المحتوى الرئيسى

الثقة.. أذان الجهاد والنصر

04/30 14:20

بقلم: عبد القادر أحمد عبد القادر الأذان للصلوات إعلان صوتي في توقيت يعرفه المسلمون، فيستسلمون للمؤذن- على حاله- وحينئذٍ يفرغون أنفسهم تمامًا- هكذا يجب- لأداء الصلوات لله وحده لا شريك له؛ لأداء الصلاة صفوفًا منتظمةً خلف إمام تعارف المصلون عليه، اختاروه بأنفسهم، أو اختير لهم.. هكذا نتصوَّر الثقة، ولكنها أذان قلبي عقلي..   ثم يتوارد هذا السؤال: لماذا وضع الإمام البنا ركن "الثقة" في نهاية أركان البيعة العشرة؟! الإجابة بكل ثقة: أن "الثقة" أذان لكل عمل تؤديه الجماعة، وحينئذٍ يؤدي الإخوان أعمالهم بكل ثقة، فتفتح أبواب النصر بعدما تتهيأ أسبابه: - الثقة في الله، والتوكل عليه، والأخذ بأسباب النصر. - والثقة المتبادلة بين القائد وجنوده، يقول الإمام البنا: "وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب".   نظرات للتوثيق إزاء تحقُّق الثقة بفروعها تلزمنا عدة نظرات لتحقيقها: النظرة الأولى هل يلزم أن يكون القائد متميزًا في كل شيء حتى أثق به؟! يجيب عمر رضي الله عنه وهو يدفع أبا بكر لتولِّي قيادة الأمة، قائلاً: "قوتي لك مع فضلك".والمعروف أن أبا بكر كان ضعيف الجسم، فوضع عمر قوته لمؤازرة صاحبه لخلافة النبي صلى الله عليه وسلم.   النظرة الثانية: مكانة القائد بالنسبة للجنود يجيب الإمام رحمه الله: "وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة لدعوتنا، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا".   وهنا يجب على القيادة أن تحسن اختيار القادة، ويجب على الجنود أن يعطوا الفرصة لقائدهم حتى تظهر إمكانياته ومواهبه في الأطر التي حدَّدها الإمام رحمه الله.   النظرة الثالثة: الثقة تكون متبادلة من الطرفين من الجندي إلى القائد، ومن القائد إلى الجندي، يعني من القاعدة إلى القمة، ومن القمة إلى القاعدة؛ فماذا ترى نفسك في كلا الموضعين عمليًّا؟!   النظرة الرابعة هل لك- أيها الجندي- شروط خاصة في قائدك؟! يعني هل تشترط أن يكون أفصح، وأعلم، وأتقى، وأقوى؟! إن ذلك مطلب عسير، إن لم يكن مستحيلاً بعد الرسل.. - فهل يكفيك شرط واحد؛ هو أن يكون الأقدر على حمل أمانة القيادة بنوع من التميز؟! - وهل تثق بقائدك إذا استجمع مواهب وقدرات الجنود ثم وظَّفها لأداء المهام الموكلة إليه؟ - وهل تضع كل مواهبك وإمكانياتك تحت تصرفه لتعينه وتقوِّيه؟   اقرأ هذا الحوار الذي دار بين عمر (الجندي)، وأبي بكر (القائد): - عمر: ابسط يدك أبايعك. - أبو بكر: بل أنا أبايعك. عمر: أنت أفضل مني. أبو بكر: أنت أقوى مني. عمر: قوتي لك مع فضلك. وصدق عمر، فقد كانت قوته داعمةً لأبي بكر. وقيل للإمام البنا: إذا حالت الظروف بينك وبين أن تكون بيننا، فمن تنصحنا بأن نوليه علينا؟! فقال: اجعلوا عليكم أضعفكم! ثم اسمعوا له وأطيعوا، فسوف يكون بينكم أقوى!. النظرة الخامسة: أنت وحملات التشكيك   وهي حملات لا تنقطع، وتهدف إلى زعزعة الثقة في ثلاثة مواضع رئيسية: * في المنهج * في القيادة * في المسار   ولكل موضع تفصيلات تصدَّت لها كتب ومجلدات فارجع إليها، والذي يجب على الصف مراعاته- قيادةً وجنودًا- القدرة على إدراك مواضع التشكيك؛ لأنها كمائن لقطع الطريق على القافلة السائرة، وإدراك نقاط التشكيك بسرعة كشفها لإزاحتها ودحضها، دون الانشغال بها أكثر من اللازم؛ حرصًا على الوقت والجهد، ومنعًا لتعويق المسيرة.   النظرة السادسة من مظاهر الثقة القدرة على طرد الهواجس ومقاومة الشائعات، وعدم التأثر بالإعلام غير الملتزم بشكل عام، خاصةً الإعلام المنهزم الآن، أو المتحول ظاهرًا بفعل ثورة 25 يناير؛ الإعلام الذي يُظهر أنه مع الثورة، ثم هو يشكِّل دعمًا للثورة المضادة، ثورة مضادة تناهض الدين الإسلامي صراحةً، أو بأشكال نفاقية واضحة أحيانًا كثيرة.   النظرة السابعة هل تخيِّم الثقة على جميع أفراد أسرتك: الزوجة والأولاد؟ وهل أنت متيقظ لذلك؟ يعني: هل تعيش حياتك اليومية ليلاً ونهارًا في أجواء الثقة مع زوجتك وأولادك؟   النظرة الثامنة اسأل نفسك عددًا من الأسئلة التي حدَّدها لك الإمام، رضي الله عنه: 1- هل تعرفت إلى قائدك؟ وتعرفت على ظروف حياته؟ 2- هل اطمأننت إلى كفايته وإخلاصه؟ 3- هل أنت مستعد لاعتبار الأوامر التي تصدر إليك من القيادة قاطعةً، لا مجال فيها للجدل أو التردُّد، ولا للانتقاص، ولا للتحوير، مع إبداء النصيحة والتنبيه إلى الصواب (الطاعة البصيرة)؟! 4- هل أنت مستعد لأن تفترض في نفسك الخطأ وفي القيادة الصواب إذا تعارض ما أُمرت به مع ما تعلم في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي؟ 5- هل أنت مستعدٌّ لوضع ظروفك الحيوية تحت تصرف الدعوة؟ وهل تملك القيادة في نظرك حق الترجيح من مصلحتك الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟   فيا لها من ثقة عالية بأوصافها وشروطها إن تحققت! حينئذ أبشروا يا قادة، وأبشروا يا جنود، فيا له من صفٍّ يحبه الله ورسوله!.   النظرة التاسعة من أخطر أسباب تقويض الثقة في القائد وفي الجندي: 1- ألا تتوفر الأركان التسعة السابقة من أركان البيعة. 2- الغموض في الحديث، وفي المواقف. 3- إثارة مشكلات فكرية أو تنظيمية في الصف. 4- الشخصنة، أو الأجندات الفردية، أو القابلية للتمحور في الجيوب. 5- مخالفة العمل للقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لِمَ تَقُوْلُوْنَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُوْلُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ) (الصف: 2، 3). 6- فقدان الاتزان الفكري والسلوكي (الحكمة في القول والعمل) في تقدير وإدارة المواقف المتنوعة، وهذا يخص القيادات، خاصةً في أثناء الأزمات. 7- إفشاء الأسرار الخاصة بالصف.   النظرة العاشرة صور للثقة، وإنها لكثيرة، وهذه أمثلة: 1- ثقة إسماعيل وهاجر إزاء همِّ إبراهيم بذبح ولده عليهم جميعًا السلام. 2- ثقة أبي بكر رضي الله عنه في رسول الله صلى الله عليه وسلم بحادثة الإسراء. 3- ثقة السيدة خديجة رضي الله عنها في نبوة ورسالة زوجها محمد صلى الله عليه وسلم. 4- ثقة الجنود بقادتهم في معارك الإسلام المنتصرة الكثيرة. 5- ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين كلَّفهم بمهام خاصة، كقيادة السرايا، ونشر الدعوة، وحمل الرسالة إلى الأمراء، والقضاء... 6- واقرأ هذه الحادثة: كان العامل (حسن مرسي) يعمل عند الخواجة (مانيو) ويخرج نموذجًا ممتازًا من صناديق الراديو، وكان (مانيو) يثق في العامل، وسلَّم له كل ما في الدكان من خامات وأدوات، فجاء أحد أصدقاء (مانيو)، وساوم العامل (حسن) على أن يصنع له بعض الصناديق بنصف القيمة، فرفض العامل وألقى عليه درسًا في الأخلاق، فهدَّده هذا الخواجة بأنه سيخبر (مانيو) بأنه هو الذي عرض عليه ذلك، ونفذ الرجل وعيده وحقق (مانيو) في الحادث فظهرت الحقيقة، فضاعف أجر العامل، وطرد صديقه الأجنبي من حياته.. (حلقة نقاشية لعرض أمثلة من التاريخ أو الواقع).   أما الثقة فيما عند الله، فقد قال القائل: إني لأثق فيما عند الله وهو غيبٌ، أكثر من ثقتي بما في حافظة نقودي.   النظرة الحادية عشرة انظر في أحوال غير المسلمين، أو أصحاب المذاهب المنحرفة ومدى ثقتهم في قادتهم وزعمائهم، بل في مناهجهم الفاسدة، وقارن بين هؤلاء وبعض المتردِّدين المضطَّربين حوالينا أحيانًا.   النظرة الثانية عشرة قال صلى الله عليه وسلم: "ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل" (صححه الألباني في السلسلة الصحيحة) هذا الحديث يؤصِّل لاهتزاز الثقة بالله وكتابه ورسوله، ولا أقصد شيئًا من التعرُّض لعقيدة مهزوز الثقة، أو متردد في جماعته وصفِّه، ولكن الحديث يؤصِّل لفقد الثقة في الله التي هي أصل الأصول، وتتفرَّع عنها أنواع الثقات الأخرى.   تلك كانت بعض نظرات مهمة في موضوع الثقة.. الثقة التي هي أذان الجهاد الموصل للنصر والتمكين إن شاء الله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل