المحتوى الرئيسى

> الأمير.. والكسير

04/30 21:03

كتب: خيرى شلبىكنت وحدي في غرفة مكتبي ساعة السحر، حينما انساب صوت الموسيقار محمد عبدالوهاب من المذياع متدفقًا في وجداني هاتفا يجأر بالشكوي والرثاء لحاله من فرط شعوره بالوحدة في هذا الكون: «كلما وجهت عيني نحو لماح المحيا.. لم أجد في الأفق نجما واحدًا يرنو إلي».. تلك هي قصيدة: عندما يأتي المساء للشاعر محمود أبوالوفا عندئذ شخصت في عيني صورة هذا الشاعر يمشي بصعوبة متأبطًا عكازين ويصر مع ذلك علي النزول معي من شقته في الطابق الثالث في بيت عتيق في حارة مكتهلة في حي باب الخلق، بعد أن أجريت معه حديثًا لمجلة الإذاعة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ليوصلني إلي باب الشارع ثم يتجه إلي صيدلية قريبة يجلس فيها عصر كل يوم مع أحد أصدقائه القدامي. غير أن صورة أمير الشعراء أحمد شوقي سرعان ما حضرت كالقطع السينمائي المفاجئ لتحتل شاشة مخيلتي بالكامل: كان شوقي علي عظمته الشعرية لا يجيد فن الإلقاء كما يجيده حافظ إبراهيم وإمام العبد وأبوالوفا وغيرهم، لم تكن ثقافة شوقي الفرنسية تتناقض مع ثقافته التراثية العربية المتغلغلة في أغوارها، بل لعلها أمدته بأضواء من العلم الحديث ومن ثقافة الفرنجة استطاع بهما الكشف عن مناطق الثراء الجمالي في تراثه العربي، وما في اللغة العربية من إشعاع شعري متجدد لا ينضب، إلا أن ثقافته الفرنسية كانت كما هو واضح في مذكرات ابنه علي ومذكرات سكرتيره الخاص ومن أخباره الصحفية ومن أحاديث بعض من عرفوه كأحمد رامي وعبدالوهاب وأم كلثوم وغيرهم، جعلت من اللغة الفرنسية - تقريبا - لغة حياته اليومية، أو علي الأقل لغة المجتمع الطبقي الذي يعيش في رحابه: العائلة العلوية الخديوية الحاكمة ومن يلوذ بها من الأعيان وكبار الملاك، شوقي نفسه كان أحد أصحاب الأبعاديات والإقطاعيات الزراعية الممنوحة له من صاحب الدولة ليعيش من ريعها، لها نظار وكتبة ومفتشون ودائرة إدارية كاملة تفعل كل شيء وتورد إليه أثمان المحاصيل عبر وسائط تغنيه عن الكلام المباشر مع الفئات الشعبية. علاقة شوقي باللغة العربية كانت وجدانية مفعمة بالقدسية المستمدة من شرف القرآن الكريم لم تكن علاقة تفاعل حيوي منذ الطفولة بقدر ما كانت علاقة جمالية صرفة، تحتفظ دائما بمسافة بينه وبينها تتيح له رؤيتها من الخارج لانتقاء المفردات والاطمئنان لا فخامة الصورة وشكلها البارق اللامع عن أصالة هي علاقة جمالية ترعرعت خلال استكشافاته المبكرة لجماليات اللغة العربية، إن في القرآن الكريم أو في الشعر الجاهلي وما تلاه من عصور شعرية سيما والبارودي كان منذ قليل قد أحيا الكلاسيكية الشعرية العربية، فنبه شوقي وأبناء جيله إلي الهوية الشعرية العربية التي يمكن أن تكون تشخيصا للهوية القومية، موجز القول إن شوقي لم يكن يستخدم اللغة العربية لسانيا إلا فيما ندر ربما لأنه كان يأنف من ابتذالها في الكلام اليومي التافه وكان متخما بهديرها الصوتي في داخله معظم الوقت يقول سكرتيره في مذكراته إنه كان ينخرط في تأليف القصيدة أياما، يبنيها بيتا بعد بيت فيما هو شارد علي الدوام، ولهذا كان يعتريه الحياء فيتعثر في إلقاء شعره إن زاد عدد المنضمين علي ثلاثة من المقربين إليه ربما خوفا من اللكنة الأجنبية التي قد تعتدي علي فخامة المفردات وتحرم الحروف من التشبع بموسيقاها الذاتية، مما يقلل من هيبة الشعر ويفسد تذوقه فكان لابد من وجود راوية لديه إحساس قوي بفن الشعر وبفن الإلقاء، لينوب عنه في إلقاء شعره في المحافل العامة وحفلات المناسبات الخاصة وكان هذا الراوية هو الشاعر محمود أبوالوفا مؤلف قصيدة: عندما يأتي المساء، كان يؤدي هذه المهمة في حب وإجلال كبيرين لشوقي ولشعره، في المقابل صرح شرقي مرارا وتكرارا وعن ثقة وقناعة بأن محمود أبوالوفا أحد أكبر وأفحل شعراء ذلك الزمان، لكن المؤسف حقا - وهذا ما حكاه لي أبوالوفا شخصيا - هو أن شوقي لم يكن يفلح دائما في إخفاء حرجه وشعوره بالامتعاض من منظر رجل أعرج بعكازين متواضع الملبس ينوب عنه في إلقاء شعره وسط حفل حاشد بعلية القوم وإن كان مبهرًا للقوم في إلقائه الفخم الرصين!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل