المحتوى الرئيسى

مصالحة الاضطرار بقلم:محمد بهلول

05/01 19:11

محمد بهلول كاتب عربي فلسطيني ـ دمشق لا يمكن لأي مواطن فلسطيني أو عربي أياً يكن انتماءه السياسي والفكري إلا أن يرحب بـ "اتفاق المصالحة بين فتح وحماس"، الذي وقع بأحرفه الأولى والمتوقع إنجازه خلال الأيام المقبلة؛ بعد حوار وطني شامل في القاهرة، سواء كانت هذه الجولة جدّية، أي بإمكانها إضافة اقتراحات محددة لتطوير التفاهمات بين الفريقين، تحت سقف برامج الإجماع الوطني 2005 ـ 2006 ـ 2009. هكذا تكشف الجدية لإنهاء الانقسام على قواعد وطنية ديمقراطية شاملة، وإلاّ خطوة معلقة في الهواء تترك صراع الانقسام مفتوحاً. القراءات الأولية لكثير من المحللين الفلسطينيين والعرب، والذي فاجأتهم جميعاً تلك المصالحة، قراءات حذرة ومعظمها يفصل ما بين التوقيع والمصالحة وإنهاء الانقسام، ولا زالت المخاوف عند الجميع من أن هذا التوقيع سيتلاشى خلال أيام أو أشهر على أبعد تقرير، بمعنى أو بآخر يتفق الجميع، وهنا أقصد المحللين الموضوعيين لا المسوقين بأن هذا الاتفاق (لا المصالحة) إنما جرى تحت تأثير وقع أحداث كبرى فرضت على الطرفين، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. لا بل إن كبار المحللين الإسرائيليين، الذين انتقدوا بشدة رئيس وزرائهم نتنياهو على تسرعه باتخاذ موقف من الاتفاق، يؤكدون بأنه كان على رئيس وزرائهم التريث، لأن الاتفاق سينهار من تلقاء نفسه ولن يصمد بأحسن الأحوال حتى أيلول، وهو الموعد المفترض لإعلان الاعترافات بالدولة الفلسطينية من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويزايد الإسرائيليون أنه على الأقل يجب الانتظار حتى تشكيل الحكومة الفلسطينية الموعودة وهي حكومة مستقلين وتكنوقراط كما يؤكد الطرفان الموقعان وبرنامجها، وإذ ذاك يمكن الإطباق على برنامجها من خلال مدى الالتزام بالشروط الدولية من عدمه، أي شروط الرباعية المعروفة. بادئ ذي بدء لا بد من التوقف أمام الشكل الذي ظهر به الاتفاق والذي فاجأ الجميع والمعلومات الأكثر تداولاً؛ تشير إلى أن مصر وجهت دعوة إلى وفدين من فتح وحماس للقاء في القاهرة، من أجل إجمال الملاحظات التي عرقلت الوصول إلى اتفاق في السابق، وأن وفد فتح تشكل من: عزام الأحمد، صخر بسيسو، ووفد حماس من: موسى أبو مرزوق، الزهار، خليل الحية، عزت الرشق، محمد نصر، وأن الاجتماع الذي دام حوالي خمس ساعات وشارك منذ بدايته وزير الأمن القومي المصري (المخابرات) مراد موافي، ثم انضم إليه وزير الخارجية نبيل العربي. الملاحظة الأبرز أن ساعات قليلة استطاعت اختزال سنوات الانقسام الخمسة المريرة بسلاسة لم تعهدها أي جولة من المفاوضات الفلسطينية ـ الفلسطينية السابقة، ولا حتى أي مفاوضات في العالم "ما عدا ما بدا" هو السؤال الذي يرتسم على شفاه كل متابع أو مهتم، سيما وأن القراءة السريعة أو المتأنية لبنود التفاهمات وهي منشورة لا تقر أساساً السياسة الفلسطينية القادمة، وهي منطقياً جوهر أي اتفاق في علم السياسة، ومن الواضح أنه لم تجرِ أي مراجعة وتقييم لسياسة كلا الفريقين الماضية، ما أمامنا هو سلسلة تفاهمات حول قضايا إجرائية تتعلق بالتقاسم الوظيفي للسلطة وإمكانية الاتحاد القصري بين سلطتين قائمتين، هو أقرب إلى تفاهمات تجاورية أكثر منه اتحاد طوعي، طبيعي وسلس. الشيء السياسي الوحيد الذي يمكن التقاطه هو الاتفاق على انتخابات شاملة في مدة أقصاها إثنا عشر شهراً (سنة كاملة) من تاريخ التوقيع الرسمي على الاتفاق. ومن المفيد هنا التأكيد على أن أبو مازن اقترح فترة ستة شهور، إلا أن حماس رفضت ذلك بشدة تدعو للريبة وانتصر لها عزام الأحمد أو بالأدق تواطأ معها، هنا تجدر الإشارة إلى أن النوايا الحسنة كانت تفترض الإسراع بالانتخابات بمستوياتها المختلفة، أي خطوات عملية على طريق دمقرطة المجتمع ومشاركة مئات الآلاف من المواطنين واللاجئين داخل الوطن "الرئاسة/ المجلس التشريعي"، واللاجئين خارج الوطن (المجلس الوطني) لتحصين الاتفاق والانتقال به من اتفاق سلطوي إلى اتفاق سياسي على أرضية المشروع الوطني، ومشاركة جميع القوى السياسية "وفق التمثيل النسبي الكامل"، لا قانونين لشعب واحد، المجلس الوطني 100% تمثيل نسبي، التشريعي للسلطة 75% تمثيل نسبي، 25% دوائر بأكثرية الصوت الواحد. ما من شك أن تطويل الفترة الزمنية بالتواطؤ بين جهات مختلفة من كلا الفريقين تجعل الاتفاق عرضة للانهيار أمام أي تعديلات ولو جزئية في المواقف العربية، الإقليمية والدولية من قبل أي من الفريقين. عود على بدء؛ لماذا الاتفاق ؟ ما هي الدوافع والموجبات التي جعلت ساعات تختزل سنوات ؟! ... هناك أسباب كثيرة وفيرة؛ لكننا في خضم هذه المقالة، سنتناول الأهم برأينا. إن السلطة في رام الله تعرضت خلال السنتين الأخيرتين ولا سيما الأشهر القليلة الماضية لهزات مختلفة، جعلت مصداقيتها القيادية ومشروعية خيارها السياسي في أدنى مستويات التأييد الجماهيري، وإن كانت الأرقام الصادرة عن الإحصائيات داخل الوطن لا تأخذ الاعتبارات المصلحية في عين الاعتبار، عدد واسع من المواطنين منخرط في مؤسسات السلطة المدنية والعسكرية والأمنية، فتبدو الاستطلاعات مقبولة، إلا أن الاستطلاعات بين أوساط اللاجئين ولا سيما في الخارج تنبئ بما هو خطير، وكل المؤشرات تؤكد أن الحفاظ على هيكلة جماهيرية للسلطة وحزبها "أي فتح" خارج الوطن مرتبط بشكل كبير بحجم الأموال المعروفة وليس بأي نوع من مشروعية الخيار السياسي. إن الخيار السياسي للسلطة والتصلب الإسرائيلي وعدم الاستجابة الأمريكية، والتي وصلت إلى حد استخدام الفيتو في مجلس الأمن لجهة قرار وقف الاستيطان، لم يضعف السلطة شعبياً، بل وضعها أمام المسائلة الشعبية، والتي بدت تلاميحها واضحة ومبشرة سواء في الوطن أو الشتات (لبنان على وجه الخصوص)، وهو المحفز الداخلي الرئيسي للهروب نحو الاتفاق، للالتفاف أولاً على حركة المعارضة الشعبية المتنامية من جهة، وللالتفاف على الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، والإيحاء بأن هناك خيارات أخرى، طبعاً البراغماتية مطلوبة بل وضرورية في العمل السياسي والتفاوضي على وجه الخصوص، إلا أن التجربة الماضية لا تجعلنا متفائلين بثبات هذا الموقف، بل بسرعان انهياره أمام أي مغريات ولو شكلية. هنا يجدر الإشارة أيضاً؛ إلى أن السلطة في رام الله المتخوفة أو على الأدق المربكة من حركة التغييرات الحاصلة في المنطقة ولا سيما في مصر، فمصر حسني مبارك كانت شريكاً بل راعياً للسياسة التفاوضية الأحادية للسلطة، وكانت تؤمن لها الغطاء من خلال إقفال معبر رفح والتحكم إلى حد كبير بمصير حركة حماس خصوصاً في غزة، باتت أمام مصر أخرى، لا شك أن للإخوان المسلمين (الركيزة الأم لحماس) دوراً في رسم مصيرها ومستقبلها (بمعزل عن أهمية هذا الدور وحاسميته أم لا)، وما الإعلان عن الفتح الكلي الشامل لمعبر رفح، إلا تأكيداً على أن السلطة ليست هي الطرف الوحيد في المعادلة الفلسطينية لمصر الجديدة. كما أن السلطة باتت مربكة أمام سلسلة التغييرات المتوقعة والدور المتنامي للإخوان المسلمين في عموم المنطقة، إضافة إلى الدور المتنامي للقوى اليسارية والليبرالية والشباب والمعروف عنهم عدم تعاطفهم مع السياسة التفاوضية الحالية التي كانت ولا زالت تنتهجها السلطة في رام الله. لذلك وجدت السلطة نفسها أمام خيار الاتفاق مع حماس، والنزوع نحو حكومة جديدة من المستقلين ذوي التبعية السياسية لكلا الفريقين، هذا الاتفاق هو للتلويح بانتهاج خيار جديد بوجه الداخل الشعبي، ومحطة انتظار لمواكبة التغييرات العربية، وصنارة لاصطياد تراجعات أمريكية، أوروبية ـ إسرائيلية ولو شكلية. أما من جهة حماس المنتشية من ناحية، والمربكة من الناحية الأخرى، هي منتشية برهانها على دور واعد ومتقدم للإخوان المسلمين على مستوى التغيرات في العالم العربي، تباشيره من وجهة نظرها ما يجري في مصر، كما أنها منتشية من الضعف الكبير الذي أصاب السلطة في رام الله على كافة الأصعدة، وهذا ما يبرز من خلال قراءة ورقة التفاهمات حيث بالإمكان إجمال الفوز بالنقاط لصالح حماس. أما الإرباك لدى حماس فناتج عما يجري تحديداً في سوريا والبحرين والصراع الخليجي ـ الإيراني، فحماس التي كانت حتى أيام قليلة ماضية في كنف محور الممانعة وجدت ببراغماتيتها الشديدة الفرصة الذهبية لتحقيق الاختراق في جدار العلاقات أولاً مع أوروبا كبوابة عبور نحو الولايات المتحدة الأمريكية. البراغماتية الواضحة تكمن في إصرار حماس على نقل ملف المفاوضات إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وهي التي لن تشارك فيها عملياً إلا بعد انتخابات المجلس الوطني المقدرة بعد سنة من توقيع الاتفاق، ولذلك فهي معفاة من نتائج المفاوضات، وقادرة على التنصل منها متى رأت براغماتيتها مرة أخرى ضرورة لذلك، بمعنى أدق إذا ما حققت حماس الاختراق في منظومة العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية وتم الاعتراف بها شريكاً كاملاً في السياسة الفلسطينية، وحققت ما يؤهلها لترسيم ذلك عبر الانتخابات المتعددة، فإنها ستمضي، أما إذا لم تحقق ذلك الاختراق، فإنها تنسحب وعلى قاعدة أنها لم تتنازل عن ثوابتها ومواقفها. من جديد؛ نأمل أن يكون هذا التحليل خاطئاً، ويكون الاتفاق بوابة العبور نحو المصالحة وإنهاء الانقسام، محطة الحوار الشامل المتوقع خلال الأيام المقبلة في القاهرة حاسمة، فإما النوايا نحو اتفاق يؤدي للمصالحة من خلال برنامج ومشروع سياسي، وإما يبقى اتفاق اضطرار علينا انتظار موعد انهياره.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل