المحتوى الرئيسى

جهاز التفتيش والدخول المدرسي ( من أجل قراءة واعية للكائن )إعداد: عبد العزيز قريش

05/01 16:50

جهاز التفتيش والدخول المدرسي ( من أجل قراءة واعية للكائن ) إعداد: عبد العزيز قريش فاتحة القول: فاتحة القول لن تكون سوى صلاة وتسليم على الحبيب المصطفى، الذي حمل رسالة القلم النير والقراءة الواعية للمقروء هداية للخلق في ظلام التيه والتشرد الفكري. ومن باب التشرد الفكري الذهاب إلى القول بدون ضوابطه وبدون ركائزه، فيكون لغوا من باب أحد وظائف اللغة كما هي عند أستاذنا الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري. فإذا جارينا اللغو بلغو مثله كنا لا محالة في قلب الكلام العام العامي، الذي لا ينشده أهل العلم والمعرفة والمنهج والموضوعية. وأما جريان العقل وراء اللغو فتلك كبيرة من كبائر هدمه وتحطيمه على صنم الفراغ اللغوي، الذي يقول وليس لقوله قول! لذا نصحني العقل عندما أرسل لي أحدهم إلى بريدي الإلكتروني عرضا يحمل شعار المملكة والوزارة في رأس صفحته الأولى، وفي قاعدتها شعار مدرسة النجاح المتداول مع تنزيل البرنامج الاستعجالي، وموسوم ب: " إعداد الدخول التربوي 2012 ـ 2011 ، أبريل 2011 " ومختوم بقولة: " شكرا على حسن انتباهكم "، وأعلن لي عن متن كلاميٍّ استغرق ستة وخمسين صفحة تسمح بتعديل مضمونه لأنها صفحات غير محصنة إلكترونيا. فقال ما قال؛ رغم أن قوله بالنسبة لي تشوبه العديد من الاختلالات المنهجية فضلا عن المتنية ويفتقد للموضوعية لما راكمت من تقارير عن الدخول المدرسي وحقائق معيشة تفيد عكس ما ذهب إليه في مطلق كلامه. لذا ركنته جانبا في رف من رفوف مكتبتي وهو مستخرج على الأوراق، وانشغلت بما تلزمه علي وظيفتي البحثية والمهنية والإنسانية والوطنية. غير أن الهاتف رن أكثر من مرة منبها إياي إلى رمي الكرة في ملعب جهاز التفتيش كالعادة بعد الشكر والثناء لأهل الثناء وفق طرح العرض. ومن باب مسؤوليتي النقابية تنادى الإخوة أعضاء هيئة التفتيش مطالبين بالرد الرسمي على ما جاء فيه من حكم قاس على أداء جهاز التفتيش في الدخول المدرسي للموسم 2010 ـ 2011. فاستغربت الطلب وأنا متفهم لثقل المسؤولية التي يتحملونها تجاه المنظومة التربوية والتكوينية، والتي دفعتهم إلى الإحساس بالحيف حتى في تقدير المجهود الذي يبذلونه رغم قسوة شروط أداء المهمة وغياب القدر الكافي من متطلباتها ومطالبها المهنية التي مافتئت نقابة مفتشي التعليم والهيئة تطالب بها. ومازالت لم تتوصل ببعضها من بعض المصالح الخارجية للوزارة لحد الساعة لأن هذه المصالح لا تحترم الوزارة ولا تنضبط لقراراتها الصادرة رسميا عبر المذكرات الوزارية فضلا عن التشريعات والقوانين المعمول بها، وكأن توفير شروط ومستلزمات ومتطلبات المهنة منحة وهبة وعطية ستتنعم بها على هيئة التفتيش لا واجبا مهنيا يجب على المصالح الخارجية والوزارة توفيرها ليستقيم أداء الهيئة لمهامها في إطار المساءلة والمحاسبة والتحفيز! فلو رفعت هيئة التفتيش دعوى ضد هذه المصالح الخارجية أمام القضاء الإداري لألزم هذه الأخيرة بتطبيق إرادة الوزارة وقراراتها لأن الوزارة رئيسة وهي مرؤوسة ولم تمنح الاستقلالية كاملة بعد. فبعض هذه المصالح ليست مؤسسات بقدر ما هي أفراد يفعلون ما يشاؤون ولا يجرؤ العرض أن يلمزهم بكلمة فبالأخرى أن يحملهم المسؤولية؟! وما تعثرات الدخول المدرسي التي سجلها العرض إلا نتائج عدم التزام بعض المصالح الخارجية للوزارة بقرارات الوزارة وعدم توفير شروط ومتطلبات الدخول المدرسي 2010/2011. قلت الإحساس بالغبن والحيف رغم مجهودات الهيئة التي انخرطت مع الوزارة مركزيا وجهويا وإقليميا في إنجاح الدخول المدرسي في بعض الأكاديميات. وبعضهم يعمل ليل نهار في قعر الوزارة التي لم تمكنهم من وسائل الاتصال إلا بعد التذمر الذي عبروا عنه صراحة أمام المفتش العام للشؤون التربوية والخطوات النضالية التي قاموا بها وهو بحضرتهم لتحسيس الوزارة بالإجحاف الواقع في حقهم؟! ... لقد تفهمت مظلمتهم، لكني لست معهم في إعطاء عرض قال فيه صاحبه ما قال هالة ضخمة لايستحقها لعدة أسباب ونواح جوهرية منها: 1 ـ من ناحية الشكل: العرض قدم في محفل أجهله وأجهل صاحبه أو الجهة التي حررته، وأجهل طريقة إعداده وشواهده وقرائنه التي أنشأ بها أحكامه، ولا يحمل خاتم الوزارة ولا توقيع مسؤول ويسمح بصيغته الإلكترونية تعديله وتغييره، مما يبقيه في دائرة الشك في توثيقه ووثوقيته انطلاقا من تفعيل أبجديات التوثيق، وبالتالي يبقى عرضا له كامل الحرية أن ينشأ الكلام إنشاء. وإنشاؤه سيحاسبه عليه العقل العلمي تصديقا أو نفيا. وهو عرض وليس تقريرا، والفرق شاسع بين التقرير والعرض. من هنا، فهو ليس وثيقة وزارية رسمية أسأل الوزارة عنها وأحاسبها على الأحكام التي خرج بها العرض، وذلك معتقدي، لأنني لو سألتها سترد علي بما أنا أهل بمعرفته قبلها. وإلا؛ فعلمية الاشتغال المهني المبنية على أصولها وقواعدها التي يتطلبها الفكر الإداري وأدبياته ستضرب لا على عرض الحائط وإنما على مساحته فتلطخه. وتفقد مصداقيتها عند كل مهني وإداري محترف، بل وعند الوزارة نفسها، التي تربي النشء على التفكير العلمي والمنهجي والموضوعي وعلى المهنية والاحترافية في التوثيق وتدقيق الموضوعات والقضايا التي تعترض الفرد كما المجتمع ودولته خاصة من النواحي الشكلية والإجرائية. فإذا تعاطينا بهذا الشكل فكلانا في كفة واحدة: الوزارة والهيئة في جهل أساسيات التوثيق الإداري وأدبياته. وأنأى بنفسي شخصيا وبهيئة التفتيش ونقابتها أن تذهب إلى طرح المسألة على الوزارة حتى يكون لديها تقرير رسمي مختوم وموقع يصادق على ما جاء في العرض أو يصادق رسميا على العرض. وأن تذهب بدل ذلك إلى إبداء رأيها بكل صراحة ووضوح في الإنشاء التربوي الذي جاء به العرض الموقر ناقدة ومصححة له مواطن الاختلال ومبدية البدائل والاقتراحات. والعرض كما أسلفت لا يستحق هالة البتة، لأن اختلالات عدة عورته بمنطوق البحث العلمي، الذي يفصح هنا عن بعضها كما سيأتي. هذا ما توجبه الرسميات المهنية وتفرض علينا أفرادا وهيئة ونقابة أن نأخذ بعين الاعتبار ذلك في ممارستنا الرسمية مع أية جهة رسمية متدخلة في الشأن التعليمي، لأن ذلك الاعتبار هو الذي يميز المسؤول عن غيره، ويضمن الواجبات والحقوق. أما خارج الشكليات الرسمية للوثائق فلا تلزم تلك الوثائق إلا صاحبها. ومنه لا يمكن للهيئة وهي توطن تلك الأبجديات والأدبيات والأساسيات للرسميات الوزارية أن تذهب إلى خلافها رسميا. وبالتالي جاءت قناعتي في عدم التعليق أو الملاحظة والاحتفاظ بوقتي لصالح معالجة قضايا مهنية معيشة أهم من الإنشاء التربوي. 2 ـ من ناحية المنهجية: العرض لم يتطرق إلى المنهجية التي سلكها في مقاربة الدخول المدرسي وبنى بها استنتاجاته بل أحكامه العامة المطلقة، التي منهجيا إذا وجدنا مثالا مضادا ـ وما أكثرها عندي ـ نسفها من أساسها. وعليه أجد العرض ينشئ الكلام إنشاء ويطلقه على عواهنه. فالقول في الخلاصات والملاحظات الخاصة بالمجال التربوي ب : ( • ضعف مساهمة هيئة التفتيش التربوي في تأطير الدخول المدرسي على مستوى المؤسسات؛ • نقص في زيارات المؤسسات التعليمية من طرف المفتشين التخصصيين؛ • تأخر في المصادقة على جداول الحصص من طرف المفتشين التربويين. ) . يظهر جليا عملية الإنشاء، لأنه لا يحدد مصطلحاته أولا ( ضعف، تأطير، نقص، المفتشين التخصصيين، تأخر )، ثم لا يحدد معايير التقويم والتقييم والمؤشرات التي أدت إلى هذه الخلاصات وهذه الملاحظات، فما دلالة لفظة ضعف وتأطير ونقص وتأخر؟ وما معايير ومؤشرات الإمساك بهذا الضعف والنقص والـتأخر؟ وما الأسلوب الإحصائي الكمي أو الكيفي الذي صادق عليها إحصائيا؟ وما حدود دلالاتها؟ وهل بنى الضعف والأحكام الأخرى على محكات مرجعية دقيقة واضحة ومضبوطة مسبقا أم لا؟ وهل اتخذ إلى ذلك الدلالة الكمية أم النوعية أم هما معا؟ ... أسئلة واستفهامات يطرحها الفكر العلمي على أي حكم يطرح في الساحة التربوية، لأنه لا يقبل لا التعميم ولا الكلام العام. وبالتالي إذا كانت هذه الأحكام مبنية على تقارير ورقية لا واقعية يعضدها المنهج العلمي كميا ونوعيا ويصادق عليها، فهي إلى الإنشاء التربوي أقرب من التقرير التربوي. فلو أصدرنا حكما على تلميذ لدينا مثلا في القسم بأنه ضعيف، فيجب علينا بيان ضعفه ودرجته ومجاله بالحجة والبينة. وأما وهيئة التفتيش منخرطة في متطلبات الدخول المدرسي بكل ثقلها وتحت شروط وظروف عمل قاسية يعلمها العرض ـ وإن لم يكن يعلمها فنبينها له بالدليل والحجة والأرقام والنوعية ـ ويشطب على ذلك كله بجرة قلمه، فذلك ليس من الرزانة العلمية في شيء! وغير مقبول ذلك من الناحية الأخلاقية ومن الناحية العلمية والمهنية. لذا أطرح على العرض بعض الأسئلة لكي نقف على حقيقة الأحكام الصادرة في حق الهيئة، وهي أسئلة بسيطة دون الدخول معه فيما يثبت حكمه أو ينفيه. • ما المهام بالتحديد التي اعتمدت في التأشير على تأطير الدخول المدرسي، والتي كان من الواجب على هيئة التفتيش أن تلتزم بها؟ • ما كَمُّ هذه المهام التي تم اعتمادها في التأشير على الضعف؟ • ما نوع هذه المهام التي تم اعتمادها في التأشير على الضعف؟ • ما الشروط والمتطلبات التي يجب توفرها لإنجاز تلك المهام حتى يتحقق الضعف ويقاس؟ • ما الموارد البشرية التي تلزم لإنجاز تلك المهام وتخصصاتها حتى يتحقق لدينا الضعف؟ • ما المدة الزمنية التي تحقق الضعف في إطار تبيان مدة الدخول المدرسي وارتباطها مع المدة التي تبين الضعف ؟ • ما كم ونوع الوثائق التي يجب إنجازها في تلك المهام، والتي تبين وتؤشر على الضعف؟ • ما المؤشرات النوعية والكمية الإحصائية التي اعتمدت في الكشف عن الضعف؟ • ما أثر هذا الضعف على الدخول المدرسي وتجلياته، وكيفية التحقق من ارتباط الضعف وآثاره؟ • عندما وقف العرض على الضعف فما مقترحاته للتصحيح؟ أسئلة من أبجديات البحث العلمي الدقيق سواء أكان في العلوم الحقة أو الإنسانية، لأنها مدخل للحقائق التي تبنى عليها قرارات وأحكام. ومن هنا؛ في العرض أجد غيابا لمثل هذه المعطيات التي لا يمكن لي أن آخذ بما ذهب إليه، ولا يمكن الاعتماد عليه في اتخاذ أي قرار تجاه الهيئة أو تجاه الرد ومساءلة الوزارة في حكم قد لا يكون حكمها. وبالتالي أجد ذلك حكما مطلقا تنتفي عنه العلمية وبالتالي المصداقية. ومن هنا ألتمس من الوزارة إن كان عرض في أحضانها ولم تطلب التوضيح من صاحب العرض فردا كان أم مؤسسة أن تراجع منهجية اشتغالها، لأن هذا يشين أداءها العلمي وهي عقل التفكير العلمي المفترض!؟ فلا يمكن التجاوز على بعض الأخطاء التي تضر بالمنظومة التربوية والتكوينية المغربية. وإلا ستحاسبها الأجيال عندما تكون تتعاطى مع قضايا حساسة بكلام عام مطلق يفتقر في تأسيسها على المنهج العلمي. ولا أحتاج إلى التذكير بأطروحات جامعية رفضت لفقدان المنهجي العلمي الصارم في مقاربتها مواضيعها! فنحن نتعاطى بمنهجية مع قضايانا التعليمية، وإلا؛ فالعيب، كل العيب علينا إن تعاطينا معها دون منهج علمي. فإصدار الأحكام والاستنتاجات والقواعد والقوانين يلتمس أسلوب التقرير لا الإنشاء، وهو المتعارف عليه بين المختصين في البحث العلمي. والعرض ذهب إلى الإنشاء التربوي مخالفا بذلك أدبيات البحث العلمي في إصدار حكم الضعف والنقص والتأخر، وهي مخالفة منهجية أولا وموضوعية ثانيا لأنه لم يدعم أحكامه بالدليل والحجة، فيقول مثلا، يتجلى الضعف في عدم القيام بالمهام التالية ( ويحددها ) من جملة المهام التي وجب القيام بها في تأطير الدخول المدرسي ( ويحددها ) بكم قدره كذا ( ويعينه ) ونوع كذا ( ويحدده ) وبنسبة مائوية تحت النسبة المائوية العتبة ( ويحدد النسبة العتبة والنسبة المنجزة ) وبمدة زمنية ( ويحددها ) ... ودواليك مع تحديدات الضعف الكمية والنوعية في إطار الشروط والمتطلبات، حتى نلمس التفكير العلمي والحقائق الواقعية التي لا تترك لأي كان الشك في مصداقية العمل. وإلا مع الأسف ستكون أحكامنا واستنتاجاتنا هشة من ناحية المنهج والموضوعية والقيمة والمصداقية. وعليه أنصح هيئة التفتيش أن تلتزم بالأصول العلمية في التعاطي مع هذا العرض، ولا تتحمس للرد عليه إلا بعدما يدلي بما لديه من حقائق ووقائع تشهد للأحكام التي أتى بها في حق الهيئة. مقابل أن تطلب منه الإدلاء بالحقائق والشواهد الملموسة التي ذهبت به إلى إصدار مثل هذا التقييم والتقويم. وتعلو فوق جراحها لتعطي المثال العلمي الذي يجب أن يسود في المنظومة التربوية والتكوينية، والذي يقوم بين المراكز العلمية والمفكرين والباحثين. فأما الكلام العام يظل كذلك كلاما يفتقر للدليل والحجة لا يستشهد به ولا يتخذه أحدا حجة وبينة في وجه الغير. 3 ـ من ناحية الموضوع: وسأقتصر هنا على الجانب المتحقق من العرض وهو ما يهم المكتسبات الأساسية وعناصر للتطوير من خلاصات وملاحظات حول الدخول التربوي 2010 ـ 2011. حيث أجد ما أورده يدخل كله في الإنشاء التربوي ولم يقرر حقائق موضوعية وملموسة سواء كمية أو نوعية وكيفية تهم القضايا التي تعاطى معها. ولا يشفع له هنا كونه يورد خلاصات وملاحظات لأنه سيكون ارتكب كذلك خطأ منهجيا من حيث بتر الخلاصات والملاحظات عن سياقها العام الذي أنتج تلك الخلاصات والاستنتاجات والملاحظات. ولا يشفع له علميا أي دفع كان. لأن للتقرير أدبياته وأخلاقياته ومنهجياته وأبجدياته. وبالتالي أجد العرض هنا لا يوطن نفسه على معطيات كمية أو نوعية أو هما معا تدعم مقولاته التي خرج بها، كما أجده يورد عموميات مطلقة لا في المكتسبات ولا في عناصر للتطوير يمكن لأي كان وكيفما كان أن ينشأ مثلها وفي أي وقت كان أو أي زمان كان، ولا يمكن ضبطها وقياسها مرة ثانية إذا أراد التحقق منها، فمثلا قوله: ( التعبئة القوية للسيدات والسادة مديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ونواب الوزارة، وكافة المسؤولين والأطر، ورؤساء المؤسسات التعليمية وأطر التدريس لإنجاح الدخول المدرسي ) لا يفيد ماهية هذه التعبئة ولا كمها ولا نوعها ولا تجلياتها ولا كيفية التحقق منها، وبالتالي فهي قولة تغرق في الإنشاء التربوي وفي المجاملات وفي الكلام العام، ولا تعطي للتعبئة دلالاتها الحقيقية المصطلحية بل تعطيها دلالة عامة معجمية. وبالتالي لا تفيد لا وقائع ولا حقائق يمكن لأي باحث أن يستشهد بها على حقيقة التعبئة في الميدان أثناء الدخول المدرسي. ومن هنا يظهر تميز الاشتغال العلمي المتخصص عن الاشتغال العام غير المتخصص. وسأضرب مثالا لتوضيح هذا الامتياز، إذ أقول افتراضا أن أحد الأساتذة طلب من متعلميه الكتابة في موضوع التدخين. فجاء أحدهم يصف وينشئ الكلام العام أن التدخين قاتل يفتك بالإنسان ويضر بالصحة ... بينما جاءه الثاني أن التدخين قاتل ويبين كيف يقتل الإنسان علميا متبعا في ذلك أسلوبا تقريريا كيف ينعكس التدخين على أداء الأجهزة لوظائفها بناء على مخلفاته الكيماوية القاتلة، ويذهب إلى حقائق علمية مصادق عليها بين العلماء والأطباء وغير ذلك. فأية الكتابيتين ستكون أكثر حجية ودليلا وإقناعا ومصداقية؟! وبالتالي نلمس من هذا المثال البسيط والتبسيطي قيمة الاشتغال العلمي في مثل هذه العروض، خاصة وأننا لسنا في مجال أدبي محض يناسبه ما ذهب إليه العرض من إنشاء تربوي. بل نحن أمام حقائق واقعة في الزمن والمكان بأحداثها وبأشخاصها وبأدواتها وشروطها ومتطلباتها، وقد وقعت في الميدان ووقف عليها المعني بالأمر. وهي بذلك توجب أسلوب التقرير لا الإنشاء، مما يشي بعدم ضبط الأسلوب الذي يجب الكتابة به في مثل هذه المواضيع. ولن أدخل هنا إلى القراءة النقدية للمضمون كل فقرة على حدة، فذلك لا يهم هذه الورقة التي توخت التنبيه إلى أبجديات علمية يجب أن نلتزم بها في هيئة التفتيش، وأن نحترمها حتى في الردود، وإلى الروية لأنه ليس كل ما يقال هو صحيح، وأن الإنشاء التربوي يظل إنشاء في الغالب، عليه أن يختار ما بين ثقافتين إن أراد الوجود، ثقافة الوضع أم ثقافة الموقف بما هما مختلفتان، من حيث ( ثقافة الوضع قانعة بحالها، راضية برصيدها التاريخي الموروث ... والمعرفة عندها، أو قل العلم الأسمى، لا يتجاوز حدود تأمل هذا الرصيد وأقوال الأولين، والأمل عود على بدء ... ومن ثم عزوف عن الإبداع والتجديد ... والزمان امتداد متجانس، فارغ من الأحداث، إلا الحدث الأول والأهم فهو بداية التاريخ وغايته. وثقافة الموقف إرادة واختيار، والإرادة فعل، والاختيار وعي عقلاني وعزم على التغيير والتجديد، وفهم لمجريات الأحداث والظواهر، وتراكم متجدد متطور لرصيد المعلومات والمعارف، ومن ثم تطور وارتقاء مطرد للهوية الثقافية التي هي عين الفعل الاجتماعي النشط في الزمان، وليس السكون والبحث عن هوية مجهولة في غيابات التاريخ. ثقافة الوضع تقف على قارعة طريق الحياة، تتأملها تجليات لإرادة من خارجها، وثقافة الموقف تخوض غمار لجج نهر الحياة الصاخب الدافق، تتجدد وتتغير، وتبني وتتحدى وتستجيب، تأسيسا على الفهم والوعي والعقل الحر الناقد الفعال، إنها إبداع الحياة وصناعة التاريخ ) . من أجل توطين الوعي فينا: هو وعي ما نقول وما نفعل مدخل أساسي لبناء علم الحجة والدليل، علم المنهج والأداة، علم صناعة العقل الإنساني على امتداد تنوعات أنماطه المتعارف عليها والمتجددة في نفس الوقت، علم المستقبل والوجود. ذلكم معطى لا يعرف حقه إلا ذويه، وهو ما أدعو إلى الالتزام به مهما خالف الغير ذلك. ووعينا يرتفع عن جروحنا مهما كانت غائرة في الجسد نتيجة أنصال تجرح الذات كلها لأنها ليست مشرط طبيب جراح تعرف ما تفعل بقدر ما هي سكاكين جزار. وهو العقل يجاري العقل ولا يجاري غير العقل، لأنه يعرف مسبقا أن رب العزة تعالى شأنه رفع القلم عن غير العقل، وخاطب العقل قبل أن يخاطب غيره لأنه يعرفه أداة الوعي الأولى. والوعي هو وعي للذات بالذات قبل أن يكون وعيا للذات بغير الذات. فحينها يتوطن الوعي في الذات حتى تصير هي عين وعي الذات بالذات. كل شيء مبني على هذا الوعي، فإن ذات التفتيش لا أخالها واعية ذاتها إلا بذاتها، والمواضيع كلها تقع تحت عدسة وعيها تأثيرا وتأثرا. وبالتالي هي جديرة بتقدير نوع القراءة بل الإقراء. عبد العزيز قريش

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل