المحتوى الرئيسى

هل الفرصة مواتية للوحدة العربية؟!

04/30 03:49

أحمد المرشد جاءت ثورات وذهبت أنظمة، ولكن بقي الوطن العربي بدوله وبلدانه وشعوبه، أي ان الثورة وإن كانت أطاحت بحكومة ورئيس، فهي لم تطح بشعب او بلد او كيان. وبالتالي، نخرج بمبدأ مهم جدا، وهو انه يجب ان نتعامل مع الشعوب والأوطان وليس الحكومات والرؤساء، لاننا بذلك نكرس وضعا سيدوم، ولكن اذا لم نفعل ذلك، فنجد أنفسنا نعيش في متاهة التغيير المستمر ولن تستقر بنا الأوضاع كعرب. لماذا هذه المقدمة؟.. اعتقد انها لإيضاح مدى حاجتنا الى الوحدة العربية في الوقت الراهن، خاصة وان البعض يقول او يدعي ان الوحدة العربية انتهت مثلها مثل فكرة القومية العربية. وهذا خطأ بالغ، فالقومية كان وراءها مفكرون وزعماء عرب منذ أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات كرسوا حياتهم وكتاباتهم للقومية والوحدة العربية، وتأثر هؤلاء تأثرا فكريا بالأفكار الغربية التي كانت تدعو إلى الوحدة على أساس العاطفة والوطنية والولاء. ثم جاء ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي القومي، وتصور ان الوحدة العربية كفكرة جوهرية تسبق فكرة الاشتراكية، كمبدأ فكري واقتصادي. ثم جاءت ثورة يوليو المصرية بزعامة جمال عبدالناصر، فسجل أول رؤية قومية لثورته بخطابه: «القومية العربية نداء عاطفي ورابطة تاريخية ومصلحة مشتركة، ثم هي بعد ذلك ضرورة استراتيجية». غير ان هزيمة يونيو 1967 خلقت العديد من التوجهات الفكرية التي دعت إلى إعادة بناء النظرية القومية ومراجعتها لتخليصها من الشوائب والإيديولوجيات المتحكمة في العديد من المؤثرات الفكرية للقومية العربية. وأوضح عبدالله العروي في كتابه «العرب والفكر التاريخي» جملة من الانتقادات التي وجهت للفكرة القومية، حيث الغياب الواضح لتراث ليبرالي بنيوي. ولم تكن نظرية القومية العربية وحدها المطروحة على السطح السياسي العربي، لانه تزامنت معها فكرة الوحدة العربية التي أسس لها العديد من النخب العربية والتي كانت تواقة إلى رؤيتها على أرض الواقع مجسدة على أقل تقدير وحدة اقتصادية وسياسية، في انتظار المقومات الحياتية الأخرى. هذه الوحدة ما أن خرجت الى الواقع حتى وجدت أمامها صعوبات جمة منها التجزئة الاستعمارية للعالم العربي في إطار سياسي وحقوقي على أسس لغوية محلية ودينية مذهبية وطائفية وعرقية لا أساس لها إلا في مخيلة صقور الاستعمار آنذاك، وهدفا منه في الإبقاء على سيطرته ووجوده في الوطن العربي إلى الأبد لمراقبة مصالحه ومصالح حلفائه القريبين منه. ثم اصبحت الوحدة العربية خاصة بعد انهيار الوحدة المصرية السورية، فكرة تاريخية، وتم اجهاضها تماما بهزيمة 1967، وانتهت معها الرؤية التقليدية للوحدة العربية على الأساس التاريخي. ونحن الآن ليس بصدد توضيح الأسباب التي ادت الى فشل كل مبادرات الوحدة العربية التي تزعمها السابقون، لا سيما وان أسباباً خارجية أخرى كانت وراء الانهيار القومي الوحدوي لهذه المشروعات الوحدوية، وعلى رأسها الإمبريالية الصهيونية كان لها اليد الطولى في تفنيد وافشال أي محاولة لخلق أي وحدة عربية قد تكون وبالاً عليها مستقبلا، لذلك عملت المستحيل سرًا وجهرًا لتقويض أي محاولة للوحدة العربية. فمسألة إنشاء دولة إسرائيل، مختلفة عن المحيطين بها من العرب ثقافيا وتاريخيا وسياسيا وأخلاقيا ودينيا، كان لابد له أن يقوض أي مبادرة لوحدة عربية ممكنة. والخطر الصهيوني دائم التأثير في أي لحظة ممكنة مستقبلا للوحدة العربية، بحكم تدخله في كل ما يهم العرب ومستقبلهم. ورغم ان خلق هذه الدولة الصهيونية في قلب الوطن العربي كان كفيلا بتكريس فكرة الوحدة العربية، ودافعا نحو إطلاق مشروع الوحدة العربية في المشرق العربي وظهور الاتجاه القومي العربي بنفس المنطقة، لكن للأسف، كان وجودها سياسة تقويضية لهذا المشروع، وكان خطره واضحا بانتقاله من حدود أرض فلسطين إلى باقي الأقطار العربية المجاورة التي ظهرت فيها التوجهات القومية والوحدوية، حتى وصل الأمل إلى الدخول في حرب مفتوحة سياسيا وعسكريا أدت إلى الهزيمة الكبيرة للمشروع العربي الوحدوي في 1967. وأمامنا فكرة الاتحاد الأوروبي، وهو كيان أوروبي ناجح بلا شك، رغم انه لم يصل بعد الى الوحدة الكاملة خاصة فيما يتعلق بالوحدة النقدية – اليورو – لانه ما زالت بريطانيا وايرلندا تعملان بالجنيه الإسترليني، كما ان بعض دول الاتحاد لا تعمل بنظام التأشيرة المجمعة - الشنجن - مثل بريطانيا ايضا التي ترفض هذا النظام ولا تزال تلزم داخليها بالحصول مسبقا على تأشيرتها الخاصة. ولكن في المجمل، فان الاتحاد الأوروبي نجح في العمل الوحدوي سياسيا واقتصاديا وشعبويا. فالمواقف السياسية يتم التنسيق بشأنها مع كل الدول الأعضاء حتى يعلن موقف أوروبي موحد بشأن القضايا محل المناقشة، كذلك الأمور الاقتصادية، ورأينا مؤخرا كيف واجهت دول الاتحاد الازمة الاقتصادية التي عصفت باليونان، والاخرى التي كادت تعصف بالبرتغال واسبانيا. هذا رغم ان طبيعة دول وشعوب وجغرافيا الاتحاد الأوروبي ليست مثالية مثل العرب، فاللغات متنوعة والثقافات متعددة، وهما من بواعث اكتمال الوحدة العربية. ثم أمامنا مثالان عربيان للوحدة، المثال الاول ناجح، ويتمثل في مجلس التعاون الخليجي، الذي يتماسك فترة بعد الأخرى ويسير من تقدم الى آخر بفضل البنية السياسية والرؤى المشتركة للقادة الخليجيين.. والمثال الثاني لم يكتب له النجاح، وهو الاتحاد المغاربي، الذي فشل فى تحقيق مراده بسبب التباعد فى المواقف السياسية لقادة الدول المشاركة فيه، والفجوة الاقتصادية رغم ان الظروف الجغرافية واللغة والثقافة شبه واحدة. نحن ليس مع ما سبق وأعلنه العقيد معمر القذافي في اوائل عام 2001 عندما نعى الوحدة العربية واصفا رابطة العروبة بأنها من أحاديث وتراث الماضي ومجرد مصطلح صحفي (انتيكات) ورافضا اي كيان ووحدة تقوم على القومية العنصرية او الدين. ونحن ليس معه ايضا عندما عاد الى رشده ودعا الى ضرورة إعلان الوحدة العربية الاندماجية، متجاهلا مراحل تطور وتدرج الطريق نحو الوحدة بخطوات اقتصادية وثقافية واجتماعية مدروسة على ارض الواقع. إجمالاً .. نعلم ان الجامعة العربية قد أرجأت انعقاد القمة العربية الى اجل غير مسمى، نتيجة تداعيات كثيرة منها الثورات العربية وموقف مجلس التعاون الخليجي من عقد هذه القمة فى العراق سواء بسبب الظروف الأمنية او بسبب مواقفه الأخيرة تجاه الخليج.. والاهم من كل هذه الأسباب، هو تحديد موعد لعقد هذه القمة حتى نفوت الفرصة على الذين يراهنون على انعدام الفرص أمامنا كعرب للتقدم ومناقشة أمورنا بشفافية، لكي نكون قادرين على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. حقًا انها مرحلة ضبابية تستدعي تكثيفا سياسيا عربيا لمواجهة ما لا تراه الاعين في الوقت الراهن، خاصة وان الوحدة العربية مستهدفة من امريكا وقوى العلمانية وايران.. والمفروض من العرب الاتفاق على صيغة للوحدة. اما كلمتي للعراق صاحب مكان عقد القمة المرتقبة، فكان يجب على سياسييه ان يكون موقفهم مختلفا، وان يوفر البنية الامنية اللازمة لعقد القمة وتعديل مواقفه من الخليج. واذا كان معروف تاريخيا، ان الايديولوجيات القومية والدينية لم تنجح في توحيد فئات المجتمع داخل البلد الواحد كما في الوطن العربي الكبير، فعلينا في الوقت الراهن والمخاطر تحاصرنا من كل جانب، ان نوفر المناخ الوحدوي على ان يكون عابرا للحدود. واذا كنا فشلنا في توفير مناخات الوحدة في السابق، فأمامنا الفرصة الآن في استيلاد الأرضية المناسبة للوحدة العربية. *نقلا عن "الأيام" البحرينية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل