المحتوى الرئيسى
alaan TV

يحيى السماوي .. وقنديله الشعري

04/30 17:39

حاوره : علي مولود الطالبي بزوغ شمسه كان له مذاق خاص ، ودموع حبره تروي لنا حروف شعر يقول في لجته ان الكلماته لها وقع جرس في نفوس من يلثمها ، نبت اغصانه في العراق ، وطوى الحال اشجاره الى ارض الغربة ، ليكتوي ببعدها ، تاركا وصية تنص على سكنه العراق حتى لو في العالم الاخر ... انه الشاعر والصحفي والحالم ان يكون بستانيا يحيى السماوي يحل ضيفا بين اروقة جريدتنا ... _ اجمل الشعر اصدقه . _ أنا مع الشعر ـ بكل أشكاله ـ فالشفة الواحدة لا تصنع فما . _ أجد شعري في طور التكوين ، إذ مازلت أحبو . _ أنا أعمى ، والنقاد هم قنديلي . _ جحيم العراق أحبّ إلى قلبي من جنة الغربة ياسيدي . _ أن أمريكا لاعهد لها ولا شرف لأية سياسية كولونيالية . _ السياسة : لقد فقدت الكثير من ثوابتها الأخلاقية والوطنية والإنسانية . * لو طلب العراق منك أن تعرّف له سيرة الجسد والروح .. فبماذا ستبوح له ؟ ج : سأبوح له بحقيقة أن أمي قد تعِبَ رحِمُها من حمل جسدي فرمتْ به ـ بعد أن نفخت فيه من روحها ـ إلى رحِم العراق يوم 16/3/1949 م ... كنت مشدودا إلى رحمها بحبل مشيمة ، أما الان فأنا مشدود إلى رحم العراق بحبل من نبض قلبي ، لذا لم يغادرني حتى وأنا في آخر شبر من اليابسة ، وأظنه لن يغادرني حتى لو جفت آخر قطرة نبض في دورق قلبي مادمتُ قد كتبت وصيتي بأن يدثّرني الأهل بلحاف من تراب مقبرة وادي السلام حين أغفو إغفاءتي الأخيرة .. * إذن من هذه التركيبة المعجونة من حبر وتراب وروح .. متى هطلت أول أمطار حروفها على الورق ؟ ومن نقّبها ؟ ج2: كانت زخة مفاجئة حدثت دون موعد مسبق وأنا في الصف الثاني المتوسط ، حين طلب منا مدرس اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر كتابة موضوع في درس الإنشاء والتعبير حول بيت النابغة الذبياني : لا مرحبا ً بغد ٍ ولا أهلا ً به إنْ كان تفريقُ الأحبة في غد ِ فوجدت نفسي أمضي الليل مع أكثر من ورقة بيضاء محاولا نسج بضعة أبيات على نسق بيت النابغة الذبياني ، حتى إذا غفت آخر نجمة وبدأت الشمس تفرك أجفانها ، كنت قد كتبت ثمانية أو تسعة أبيات .. حين قرأتها في الصف صفق لي المدرس وأعطاني درجة كاملة ، ولم يكتف ِ بذلك فطلب مني قراءتها خلال الإستراحة في غرفة المدرسين ، ومن ثم أهداني في اليوم التالي كتاب النظرات للمنفلوطي وديوان معروف الرصافي على ما أتذكر ، حتى إذا مرت بضعة أيام وجدت أبياتي ـ رغم سذاجتها ـ تتصدر النشرة الجدارية التي يشرف على تحريرها طلاب الصف الخامس ، لكن المفارقة أن هذه القصيدة تسببت في تعرضي للصفع من خالي " رسول " رحمه الله لاعتقاده أنني كتبتها تغزلا بإحدى بنات جيراننا .. كانت الأبيات ساذجة أتحدث فيها عن جمر الشوق وعن طعم القبلة الأولى وعن نهدين متوثبين مثل صقرين يكادان يمزقان القميص ليحلقا نحو شجرة يديّ .. * إذا عرفت لنا الانتماء .. فإلى أي محيط ينتمي يحيى السماوي شعرا ، وذاتا ؟ ج : شعريا أنتمي إلى يحيى السماوي المؤمن بـأنّ " أجمل الشعر أصدقه " ... وذاتيا أنتمي إلى الإنسان ـ ولسبب جوهري ، هو إنني اكتسبت صفتي ـ كإنسان ـ من خلال وجودي بين الناس ... فالناس هم الذين أكسبوني هذه الصفة ، لذا أرى أن وظيفة الشعر عندي هي المساهمة في إضافة ولو زهرة واحدة جديدة إلى الحديقة الإنسانية ، أو المساهمة في اجتثاث ولو شوكة واحدة من هذه الحديقة إكراما للإنسان . أما إذا كنت تقصد الإنتماء بمعناه الحزبي ، فأنا الان غير منتم ٍ حزبيا ، وأما عن ماضيي فقد كنت منتميا للحزب الشيوعي العراقي . * الوطن والغربة .. وتدان تقف عليهما كثير من قصائدك ، من الأهم بالنسبة لك ؟ وما سر هذا الاهتمام ؟ ج : لسيد البلغاء وإمام المتقين " علي بن أبي طالب " عليه السلام قول خالد نصه : ( الفقر في الوطن غربة ، والغنى في الغربة وطن ) .. لكنني أرى أن الأمان في الغربة هو الغنى ، وأن القهر في الوطن هو الغربة ، فأنا لم أهرب من العراق بحثا عن رغيف عافية أو خيمة أكثر ظلالا ... لقد هربت خوفا من حبل مشنقة كنت على مبعدة أشبار منه في ظل النظام السابق ... وأمّا تأخري في طيّ خيمة غربتي بشكل نهائي بعد زوال نظام المقابر الجماعية ، فسببه دراسة بناتي وولدي ـ لكننا نسافر للعراق بين وقت وآخر ... وثمة سبب آخر حال دون عودتي بشكل نهائي ، هو خيانة صديق نذل كنت قد استودعته بستانا صغيرا وبيتا ومكتبتي الضخمة ففوجئت به قد خان الأمانة وخان شرفه وشرف الصداقة حيث باع ملكي حين تأكد له أن عودتي للعراق تعني تأرجحي من حبل مشنقة ـ ولم يكن يتوقع أن نظام صدام حسين سيزول ... كانت خيانته طعنة كبيرة لي ولأسرتي حين عدنا للعراق ، فلم نجد بيتنا الموعود ـ بل ولا حتى كتابا واحدا من بين آلاف الكتب التي تضمها مكتبتي الخاصة ، وكان من بين موجودات مكتبتي مخطوطة ديوان لي ، اتضح أن ابنه قد سرقها وراح يقرأ قصائدي على أنها من شعره بينما هو لا يعرف الفرق بين الشعر والشعير ولا بين ميزان الفراهيدي وميزان باعة الخضروات ! تسألني أيهما الأهمّ الغربة أم العراق ؟ جوابي : جحيم العراق أحبّ إلى قلبي من جنة الغربة ياسيدي ... * المتتبع لإصداراتك ، يرى أن ثمة وقفة حصلت بين عامي 1971 في ديوان (زمن السبي والبكاء) ، وديوان (قلبي على وطني) الصادر في عام 1992 ، ما سبب هذا التوقف ، خاصة ونحن نعي أنها ذروة عمرك ؟ ج: الحقيقة أن التوقف عن النشر بدأ مع بداية هجمة ذئاب النظام الديكتاتوري السابق على ظباء وغزلان القوى الوطنية والتقدمية .. كنت أنشر قصائدي في صحيفتي " طريق الشعب والفكر الجديد " لكنني توقفت عن النشر بعد إغلاقهما ، أمّا كتابتي للشعر فلم تتوقف ، وكنت أقرأ بعضه في جلسات خاصة بين أصدقاء حميمين بعيدا عن كتبة التقارير السرية ، حتى هربت من العراق بعد فشل الإنتفاضة الجماهيرية فبدأت النشر بشكل كثيف . * نرى سِفرك الأدبي يحوي في طياته الشعر والنثر ، أين أنت من قصيدة النثر ؟ وماذا ترى فيها ؟ ج : ثوابت القصيدة لا تعني الوزن والقافية ... لو كانت القافية والوزن هما معيار القصيدة لاعتبر النقاد والدارسون " ألفية ابن مالك " شعرا ... ثمة نثر فني يتضمن رؤى ومخيالا وانزياحات وصورا شعرية لا تتوافر في عشرات ومئات القصائد الفراهيدية .. أمّا أين أقف منهما ، فإنني أقف موقف التبجيل من كل نص تتوافر فيه مستلزمات الإبداع ويملأ قارورة ذائقتي الأدبية بعطر الدهشة بمعزل عن الشكل ... قد لا أكون مبالغا لو قلت إنني أقرأ نثرا أكثر مما أقرأ شعرا فراهيديا ، وكانت قصائد محمد الماغوط أحبّ إلى ذائقتي من قصائد شعراء معروفين يتصدرون واجهة المشهد الشعري العربي ... المشكلة ياصديقي ليس في قصيدة النثر ، إنما في الطارئين عليها ، والأمر نفسه مع قصيدة التفعيلة أو القصيدة البيتية . أنا مع الشعر ـ بكل أشكاله ـ فالشفة الواحدة لا تصنع فما ... واللون الواحد لا يصنع قوس القزح ... ولا ثمة نهر بضفة واحدة ... نهر الأدب يتكون من ضفتين اثنتين هما : الشعر والنثر . .. لذا أنا معهما دون انحياز مسبق . * نظّر قسم من النقاد على أن القصيدة النثرية هي تهرب واضح من الوزن الشعري ، وان الموسيقى الداخلية هي مخترعات لمن يتفنن في صناعة الرمز ، ماذا تقول في ذلك ؟ ج : للنقاد بعض الحق وليس كله في نظرتهم تلك ... لهم بعض الحق لأن الكثيرين ممن يكتبون النثر الشعري هم غير مؤهلين لكتابته ولا يعرفون شروط قصيدة النثر ـ الصواب النثر الشعري ـ .. وأهم هذه الشروط تكثيف اللغة أو ما تسميه " سوزان برنار " في كتابها المهم ( قصيدة النثر من شارل بودلير وحتى الان ) بـ " الإيجاز " .. و" المجانية " ـ أي اللازمنية ـ المفضية إلى انفتاح النص على تعدد الدلالات .. و " الإشراق " أو " التوهج " و " الوحدة العضوية " و" الصدمة الشعرية " أي الإدهاش الذي يتركه النص لدى القارئ .. أن أكثر ما نقرأه هو خواطر وليس قصائد نثرية ... لكن ذلك لا يعني عدم وجود نصوص تتوافر فيها شروط ومشتلزمات قصيدة النثر ... وثمة آخرون نجحوا في إضافة دم جديد إلى جسد قصيدة النثر ، وأرى أن على النقدة دراسة نتاجاتهم وإلقاء الضوء على منجزهم الإبداعي .. صحيح أن الكثيرين ممن توهموا خواطرهم الإنشائية شعرا ، قد استسهلوا كتابة النثر الفني أو الشعري هربا من شروط القصيدة الفراهيدية لكون زوارقهم أضعف من أن تمتلك القدرة على ترويض ومواجهة أمواج البحور الفراهيدية ، لكن الصحيح أيضا أن كثيرين دخلوا رحاب قصيدة النثر بعدما أثبتوا جدارتهم في القصيدة الفراهيدية ، والأمثلة كثيرة .. وأيا كان رأي بعضنا فإن قصيدة النثر تعتبر إضافة جديدة للأدب العربي ولها حضورها المهم ومنجزها الإبداعي . * لكل نهر أمواج متلاطمة .. أين تجد أوج شعرك ؟ وماذا ينتابك بعد ولادة قصيدتك ؟ ج : أصدقك القول ، إنني أجد شعري في طور التكوين ، إذ مازلت أحبو ... فما أنا غير كلمة تحاول أن تكون جملة مفيدة في كتاب الشعر العربي ... أما ماذا ينتابني بعد ولادة القصيدة فهو الشعور بزوال ثقل صخرة سيزيف عن ظهري ، أو نجاحي في إخراج خنجر من صدري . * أسميت ألجواهري نهر العراق الثالث .. ما الذي استفدت منه ؟ وكيف أضفيت تلك الصحبة في ولوجك الشعري ؟ ج : أنقل لك حادثة : حين أضاء الجواهري العظيم ـ وبصحبته كريمته د . خيال وزوجها الفنان المناضل صباح المندلاوي ونجله د . كفاح ـ قبّلت يده ، فما كان من ولدي " عليّ " وكان وقتذاك ابن بضع سنين إلآ أن يُقبّل يده .. ثمة قول في روسيا مفاده أن جميع الروائيين الروس خرجوا من تحت معطف " غوغول " ... أنا أعتقد أن أكثر شعراء العراق خرجوا من تحت طاقية الجواهري ... نعم كان لي شرف إطلاق لقب " نهر العراق الثالث " على سيدي الجواهري في كلمتي التي ألقيتها خلال حفل تكريمه في منتدى " الإثنينية " بجدة يوم 3/4/1995 ( وقد نشرت كلمتي في اليوم التالي في ملحق الأربعاء / صحيفة المدينة وفي صحف أخرى ، وقد أبدى الجواهري سروره بهذا اللقب .. أما استفادتي منه فأظنها لا تقل عن استفادتي من المتنبي العظيم .. كلاهما أسهم في اخضرار واحتي الشعرية المتواضعة . * من ذا استفهمك .. من هو جواهري العصر في رأيك ؟ ج : لو تفحصنا التاريخ الأدبي للأمم والشعوب لوجدنا أن بعض المبدعين يترك رحيلهم فراغا يستحيل أن يشغله آخر ... فشيكسبير مثلا لم تنجب عصور الأدب الإنكليزي شبيها له أو نظيرا لعبقريته ... كذلك الأمر بالنسبة لشاعر الهند العظيم " رابندرانات طاغور " أو شاعر العربية الأول المتنبي العظيم ... الأمر نفسه بالنسبة للجواهري العظيم : لا أظن أحدا يمكن أن يكون جواهري العصر ... سيبقى مكانه شاغرا لأنه من المبدعين الذين لا يسمح الزمن بتكرار ولادتهم ـ وإذا ما سمح بمثل هذه الولادة فإن الوليد ستكون له ملامحه الشعرية الخاصة به ... تقول الحكمة الفلسفية " النهر لا يُنزل مرتين " وهذه الحكمة تنطبق على الجواهري ومثلائه . * ينابيعك تطرز مياهها بالكثير من الصحبة الكثيفة من وارف الأدباء .. أين أنت من المبدعين ؟ ومن هو المبدع في منظورك الشخصي ؟ وقفاتك مع الشباب الأدبي بماذا تتمثل ؟ ج : لقد ساعدتني أعوام الغربة الطويلة وكثرة أسفاري وحضوري الكثير من المهرجانات والفعاليات الأدبية على عقد صداقة حميمة مع نخبة كبيرة من الأدباء العرب والأجانب ... أما أين أنا منهم فالصدق أقول إنني أعرف تماما أين هم مني ... فهم مني بمثابة العطر من الوردة والهدب من الأجفان مهما كانت المسافات التي تفصل بين أحداقي ووجوههم ... وأما أين أنا منهم فأظن أنهم يبادلونني نفس الشعور ، بدليل تواصلهم معي عبر الرسائل حينا وعبر المهاتفات حينا آخر ـ وأحيانا عبر اتفاقنا على لقاءات في هذه العاصمة أو ذلك المغترب . المبدع في منظوري الشخصي هو كل مَنْ ينجح بإضافة ولو عشبة واحدة لحقل الأدب الإنساني ... وهو كل مَنْ يُسهم في إضاءة فسحة معتمة أيا ً كانت مساحتها .. وهو كل مَنْ ينجح منديل أبجديته في تجفيف دمعة مضطهد أو غرس زهرة ابتسامة في حديقة وجه حزين . *من ذا هل لك أن تسطر لنا أسماء ترى فيها أنها تجري باتجاه المستقبل الزاهر ؟ ج : لا أستطيع تحديد أسماء بذاتها ، لكنني أستطيع تحديد اسم شعب كامل ... فالشعب العراقي مؤهل لأن يتجه نحو المستقبل الزاهر في حال تخلصه من الإحتلال الأمريكي الغاشم والظلاميين والعنت الطائفي ونظام المحاصصة المقيت وتخلصه من اللصوص الجدد الذين أقاموا امبراطورياتهم المالية والعقارية في غفلة من الشرف على حساب شعب تتضور الملايين من أبنائه جوعا . * كتب عنك الدكتور علي جواد الطاهر وغيره من النقاد ، وتزخر قواميسك بشهادات لا حصر لها ، هل أنصفك النقاد ؟ ومن هو الناقد الحقيقي بالنسبة لك ؟ ج : أقول صادقا : أنا أعمى ، والنقاد هم قنديلي ... هم الذين أناروا بصري الشعري ببصيرتهم النقدية ... نعم لقد أنصفوني بنصحهم وساعدوني على التخلص من الأوراق الصفراء في شجرة تجربتي الشعرية المتواضعة . ... أما مَنْ هو الناقد الحقيقي ، فهو الناقد الذي لا يُحابي على حساب قناعته ، وهو الذي يسبر أغوار النص وليس تفسيره . * ما هو عملك الآن ؟ وما هي اقرب المهن إلى ذاتك ؟ وماذا تطمح أن تعمل ؟ ج: عملي الان هو صياد غير ماهر في براري الأبجدية ... أنصب فخاخي أملا باصطياد غزالة صورة شعرية جديدة أو ظبية معنىً جديد ... كنت صحافيا وإعلاميا ( وقبلهما مدرسا للغة العربية ) وتقاعدت ـ والغريب في الأمر أن أستراليا هي التي منحتني التقاعد وليس الوطن الذي ناضلت من أجله واستعذبت من أجله أقسى العذاب ! أطمح فعلا أن أعمل بستانيا ، وكدت أحقق هذا الحلم حين اشتريت بستانا صغيرا على ضفة الفرات في مدينة السماوة سجّلته باسم شخص ظننته نبيلا فخانني رغم أنني تبرعت له بنصف البستان وببناء بيت على حسابي . * من منظورك الخاص ماذا ترى في اعلام اليوم ، وانت لك علاققات مع رجال اعلام مهمين ؟ ج : الإعلام لغة ً هو التبليغ والإبلاغ أي الإيصال ... فقولي لك مثلا : بلغت ولدي سلامك يعني أنني أعلمته بما طلبت مني إيصاله ، وفي الحديث الشرف : "بلغوا عني ولو آية"، أي أوصلوها غيركم وأعلموا الآخرين، وأيضا: "فليبلغ الشاهد الغائب" أي فليُعلم الحاضرُ الغائبَ ، ويقال: أمر الله بلغ أي بالغ، وذلك من قوله تعالى: (إن الله بالغ أمره) أي نافذ يبلغ أين أريد به .. ونستنتج مما تقدم أن الإعلام معنيّ بإيصال الحقائق والمعلومات والأخبار إلى الآخرين ليكون بمستطاعهم تكوين رأي صائب حيال الأحداث أو حيال مشكلاتهم . يعرف الإعلامي والمفكر الألماني " أوتوجروت " الإعلام بأنه : (التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها واتجاهاتها في الوقت نفسه ) ما يعني أن هدف الإعلام هو خدمة الجماهير وليس خدمة الأنظمة أو الأشخاص على غرار ماكان في ظل نظام صدام حسين حيث تحوّل الإعلام من سلطة رابعة أو عين للجماهير ، إلى مطبخ وظيفته إعداد " وجبات سريعة من علف الألقاب للديكتاتور " أو تشويه الحقائق والأحداث .. أما وقد انتهى النظام الديكتاتوري غير مأسوف عليه ، فإن المرحلة تتطلب أن يٌعاد الإعتبار للإعلام ليغدو سلطة رابعة حقا ، ووضع حدّ للإنتهاكات التي يتعرض لها الإعلاميون من قبل هذا المسؤول أو تلك الجهة الحزبية النافذة وهو ما نأمله جميعا . * عرفنا عنك الكثير ، لكن لم نتعرف على العائلة ، وعلى الرؤيا التواقة إلى الأبناء ؟ ج : أزعم أن لي عائلة جميلة .. لي ثلاث بنات ، كبراهن " الشيماء " حازت الأسبوع الماضي شهادة الماجستير في هندسة النفط ـ وكانت حازت قبلها البكالوريوس في هندسة الحاسوب والبكالوريوس في المحاسبة وإدارة الأعمال .. و " نجد " تدرس سنة أولى العلوم الطبية ... و " علي " يدرس الهندسة المعمارية سنة ثالثة ... و" سارة " في الصف السادس الإبتدائي .. كلٌ منهم ولِد في وطن ... أما " وجدان " فهي صديقتي ورفيقتي وعشيقتي وزوجتي في آن ... كانت أحدى طالباتي ( قبل أن أقشمرها فترضى بي زوجا ومن ثم ستفصل من مهنتها في التعليم بسببي ... أزعم أنني لولاها ماكنت سأتحمل جمر الغربة ... لها صبر صحراء السماوة على العطش ، وتقوى ناسكة متهجدة ، وإخلاص المروءة لمكارم الأخلاق ) .. * تفوح من شفاهك كلمات حول العولمة ، كيف تعبر لنا عن القرية الكونية التي نعيش اليوم تحت ظلها ؟ ج : حتى زمن قريب ، كان العالم يوصف بكونه قرية كونية ، أما الان فبات أصغر من أصغر قرية عراقية ... لقد أضحى شاشة حاسوب ... لكن المؤسف أن شاشة الحاسوب هذه يتلاعب بها وحش جشع هو " البيت الأسود " في واشنطن ... وحش يريد فرض وصايته على العالم عبر نظام " أسبرطي " جديد أكثر بشاعة من نظام " أسبرطة " القديمة .. * لغة السلاح لا يحبها حتى المجانين ، ولكن كيف من الممكن إلغاء المجريات التي حدثت بعد الاحتلال الأميركي للعراق ؟ وما هو الخيار الأمثل لإخراج العراق من طامته ؟ ج : يقول الروائي الشهير " آرثر كيستلر " : ( التاريخ سيكتب عنكم أيها النبلاء ، ولكن كيف للتاريخ أن يكتب عما يحدث في الأقبية السرية والدهاليز ) ؟ أمريكا ليست " جمعية خيرية " هدفها مساعدة الشعوب والمساهمة في تخفيف معاناتها ... كانت أمريكا ـ وستبقى ـ الوجه الأكثر بشاعة للكولونيالية الجديدة ... لقد دخلت العراق تحقيقا لهدف استراتيجي غير معلن ، هو أن تتخذه موطئ قدم لانطلاق مشروعها في إقامة شرق أوسط جديد ورسم خارطة " سايكس بيكو " جديدة ... ومن حسن حظ المنطقة الإقليمية ـ وسوء حظ شعبنا ـ أنها اعتقدت أن العراق هو الخاصرة الرخوة فدخلته بجيوشها وبكل ترسانتها التدميرية البشعة ... لقد جعلت من العراق مختبرا لتجارب آخر مبتكرات مصانعها من أسلحة الدمار ، فإذا بها تكتشف أن الشعب لم يقابلها بنثر الزهور كما صوّره لها بعض أصحاب الحوانيت السياسية ... لا اعتقد أن الشعب العراقي يبغض كلمة أكثر من بغضه لكلمة الإحتلال حتى لو كان تحت واجهة من الشعارات المجانية البراقة .. لذا فإن الكفاح المسلح سيكون له القول الفصل في حال نكثت بعهدها في وضع نهاية كاملة وحقيقية لإحتلالها الغاشم ... يقول المثل العربي الشائع : " سيأتيك القوس بلا ثمن " وعلينا أن ننتظر الغد القريب لنتبين الخيط الأبيض من الأسود ، رغم قناعتي أن أمريكا لاعهد لها ولا شرف لأية سياسية كولونيالية . * بسطر واحد ماذا تمثل لك كل من :- - السعودية هي السنوات الست التي غفوت فيها مطمئنا دون الخوف من " زوار نصف الليل " ... وهي إذاعة صوت الشعب العراقي التي كتبت لها وأعددت عشرات البرامج السياسية ... وهي الصحافة التي نشرت فيها أكثر من 500 مقال عن جرائم نظام صدام وعن مقابره الجماعية ( وثائق حصلت عليها في مقار أمن ومخابرات واستخبارات وحزب النظام الديكتاتوري خلال الإنتفاضة الجماهيرية ... ) - استراليا ج : هي الوطن المستعار الذي حصلت فيه على حقوق ما كنت أحلم بها في وطني الأم الذي شقيت من أجله وأرخصت من أجله حياتي . - السماوة ج : هي جنتي وجحيمي ... وهي السرير الذي أرجو الله تعالى أن يجعل إغفاءتي الأخيرة عليه . * أفلاطون طمح بالمدينة الفاضلة .. لكن أية مدينة يمكن أن يكون العراق فيها فاضلا ، وكيف ؟ ج : سيكون العراق المدينة الفاضلة حين يملك كل طفل دميته وأرجوحته الملونة .. وحين يكون رغيف فقرائه أكبر من الصحن ، والصحن على سعة المائدة ، وحين يصدق على المسؤولين فيه القول : " الرجل المناسب في المكان المناسب " ... وحين يخرج العشاق للنزهة دون الخشية من ساطور ظلاميّ أو فتوى تاجر دين ... وحين يكون خيمة محبة للجميع لا فرق فيه بين عمامة وعقال ولا بين دشداشة وربطة عنق ... وحين يكون القانون أعلى من الجميع . * شعرا ماذا تقول لكل من :- - العراق : ج: أقول لسيدي ومولاي العراق : لا ناقة ٌ ليْ في العراق .. وإنما ليْ فيه قـبـرُ أبي ولحدُ صغيري لكنّ بيْ بعضَ الجنون ِ فـسعـفهُ كفني وطـيـنُ فـراته كافـوري قصّرتُ فيك فما منحتك سيدي إلآ شبابي فاعذرَن ْ تقصيري - الأم : أقول لها : لو أنَّ مَنْ شيّعتُ يُفدى أبدلتُ بالدارين ِ لحدا أو أنّ شق َّ الثوب ِ يُجدي قد شققتُ عليك ِ جلدا وأذبْتُ شحمَ المقلتين ِ تفجُّعا ً ولطمتُ خدّا •- الغربة : ج : أقول : أسألت ِ كيف الحالُ ياهندُ ؟ يَسُرَ السؤالُ وأعْسَـرَ الردُّ حالي بدار الغربتين ِ خطىً مشلولة ٌ فاسْـتفحلَ البعـدُ قلبي إذا أمسى على فرح ٍ فعلى رماد ِ فجيعة ٍ يغدو عطشُ المنافي شـلَّ أوردتي أمْطِرْ .. كفاك البرقُ يا رعـدُ - الاحتلال : ج : أقول : لا تسأليه ِ الصبرَ لو جزعا مما رأى ـ بغدادُ ـ أو سمعا ألفى الأحبة َ بعـد عودتِه ِ رمما ً ورِفقة َ أمسِه ِ شِيَعا عاش المواجعَ منذ فارقهم وازدادَ بعد لقائهم وجَعا شبع الردى والقهرُ من دمهم و" محرري " المزعومُ ما شبعا أسفي على بغداد كيف غدتْ سوقا ً وأنجمُ مجدِها سُلعا ! •- الحنين : •- أقول : أنا ذلك البدويُّ : تحت عباءتي واحاتُ أشواق ٍ ونهرُ حنين ِ لو كان ليْ أمرُ المُطاع ِ على المنى أو كانت الأمالُ مُلك َ يميني: أبدلتُ بالأضلاع ِ سعفَ نُخيلة ٍ وبعشب ِ أحداقي حُثالة َ طين ِ - الأب : أقول له : أنا سادنُ الوجع ِ الجليل ِ .. خبرتُهُ طفلا ً .. وها قاربتُ يومَ ذهابي الدارُ بالأحباب ِ .. ما أفياؤها إنْ أقفرتْ داري من الأحباب ِ ؟ * متى تبكي ؟ متى تشعر بعدم قدرتك على الكتابة ؟ متى تعود إلى وطنك ؟ متى تذوق طعم العشق ؟ متى تفرح وترقص لذلك الفرح ؟ ج : ها أنت قد دخلت المنطقة المحرمة ياصديقي الشاعر ـ أقصد : ها أنت تطرح السؤال الصعب الذي أتحاشاه خشية أن أفضح تجلدي ووقاري المستعار ... ومع ذلك أجيبك بالصدق كله : أنا رجلٌ بكّاء يا صديقي ، فتحت عباءة كهولتي يوجد طفل لا يملك القدرة على إخفاء دموعه حين يحزن أو حين تفاجئه دُمية فرح أكبر من يديه ... صحيح أنني كنت أبدو مثل بغل جبليّ أو حصان عنيد حين كان " أشاوس " أمن النظام السابق يتدربون على الملاكمة والصفع والرفس بجسدي ، لكن الصحيح أيضا أنني أعوي مثل جرو صغير ضائع في غابة حين أرى مظلوما لا قدرة لي على نصرته ، أو حين أرى أو أقرأ ماتحصده أحزمة الظلاميين وسياراتهم المفخخة من أرواح بريئة ... أقسم أنني أجهشت إجهاشة أم ثكلى حين شاهدت وسمعت ما تحدثت به إحدى الناجيات من مجزرة كنيسة سيدة النساء ... بل يحدث أحيانا أن أبكي من الفرح على غرار ما حدث لي حين ألقي القبض على الديكتاتور صدام حسين وبقية جلادي وسفاحي نظامه .. أنا لم أرحل عن وطني كي أعود إليه ... كيف يرحل عنه القائل : ثلثا دمي ماء الفرات ِ وثلثه طينٌ بدمع الكادحين مَذوبُ نعم ياسيدي ، جسدي بعيد عنه ، أما روحي فمتماهية به تماهيها مع ديني الحنيف ... لكنني على وشك أن أجمع غصوني بجذورها ... فأنا الان أبدو مثل نخلة تفرع في صحراء : جذرها في مكان ، وظلها في مكان آخر ... أما متى أذوق طعم العشق ، فقد ذقته بعشقي لحبيبة من ماء وتراب وضوء ، ولوطن من لحم ودم .. وأما عن رقصة الفرح فما زالت مؤجلة ، وسأرقصها بجنون حين تتحقق أمنيتي الكبيرة ، والتي اختصرتها بقولي : أتمنى أنْ أحضرَ آخرَ مشهد ِ قتل ٍ يغدو فيه الفقرُ قتيلْ حيث يكون العشقُ مياها ً والضحكة ُ قنديلْ مَنْ يُنقِذني مني ؟ كلّ مساء ٍ حين عصافيرُ النوم ِ تهدهدني : يستفحلُ بيْ خوفي ويحاصرني ذئبُ الشكّ ِ فيأرق جفني .. مَنْ ينقذني مني ؟ فأنا أتمنى أن أغفو يوماً ثمّ أفيقُ لأبصرَ أنّ الرشاشات ِ أوان ٍ للأزهارْ أو شيئا ً أثريا ً للتذكارْ * إذا ارتجلت في حضرتك قائلا : وحــفــرت فــي جــســدي لأجــلــك يــا عــراق .. قــصــيــدةً وشــمــّتــهــا بــحــروف حـبٍ .. ســال نــهــر الــشــعــر مـن كــل الــثــنــايــا نـافــورة الــســلــطــان .. يــا مــلــك الــزمــان وعــراق هــذي الأرض .. ســـيــد هــذه الــدنــيــا وعــطــر الــبــيــلــســان يــا أيــهــا الــوطــن الــمــســافــر بــيـن أحــداقـي .. وصــمــت الـعــنــفــوان أبــقــى احــبــكَ أنـــتَ ســــــــيــــــــــد ذا الـــــزمـان فبماذا ستجيبني ؟ أجيبك : الوطنُ استراحَ مني وأنا اسْـترحتُ لأنني منذ تركتُ رافديه ِ : متُّ ! * لو طُلب منك أن تكتب دستورا للعراق فماذا ستشرع ؟ ج : أولو الأمر لن يكونوا مجانين كي يسمحوا لي بكتابة دستور للعراق ... لأنني لن أكتب غير فقرة واحدة نصها : ( لمّا كانت أكثر أعمدة الكهرباء في وطني عاطلة عن العمل ، فيجب إضاءتها لا بالمصابيح ـ إنما : بحبال الشنق التي يتدلى منها اللصوص الجدد والطائفيون والإرهابيون ) * الطائفية ، المحاصصة ، الفساد الإداري ، السياسة ، النظام السابق ، مصطلحات ترددها في كثير من حواراتك ، كيف تبرر ذلك ؟ ، و إلى ماذا تطمح في عراق اليوم ؟ ج : الطائفية : أخطر الأمراض وأكثرها تهديدا للكيان المتحد " المجتمع " وهي المستنقع الذي يجب ردمه قبل استفحال جراثيمه ... الحكمة تقضي بردم المستنقع وليس بتوفير الأمصال واللقاحات . الفساد الإداري : شكل آخر من أشكال الإرهاب . السياسة : لقد فقدت الكثير من ثوابتها الأخلاقية والوطنية والإنسانية ( وإلآ ما تفسير الثراء الفاحش والمفاجئ لساسة كانوا حتى الأمس القريب لا يملكون بيوتا طينية ـ ساسة أصبحت واشنطن كعبتهم وقِبلتهم ؟ ) النظام السابق : جاء رموزه بقطار أمريكي ، ورحلوا عن السلطة بمجرفة أمريكية . ما أطمحه لعراق اليوم هو أن يكون خيمة محبة للجميع ، وليس منجم ذهب لهذا الحزب أو تلك الفئة ... ولي يقين أنه سيكونه بإذن الله وبإرادة الخيرين من أبنائه ... فجسد الوطن لم يعد يتسع لجراح جديدة . *** قرطاسي لك ، ومحبرتي خذها ، وزورق الحوار هاك مجدافه ، وأنت قل ما تشاء ..... ج : أقول أنت محاور متقن ، و شاعر مبدع ـ وهذا تؤكده ما قرأته لك من حوارات و قصائد في أكثر من منبر ثقافي ، ورسخّت قناعتي بشاعريتك ما ارتجلته الان من شعر تماهى فيه قلبك مع العراق وطنا وإنسانا ... وأقول أخيرا : لك مني شكر المحب ومحبة الشكور .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل