المحتوى الرئيسى

تراجيديا "الأوَّل من أيَّار"!بقلم:جواد البشيتي

04/30 19:09

تراجيديا "الأوَّل من أيَّار"! جواد البشيتي الأوَّل من أيَّار، هو بالنسبة إليَّ شيء من الماضي، وإنْ ما زال فيه ظِلالٌ مِنْ معانٍ وقيم وآمال تحضُّ الغالبية العظمى من البشر على جعل "نسبة المستقبل" فيه تفوق كثيراً "نسبة الماضي". وأحسب أنَّ هذا الحضُّ، أو التحريض، يلقى مساندة متزايدة من "الحاضر" حيث نتائج "العولمة" تقرع ناقوس الخطر، فقد صَدَقت نبوءة ذلك الذي قال: "إمَّا أنْ تتخطَّى البشرية الرأسمالية وإمَّا أنْ تعود إلى الوحشية". ويكفي أنْ يتغيَّر العالم في طريقة تسمح للرأسمالية، التي تتركَّز شرورها في الولايات المتحدة، أي في الدولة الإمبريالية العظمى في العالم، بأنْ تتفلَّت من كل قيودها، وبأنْ تتفلَّت، من ثمَّ، على كل مَنْ يبدي مقاوَمة لها، حتى تُسْرِع البشرية في العودة إلى الوحشية، في أهداف وأساليب ووسائل الصراع والسيطرة والسيادة. الرأسمالية، في وجودها ودورها التاريخيين، لم تكن "شرَّاً خالصاً"؛ لأنَّ "الشرَّ الخالص" لا وجود له.. حتى إبليس نفسه، وعلى ما في وجوده وعمله ودوره من شرٍّ عظيم، كان له نفع وفائدة، فكَمْ مِنْ إنسانٍ حضَّته نتائج "الشرِّ الشيطاني" على مزيدٍ من الإيمان والتديُّن! لقد عرفت الرأسمالية كيف تصنع من آلام ومآسي الغالبية العظمى من البشر حضارة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في عظمتها. وهذه "الحضارة العظمى" أدعوها "الحضارة الموضوعية"؛ لأنَّ كل رأسمالي ما كان في مقدوره أنْ يعمل بما يتَّفِق مع مصلحته الشخصية والطبقية من دون أنْ يتمخَّض عن عمله شيء من النفع الحضاري العام. وهذا النظام ما زال، على الرغم من كل شروره، التي تعظُمُ، كمَّاً ونوعاً، كل يوم، يتحدَّى كل خصومه ومعارضيه على الإتيان بالأفضل منه، أي بنظام يذهب بالرأسمالية وشرورها؛ لكن من دون أنْ يقوِّض منجزاتها التاريخية في الاقتصاد والسياسة والثقافة.. فهذا "النظام الأفضل"، الذي ما زال حتى الآن كامناً في الحاجات التاريخية الأساسية للبشر، إنَّما هو النظام الذي، في قوَّته السلبية، يذهب بالرأسمالية وشروها، وفي قوَّته الإيجابية، يحافظ على منجزاتها التاريخية ويضيف إليها من المنجزات التاريخية ما يؤكِّد تفوُّقه وحيويته وديناميَّته. ولا ريب في أنَّ الرأسمالية قد استمدَّت مزيداً من "القوَّة التاريخية" مِنْ بؤس "النظام السوفياتي"، الذي حارب الرأسمالية في طريقة هيَّأت لها كل أسباب هذا "الانتصار التاريخي"، الذي عاد على البشرية بهذه الوحشية للقوَّة الإمبريالية العظمى في العالم. هذا البناء انهار كما انهار "سدُّ مأرب" بـ "قوَّة فأرٍ"؛ لكنَّ "المُثُل"، و"القيم"، والمبادئ"، و"الأحلام"، نَجَتْ؛ لأنَّ جذورها كانت، وظلَّت، ضاربةً في العمق من الحاجات الإنسانية، ولم تكن جزءاً مِنْ حجارته ومِنْ بُناته ومهندسيه وحرَّاسه. لقد شنُّوا حرباً صليبية لا هوادة فيها على "المبدأ الأوَّل" لـ "الأوَّل من أيَّار"، وهو مبدأ "الوحدة والانقسام" في معناهما الحضاري والإنساني والديمقراطي، فمصلحتهم جعلتهم في عداء شديد لكل شيء في الفكر أو الممارَسة يمكن أنْ يفضي إلى أنْ ينقسم البشر، على الصعيدين القومي والعالمي، انقساماً من النمط الطبقي، فيتَّحِد كل عمال العالم ضد كل رأسمالييه. وقد بثُّوا كل "انقسام غير حضاري" لمنع تطور واستفحال هذا "الانقسام الحضاري". وما أنْ نجحوا في ذلك حتى شرعوا يوحِّدون البشر ويُقسِّمونهم بما يتَّفق مع مصالحهم الفئوية الضيِّقة، فعلى المستوى العالمي اخترعوا عقيدة "صراع الحضارات"، الذي غرسوه في تربة "الصراع الديني". وفي العراق، استولدوا مِنْ هذه العقيدة عقيدة "الاحتلال الديمقراطي"، التي بها تعاوَن "المارينز" و"صندوق الاقتراع" على تذليل العقبات من طريق كل انقسام غير حضاري للمجتمع العراقي، فمِنْ تدميرهم لعقيدة "حرب طبقة ضد طبقة" ابتنوا عقيدة "حرب الكل ضد الكل". لقد لعنوا "الوحدة" و"الانقسام" اللذين حضَّ عليهما "الأوَّل من أيَّار" ليسبغوا علينا نعمة كل وحدة، وكل انقسام، تُقرِّهُ مصالحهم الفئوية الضيِّقة، فأقاموا لنا عالماً ليس فيه من "العصبية" إلاَّ ما يسمح بقيام "علاقة أُسَرِيَّة" بين الجلاَّد وضحيَّته، وببذر بذور الصراع والحروب بين الضحايا أنفسهم! عالمنا اليوم اختلف وتغيَّر بما يشحن "الصراع الطبقي"، أو "صراع العمل ضد رأس المال"، بأسباب البعث بعد موت، أو بعد ما يشبه الموت؛ وينبغي للعمال، ما دام الغلاء عالمياً مُعَوْلماً، تنتجه مصلحة طبقية هي مصلحة أرباب النظام الرأسمالي، الذي ما عاد في مقدوره أن يؤكِّد وجوده إلاَّ بارتكابه مزيداً من جرائم الغلاء في حق الجنس البشري، وما دامت ناره تتسبَّب بغليان اجتماعي ـ طبقي، وتَصْهَر كل ضحاياه، على اختلاف لونهم وجنسهم وعرقهم، في بوتقة واحدة، وتُنقِّي عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم من كثير من الشوائب، التي بعضها من "النوع العراقي"، أن يعيدوا الروح إلى شعارهم القتالي التاريخي "يا عمال العالم اتحدوا!". يجب أن يتحدوا؛ لأنَّ ضعفهم لن يغدو قوَّة إلاَّ باتحادهم؛ ولأنَّ وحشية رأس المال قد ارتفع منسوبها الآن بما يتهدَّد حتى آدميتهم، فإذا هم قصَّروا عن الاتحاد فليس من ملوم على تحولهم إلى أقنان جُدد إلاَّ هم، فنَظْم مزيد من القصائد في "الأخوَّة الإنسانية"، وإلقاء مزيد من المواعظ الأخلاقية، لا يقودان إلاَّ إلى ما تقود إليه كل طريق مبلَّطة بالنيَّات الحسنة الطيبة. واتحادهم الذي طالما ذمُّوه ولعنوه وأطلقوا عليه الرصاص بالبنادق والأقلام والألسن، بدعوى أنَّه يمزِّق وحدة النسيج الاجتماعي (الوهمي) ويبذر بذور الفرقة والانقسام ويزج المجتمع في "صراع طبقة ضد طبقة"، قد اثبت، في حضوره، وفي غيابه على وجه الخصوص، أنَّ فيه من القيم الحضارية والإنسانية والأخلاقية ما يمكن، ويجب، أن يجعل الدعوة إليه دعوةً إلى خير عميم، فماذا يبقى من تلك القيم إذا ما اقتتل فقراء العالم دينياً وطائفياً ومذهبياً وقومياً وعرقياً وعشائرياً، وإذا ما تحوَّلوا، أو حُوِّلوا، إلى وقود لحروب ذوي المصالح الفئوي الضيقة؟! نقول بذلك، وندعو إليه؛ لأنَّ مشعلي نار الغلاء العالمي في بطون الفقراء، والذين لا شيء يفزعهم أكثر من إحياء صراع "طبقة ضد طبقة"، الذي هو في حقيقته صراع تخوضه الغالبية العظمى من الناس ضد فئة ضئيلة من مصاصي الدماء وآكلي لحوم البشر، ما انفكوا يستخدمون سلاحهم الأمضى وهو إثارة وإذكاء ونشر كل نعرة أو عصبية مقيتة؛ لأنَّها النار التي تُفكِّك كل مُركَّب تنتجه نار الغلاء. الصراع هو الحقيقة الكبرى التي لا يمكن اغتيالها بالوهم مهما قوي وانتشر؛ وإذا كان لا بد من المفاضلة فَلْنُفضِّل ما يكرهون على ما يحبُّون من الصراع. إنَّهم يفضِّلون كل صراع يماثِل أو يشبه "الصراع العراقي"، الذي فيه تتوحَّش الميول والدوافع والأهداف والوسائل، ويستسهل الفقراء ذبح وسفك دماء بعضهم بعضاً خدمةً للص النفطي الإمبريالي العالمي، ولحرَّاس الظلام والنعوش والقبور، ولكل من له مصلحة في كل صراع رميم، وفي جعل الناس ينتظرون الذي لن يأتي أبداً. وعلى الضحايا أن يفضِّلوا كل صراعٍ يُصْعِدهم من وادي الدموع الذي يريدون لهم أن يعيشوا فيه إلى الأبد، إلى قمم الجبال، فهنا فحسب يتسع مدى الرؤية، ويُرى الأفق على اتساعه، ويصبح ممكناً أن يُتَرْجَم شعار "يا عمال العالم اتحدوا!" بمجتمع، أو عالم، يعلوه مبدأ "الفرد من أجل الكل والكل من أجل الفرد"! "يا عمال العالم اتحدوا!" .. كان شعاراً يسحر العقول والأفئدة.. كان هو القول، وكان هو الفعل، في آن. كلهم خرجوا من جحورهم, ليلعنوا هذا الشعار الرجيم, الذي يبذر بذور الفرقة الطبقية, ويزرع رايات الحرب الأهلية, ويقسِّم العالم, على رحبه, إلى معسكرين اثنين لا ثالث لهما, ويجافي الطبيعة الاجتماعية والإنسانية السرمدية التي يمثِّل الانقسام الطبقي (في كل تجلياته ومظاهره) جزءاً لا يتجرأ منها. الأوَّل من أيَّار سيظلُّ ذكرى لـ "معانٍ ماتت" حتى تبعثها "الضرورة التاريخية" بعد موتها!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل