً بمواقف أخلاقية . و قد كان لي الشرف أن أجري حواراً حول " ثقافة رجل الشارع " مع الفيلسوف و المفكر الكبير الراحل الدكتور زكي نجيب محمود أحد أصحاب النظريات الفلسفية ، التي تدرس في العالم " الوضعية المنطقية " ، و الذي تتمثل أهم إنجازاته في دفاعه عن التدين المستنير ، أي فكرة تكامل الدين و العقل ، و هى الفكرة التي يخلو الخطاب الديني الحالي – للأسف – و في معظم الأحيان منها ، في الوقت الذي نادى فيه بتجديد الفكر العربي ، و الاستفادة من تراثه ، و قال : إن ترك التراث كله هو انتحار حضاري ! في هذا اللقاء الذي جمعني بالمفكر الراحل بمنزله بالجيزة في عام 1983، و نشر - آنذاك - في صفحة الأدب بجريدة " الأخبار " القاهرية ، قال لي شيخ المثقفين – كما كان يلقب – أنا حزين لأن لقب مثقف أصبح مشاعاً ، أو يتيماً له ألف أب ، و قال أيضاً : " إن الثقافة في عالمنا العربي تتعرض لعملية سطو كبرى من جانب أعداد كبيرة من الأدعياء " .. و خلص إلى أنه : " لا ثقافة بلا قيم " ! و قدم الفيلسوف الكبير ، رؤيته للثقافة في معناها الصحيح كـ " المرحلة الثالثة من مراحل رحلة الإنسان على الأرض أو " الدنيا الثالثة " بعد " دنيا العمل " حيث كان الإنسان يؤدي الأعمال من حيث هى أعمال تؤدى ، ثم " دنيا العلم " حيث القوانين التي تساعده على تسهيل و تطوير و تجويد ما يفعل ، و هنا شعر الإنسان بحاجة ملحة لمعايير تحكم توجهاته و مواقفه و سلوكياته في دنيا العمل و دنيا العلم .. شيء يقول له : " افعل هذا و لا تفعل ذاك .. ازرع ما يفيد و دع ما يضر .. سخر علمك لخدمة الناس ، و لا تجعله وبالاً عليهم .. و في النهاية كان هذا الشيء هو الثقافة التي تمثل " الدنيا " التي بلغها الإنسان في أرقى مراحل تطوره . و نعود إلى محنة الغالبية العظمى ممن يطلق عليهم " المثقفين العرب " فنجدها في اختطاف مفهوم الثقافة ، و انتزاعه من سياقه ، و الابحار به عكس وجهته ، باعتبارهم " ملاك الحقيقة المطلقة " ، لإرضاء جهات معينة ، أو جماعات بعينها ، أو حتى أنظمة لبلوغ منافع شخصية ، أو فرض مواقف لحساب طرف على حساب طرف آخر . و من هنا تحول كل من ينتمي لهؤلاء من " مشروع ثقافي " إلى " مشروع تجاري " .. و من وعاء حضاري " إلى " مركز رصد مداري " يستكشف الفرص " و " يتحين الأزمات " و ربما يدفع إليها ، ليتاجر بمواقفه ، و يعرض خدماته لكل من يدفع ، و صدق الشاعر الراحل حمد إقبال إذ يقول : إذا الورودُ خلتْ من طيبِ نفحتها فلا تزاحمْ بها في الأرضِ بستانا

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل