المحتوى الرئيسى

أصل المعرفة بقلم:محمد دلسي

05/01 19:46

سلسلة مقالات أحباب الحكمة من إعدادوتقديم الأستا> محمد دلسي ثانوية الرائد نحناح الرغاية المحطات المضامين والأنشطة المقدمة:ويراعى فيها التمهيد وإبراز العناد والتناقض الفلسفي زائد طرح إشكال جذري إن الإنسان فضولي بطبعه فهو بحث وليزال يبحث بالاستمرار في مشكلات الوجود وأسرار العالم الخارجي ويتطلب منه ذلك فحص مدقق وتأمل معمق في كنه العالم والوجود عن طريق توظيف قدراته المعرفية المختلفة ولما كان الإنسان مركب من جوهرين متمايزين هما النفس والبدن فقد اختلف الفلاسفة في تحديد ماهية واصل المعرفة الإنسانية حيث اعتقد البعض أنها ترتبط بالبدن وحواسه الخمس في حين أرجعها العقليين إلى مبادئ النفس الفطرية وجعلوا من العقل مصدرها الأول وهذا ما يدفع لطرح التساؤل التالي:هل المعرفة الإنسانية في مصدرها عقلية أم حسية؟ عرض الأطروحة الأولى ويراعى فيها ما يلي : عرض الموقف بصفة إجمالية عامة مع ذكر نماذج عن ممثليه عرض الحجج والبراهين مدعمة بأقوال وأمثلة تجاوز الأطروحة ونقدها يرى الفلاسفة العقلانيين كأفلاطون وديكارت أن العقل مصدر مطلق لجميع المعارف الإنسانية التي هي في أصلها ليست إلا إنشاءات عقلية إستنتاجية خالصة لا أثر لها في الحواس. فحسب أرسطو ما يمز الإنسان عن الحيوان هو العقل والإنسان هو الكائن العارف الوحيد ومنه فلا بد أن يكون العقل هو ملكة المعرفة عند الإنسان وليس الحس ومن هذا أسس قواعد المنطق والتي هي مجموعة من القواعد الفطرية في العقل متى التزم بها الإنسان في تفكيره تجنب الوقوع في الخطأ ونجد أفلاطون يبني نظريته في المعرفة اعتبارا من تقسيمه الوجود إلى عالمين مختلفين ومتناقضين عالم المثل المتصف بالثبات والأزلية وكونه مطلق وعالم الحس النسبي المتغير والفاني وهذا التصنيف الأفلاطوني ينسجم تماما مع ثنائية الروح والبدن عنده حيث أن الأولى كانت تعيش في عالم المثل لأنها تحمل نفس خصائصه غير أن مخالطتها للبدن الحسي أنستها في كل تلك الحقائق ومن كل هذا ينتج نوعين من المعارف معرفة النفس التي تتذكر المثل والحقائق المطلقة عن طريق العقل ومعرفة البدن الحسية التي تتوجه نحو عالم الحس النسبي الذي يعتبره أفلاطون صورة مشوهة عن عالم المثل وظل له ومن هنا فلا قيمة للمعرفة الحسية لأن الحقائق المطلقة موجودة في النفس منذ الأزل وهي تدركها بالعقل وحده لذلك قال أفلاطون "المعرفة تذكر والجهل نسيان "، ويوافق ديكارت أفلاطون فيما ذهب إليه عندما جعل العقل مصدر ا وحيدا للمعرفة اليقينية فنجده يقسم أفكار النفس إلى ثلاثة مراتب أفكار حسية خارجية ندركها بالحواس الخمس وهي أفكار لا قيمة لها لأن الحواس تخدع كرؤية باخرة في الأفق فهي تبدو أقل من حجمها الحقيقي بكثير وبتالي فلا يمكن الثقة في المعرفة الحسية حيث يقول ديكارت وبعد هذا النوع تأتي الأفكار الخيالية أو المصطنعة وهي تلك الأفكار التي نصل إليها بالمخيلة وقدرة الإنسان على إيجاد أفكار لا وجود لها في الواقع رغم أن عناصرها موجودة فيه كالحصان المجنح أو جسد أسد بوجه إنسان كأبو الهول وهي أفكار كذلك لا قيمة لها لأنه تعتمد على الحواس وثالث أفكار النفس عند ديكارت هي الأفكار الفطرية وهي أفكار يزود بها العقل حال الولادة يضعها فيه الإله بالفطرة وبما أن البداهة والمطلقية من صفات أفكار الإله فإن أفكاره الفطرية التي يضعها فينا تمتاز هي كذلك بالوضوح والصدق والبداهة ومنه فهي معرفة يقينية وعليه فالعقل الإنساني مزود مسبقا بمعارف تجعله يدرك الحقيقة بالحدس دون أي تخل للحواس فهو ملكة مستقلة قادرة على إنشاء المعرفة انطلاقا من أفكاره الفطرية فقط دون أي رجوع للحواس. رغم أن العقل ملكة إنسانية خالصة مميزة له عن الحيوان إلا أنه لا يمكن إنكار دور الحواس في المعرفة الإنسانية ففي غياب معطيات الحس لا يمكن للعقل أن يبني المعرفة كما أن عالم المثل الذي تحدث عنه أفلاطون والأفكار الفطرية التي ذكرها ديكارت تبقى فرضيات ذاتية غير مثية بل هي مسلم بها عندهما فقط ولا يمكن أن نغفل كذلك عن قصور العقل عرض الأطروحة الثانية ويراعى فيها ما يلي : عرض الموقف بصفة إجمالية عامة مع ذكر نماذج عن ممثليه عرض الحجج والبراهين مدعمة بأقوال وأمثلة تجاوز الأطروحة ونقدها وبخلاف الطرح العقلي يرى الفلاسفة التجريبيين كجون لوك ودافيد هيوم وحون ستيوارت ميل أن التجربة الحسية هي المصدر الوحيد لجميع معارفنا وما العقل سوى مستودع للخبرات الحسية التي يحصلها بالتدريج عن طريق المعرفة الحسية. حيث يرى جون لوك أنه لا وجود للأفكار الفطرية التي قال بها ديكارت وهي ليست سوى تخيل فلسفي لأنها في الواقع غير موجودة عند الطفل الصغير ودليل ذلك أنه لو كان يمتلكها لإستطاع تعلم الأفكار تجريديا دون الاستعانة بالحواس لكن الواقع يثبت أن الطفل لا يتعلم القضايا الرياضية سوى وهي مقترنة بالأشياء الحسية حيث لا يفصل المعدود عن العدد وذلك شأن كل الأفكار الأخرى وعليه فالعقل الإنساني خالي تماما من أي فكرة حال الولادة لذلك قال جون لوك ومنه فالمعرفة مكتسبة وليست فطرية وليس هناك عالم يكتسب منه الإنسان المعرفة سوى العالم الخارجي الحسي وهذا العالم يتصل به عن طريق الحواس من هنا كانت الحواس الخمس هي نوافذ الإنسان الوحيدة لإكتساب المعرفة وأي غياب لها يعني غياب تام للمعرفة هذا ما يؤكده ديفيد هيوم حين يقول أي من فقد حاسة فقد المعاني والأفكار المتعلقة بها فاليمونة مثلا يصل إلينا لونها عن طريق البصر ورائحتها عن طريق الشم وطعمها عن طريق الذوق وملمسها عن طريق اللمس فلو تناولها كفيف البصر فإنه يعلم كل صفاتها بإستثناء لونها وعليه فليست الفكرة سوى صورة مباشرة لمقابلها الحسي لهذا قال هيوموعلى هذا فليس العقل سوى مستودع تخزن فيه الأفكار الحسية وهو في غيابها عاجز عن تحصيل أي فكرة كما يرى التجريبيين أنه لكل فكرة في الذهن مقابل في عالم الأشياء الحسية حيث يقول هيوم وعليه فحدود المعرفة هي حدود الحواس ومنه فالعقل ملكة تابعة للحواس عاجزة عن تحصيل الأفكار في غيابها فوظيفته لا تتعدى حفظ وتركيب ما تقدمه الحواس وليس مكلة مستقلة كما يزعم العقلانيين لهذا قال هيوم محددا وظيفة العقل وعلى هذا ينتهي التجريبيين إلى مبدأ عام هو ان الحواس هي المصدر الأول لجميع معارفنا رغم ما للحواس من قيمة في ظاهرة المعرفة لدى الإنسان إلا أنه لا يمكن اعتبارها مصدرا وحيدا لما يوجد في الذهن من أفكار فالبديهيات مثلا أمور فطرية مشتركة يزود بها العقل مسبقا وتدرك بالحدس المباشر كذلك المبادئ المنطقية هي مبادئ مشتركة لا يمكن ردها إلى المعرفة الحسية الذاتية ضف إلى ذلك أن الحواس تخدعنا وتضللننا فلا يمكن الوثوق فيها كالعصا تبدو في الماء منكسرة وهي ليست كذلك كما أن الحواس مشتركة بين الحيوانات والإنسان بل وتوجد لدى بعض الحيوانات قدرات حسية أفضل مما هي عند الإنسان ولكن رغم ذلك لا تمتلك معرفة وهذا يدل على أن الحواس وحدها لا تكفي التركيب ويتضمن إحدى الخيارات الثلاث: -التوفيق -التغليب -التجاوز إن كلى الموقفين الحسي والعقلي تعصب لذاتيته ومبادئه وركز على مصدر واحد من مصادر المعرفة عند الإنسان حيث ركز التجريبيين على الحواس وأهملوا العقل بينما ركز العقليين على العقل وأهملوا الحواس بينما الأصل هو الجمع بينهما لأنهما متكاملان وهذا ما تثبته الفلسفة النقدية بزعامة الفيلسوف الألماني إيمانوال كانط الذي يؤكد أن عملية المعرفة تبدأ من التجربة الحسية المتمثلة في الانطباعات الحسية التي تنقلها لنا الحواس عن الأشياء أي مادة المعرفة ولكن هذه المادة المعرفية لا يكون لها معنى إلا إذا نظمها العقل وفق مقولاته أي يعطيها صورتها فعالم الأشياء كما تنقله لنا الحواس هو مجرد شتات معرفي لا يمكن فهمه إلا بواسطة العقل الذي يجمع هذا الشتات وينظمه في شكل معارف بفضل مقولاته الأساسية (الضرورة ،الإمكان،السببية ...)وقد عبر كانط عن موقفه هذا بوضوح عندما قال"المفاهيم (المقولات) بدون حدوس حسية تظل جوفاء والحدوس الحسية بدون مفاهيم تبقى عمياء"ومنه فالمعرفة الإنسانية تعتمد على الحواس والعقل معا فمثلا البناء بدون مادة البناء لا وظيفة له يؤديها كما أن مواد البناء دون بناء تبقى صورة مشوهة لا قيمة لها وبالتالي فلا بد من توفرهما معا الخاتمة ويراعى فيها : -انسجام الاستنتاج مع مضمون التحليل -تقديم إجابة مباشرة عن الإشكال المطروح في المقدمة ومن كل التحليل السابق نتوصل إلى أن المعرفة الإنسانية معرفة متعالية وتكمن قيمتها من حيث أنها تجمع بين نشاط الحواس وفعالية العقل وهو ما يجعل منها معرفة متكاملة من كل الأوجه وان التفسيرات العقلية والحسية يكمن قصورها في فصلها بين النفس والبدن بينما في الحقيقة الإنسان كل متكامل لا يمكن الفصل بين جانبه النفسي العقلي والجسدي الحسي وهذا ما يثبته علم النفس المعاصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل