المحتوى الرئيسى

رحلة « جوبسون»

04/30 06:13

ما رأيك فى أن تصحبنى فى رحلة إلى الماضى! فى الأصقاع البعيدة! فى الغابات والأحراش والأدغال؟ نحن الآن فى عام 1620، نركب سفينة عتيقة، نحوم حول سواحل أفريقيا الغربية. الموانئ معروفة، تتم فيها المبادلة التجارية، أما الداخل الأفريقى فكتلة مصمتة مجهولة مُفعمة بالخطر والغموض. ثمة غابات استوائية وأحراش كثيفة ووحوش مفترسة وقبائل متوحشة وأساطير وغموض وحكايات. الليل الأفريقى ينفث سحره والقمر يبزغ على الأدغال الصامتة. الغرب الأفريقى: كل شىء كان يدفع الشعوب البيضاء ألّا تفكر فى اختراق المجهول. المناخ حار لا يناسب طبيعتها، وأنهار القارة تعترضها الشلالات والجنادل، ويصعب استخدامها كوسيلة مواصلات. لكن فى الجانب الآخر كانت هناك النفس المتوثبة التى تتوق لاكتشاف المجهول. الروح الخفية المقدسة التى تنتقل من أمّة إلى أمّة عبر السنين. سكنت نفوس الفراعنة آلاف السنين فسادوا البر والبحر، ثم انتقلت إلى العرب المسلمين فشيّدوا حضارتهم. وها هى روح المعرفة قد حلّت فى شعوب أوروبا التى كانت تتأهب للانطلاق. ■ ■ ■ تعالوا اصحبونى فى هذه الرحلة. شواطئ غرب أفريقيا كانت مطروقة للبرتغاليين. أما الداخل الأفريقى فلا يعرفون عنه شيئا. (طومبسون)، القبطان الإنجليزى، توغل فى نهر غمبيا ثم قُتل عام 1618. (جوبسون) قرر أن يستكمل الرحلة يحدوه البحث عن الذهب وفتح أسواق جديدة للتجارة. ها هو الدغل الأفريقى ينطوى على أسرار ومحاذير. احبسوا أنفاسكم وأنتم تتابعون خطوات المستكشف الإنجليزى فى الغابات الاستوائية المتشابكة. ستبهرك الخضرة العميقة الممتدة إلى آفاق البصر، وصراخ القرود وهى تثب من غصن إلى غصن، وزئير الأسود وهى تتجشأ، راضية بعد وجبة دسمة، وقطيع الفيلة وهى تهز الغابة هزا تحت أقدامها السميكة، ورائحة العشب الأفريقى يحرقه ساحر القبيلة ليطرد الأرواح الشريرة. تعال شاهد مع جوبسون سكان المنطقة الأفريقيين. يعيشون على الفطرة، تحمل النساء العبء الأكبر فى هموم المعيشة، يكدحن طيلة اليوم، يسحقن الحبوب ويطبخن الطعام، أما الرجال فيعيشون حياة الراحة والدعة. يقتنصون فى الغابة لمجرد تزجية الوقت ويصطادون الأسماك من النهر. وفى حر الظلال يجلسون بالساعات تحت الأشجار الظليلة يتنسمون الهواء، يمارسون الألعاب ويقتلون الوقت بالثرثرة، وفى المساء يشعلون النيران ويقرعون الطبول حتى الفجر لإبعاد الأسود والحيوانات المتوحشة. ■ ■ ■ جوبسون، رحالة عتيد، يحمل كل ما هو ضرورى لإرضاء الأطفال الكبار الذين يسمون الأفريقيين. أزرار نحاسية، مظلات تُفتح وتغلق، ملح، خرز، وقطع الحديد. وأهم من ذلك الدهاء الذى يجعله يتظاهر بعدم الاهتمام بالذهب كيلا يفطن الأفريقيون البسطاء إلى قيمته. يقول لهم فى غير اكتراث إن بلاد الشعوب البيضاء بها ذهب كثير يفيض عن الحاجة. ولكنهم قد يتنازلون ويشترون بعضا منه رأفة بهم! ويشكره البسطاء ويصدقون الأكذوبة. ■ ■ ■ وهكذا تضع الحياة الطُعم الفوّاح فى المصيدة. يندفع الإنسان خلف بريق القوة والذهب والماس. لم يكن جوبسون يعرف - حينما غامر بحياته - أن الحياة تستدرجه من أجل تحقيق غاياتها العظمى، وأجلّها غاية «المعرفة». aymanguindy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل