المحتوى الرئيسى

المصالحة الفلسطينية بقلم أ :سمر أبو ركبة

04/29 20:08

المصالحة الفلسطينية بقلم أ :سمر أبو ركبة أول ما يتبادر إلى الأذهان أن أجواء التغيير العربية ساهمت في إقناع الحركتَين بتجاوز الخلافات وبالعمل معاً على إنهاء الانقسام بالممارسة، بدل الغرق في حواراتٍ جدلية لا نهاية لها. من جهة " فتح" فإن السعي إلى إعلان الدولة الفلسطينية في أيلول / سبتمبر المقبل من خلال اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة، دفع السلطة الفلسطينية إلى إعطاء أولوية لإنهاء الانقسام دعماً لموقفها. وقد استندت السلطة للمضي في المصالحة برعاية مصرية، إلى جمود المفاوضات مع إسرائيل وأيضاً انعدام المبادرة لدى الإدارة الأمريكية. ورغم أن رد الفعل الإسرائيلي الأولي على الاتفاق وكذلك الأمريكي كانا سلبييّن، إلا أنّ الولايات المتحدة قد تكون أعطت ضوءاً أخضر للقاهرة، أملاً في العمل لاحقاً على إقناع السلطة الفلسطينية بعدم إحراجها بالتصويت على الاعتراف بالدولة. إذ لوحظ أن وزير الخارجية المصري تحدث عن مؤتمر دولي تحت مظلة الأمم المتحدة وربما برعاية أمريكية، يتم من خلاله التوصل إلى تسوية للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قبل نهاية السنة. ورغم أن فكرة هذا المؤتمر الدولي لا تعطي الفلسطينيين أي ضمان، إلا أنها تحرك الجمود المحبط الذي فرضته إسرائيل على قضيتهم، ثم إنها تشكل حالياً مخرجاً لتمرير المصالحة. لا شك أن الأوضاع المضطربة في سوريا ساهمت بقوة في التعجيل بالاتفاق بين " فتح" و " حماس". ولا شك أيضاً أن كلاّ منهما قدّم تنازلات ستظهر لاحقاً، مثلما تنازلت القاهرة نفسها عما كان يُعرَف بالورقة المصرية. لكن هذا لا يعني أن الخلافات زالت تماماً. فالكثير من الصعوبات والتحديات سيظهر خلال تطبيق التفاهمات، وبالأخص في الملف الأمني. لا أظن أن فلسطينياً حراً ينتمي إلى هذه القضية (أرضاً وإنساناً وهوية) إلا ولديه إيمان مطلق بوجوب رص الصف الفلسطيني، وإعادة الوحدة له، بل وتمتينه في وجه المشروع الصهيوني الذي يعمل صباح مساء على قضم الأرض الفلسطينية وطرد إنسانها ومسخ هوية شعبها (الفكرية) و(الوطنية). كما لا أظن أن إنسانا فلسطينياً حراً وشريفاً تحول بينه وبين (المصالحة) هذه الوثائق العار، التي تدمغ فريقها بالخيانة، لإيمانه المطلق بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يلتزم بما ألزموا أنفسهم به، بل بما يحقق أهداف الشعب الفلسطيني في استرجاع وطنه وتحريره، وحماية المقدسات وعودة اللاجئين، واسترداد الأسرى لحرياتهم، وأما دعوى أنهم يمثلون الشعب الفلسطيني باعتبار أن م.ت.ف هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني فهذا ما لا يقره قانون ولا تدعمه شرعية ولا يصدقه واقع. فإن القانون يبطل هذه الدعوى، فإن المنظمة (قانوناً) هي تلك التي نشأت سنة 64 ودخلتها الفصائل دون فصيلين من أكبر الفصائل الفلسطينية (حماس والجهاد)، وبغيابهما فإنها لا تمثل الشعب الفلسطيني كله. إن حرص الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس على تحقيق المصالحة وتوقيع حركته على الورقة المصرية كمدخل وطني لتوقيع حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى عليها لانهاء الانقسام لهو مؤشر قوي لامكانية تحقيق المصالحة الفلسطينية التي دفعت الرئيس لاجراء جولة دولية وعربية لدعم الجهود المصرية في تحقيق المصالحة وخاصة وان الرئاسة الفلسطينية تعول كثيرا على الدور الروسي لاقناع حركة حماس بالتوقيع على الورقة المصرية دون فتحها او التعديل عليها ، حيث ترجم هذا التعويل إلى طلب رسمي من قبل الرئيس محمود عباس لوزير الخارجية الروسي الذي التقى به قبيل لقاء الاخير مع السيد خالد مشعل ، تأكيدا على حرص الرئيس على المضي قدما نحو تحقيق المصالحة ، في ظل وجود ضمانات مصرية بالتعاطي مع ملاحظات حماس بعد التوقيع وتطبيقها عند البدء في تنفيذ الورقة على الارض . إن ادراك فصائل العمل الوطني والاسلامي في الاجتماع الذي ضم ثلاثة عشر فصيلا متضمنا حركتي فتح وحماس لاهمية التوقيع على الورقة المصرية لهو مؤشر قوي على ارتقاء كافة الفصائل إلى مستوى التحديات والمخاطر التي تواجه قضيتنا العادلة ومشروعنا الوطني، مؤكدين من خلاله أن لا تكون حالة الانقسام سبباً في تراجع مركزية القضية الفلسطينية . ففرص نجاح الحوار الراهن جيدة إلى حد ما، بل يمكن القول إن حركتي: فتح وحماس قد توجهتا للقاهرة متسلحتين بإرادة تستهدف التوافق والاتفاق من زاوية نظر كل منهما للقضايا المطروحة، وإنْ كان اتفاقا ذا سقف متدنٍّ ومعالجات جزئية لا ترقى إلى مستوى الطموح المنشود أو المعالجة الشاملة. وبالإمكان رصد العديد من الإشارات والأسباب التي تضع الحوارات الجارية في خانة النجاح النسبي، وتوفر لقاطرة الوفاق الوطني الفلسطيني الحد الأدنى من بواعث الحياة والاستمرار: أولا: انزياح الفيتو الأميركي والأوروبي, لا شك أن الفيتو الأميركي والصدود الأوروبي شكل أحد أهم الأسباب التي قادت إلى تفجير حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت نتاجا لاتفاق مكة عام 2007، فقد قوطع وزراء حماس، وبقي الحصار السياسي مضروبا على الحكومة وحركتها السياسية وفعالياتها الدبلوماسية دون أي تغيير. ولم تقف الأمور عند حدّها السياسي، بل إن الحصار السياسي –آنذاك- ترافق مع جملة إجراءات أمنية مكثفة تولاها الجنرال كيث دايتون المنسق الأمني الأميركي لإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتوظيفها في إطار تدجين حماس سياسيا عبر ضرب أو تحجيم قوتها العسكرية، فكان "الحسم العسكري" في غزة، وكان ما كان. اليوم -وفي أعقاب الحرب على غزة- والفشل الإسرائيلي في القضاء على حماس عسكريا عقب فشل الحصار السياسي والاقتصادي، وبعد تولي أوباما مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة، باتت السياسة الأميركية أكثر تقبلا لحكومة فلسطينية ذات ائتلاف فصائلي مهني تشارك فيه حماس، وأكثر استعدادا للتعاطي معها ورفع بعض المعوقات السياسية من طريقها رغم التصريحات المتشددة التي صدرت عن وزيرة الخارجية الأميركية مؤخرا. أما الموقف الأوروبي -الذي تتفاوت حدود وسقوف دوله إزاء حماس صعودا وهبوطا- فيتقدم درجات على نظيره الأميركي، ويبدي اليوم حماسة واضحة لمدّ جسور التعاون الإيجابي مع حكومة وحدة وطنية فلسطينية، ويتأهب للعب دور مؤثر إبان المرحلة المقبلة. ثانيا: ثقل التحديات التي تواجهها حماس: لم يكن في وارد حسابات حماس أن كلفة استمرارها في الحكم سوف ترتفع كثيرا، وأن ثمن بقاء الانقسام سوف يكون باهظا، فما واجهته حماس من تحديات ما قبل الحرب على غزة لا يقارن –بحال- بالتحديات التي تتربص بالحركة خلال الأشهر المقبلة. لقد أضافت الحرب تحديات جديدة، وراكمت أعباء ضخمة لا تستطيع حماس بمفردها أن تتجاوزها وتحتوي آثارها وتداعياتها، فكان لا بدّ من جنوح الحركة نحو إعادة صياغة الرؤى والمواقف، وإعادة بلورة الأولويات والاتجاهات بشكل مسؤول بما يدفع باتجاه القفز عن التحديات الخطيرة التي تهدد الوضع الفلسطيني برمته، ويخفف من وطأة المعاناة الهائلة التي خلقت في عقر ديار الفلسطينيين أشكال بؤس جديدة بالغة البشاعة، وديار تهجير وتشرد جديدة فوق التصور. اجتماعيا، تدرك حماس أن نكبة جديدة قد حلت بأهالي غزة، وأن مستوى الخراب والدمار الذي حاق بالبيوت والمنازل والمنشآت والبنية التحتية لم يكن يخطر لها على بال، وأن الاشتراطات الدولية التي تقف في وجه إعادة الإعمار، وتنتظر تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة لإعطاء إشارة البدء والانطلاق، لا تتيح لها خيارات أخرى. ويوما إثر آخر يبدو جليا أن الشرخ الاجتماعي الذي أحدثته جولات وصولات الاقتتال الداخلي التي انتهت بسيطرة حماس على غزة، وما أعقبها من مناوشات وممارسات، قد بلغ درجة مخيفة من العمق والإيغال في الحقد والكره الأعمى، وأضحت معالجته جذريا أحد أهم الضرورات الوطنية والاستحقاقات المجتمعية لتضميد الجروح وتنقية النفوس وصيانة المجتمع من غلواء الثأر وجموح العنف المرتد في قادم الأيام. سياسيا، باتت حماس اليوم أكثر قناعة بأن الاستمرار سياسيا بالشكل والصيغة الراهنة لن يمكّنها من اختراق الحصار، وإجبار العالم على الاعتراف بشرعيتها السياسية، وأن الاختراقات الحاصلة في بعض المواقف الأوروبية، واتساع ثغرة المطالبات لجهة الحوار معها، لم تترك آثارها السياسية المرجوّة، أو تفلح في الدفع باتجاه رفع الحصار السياسي والاقتصادي المضروب عليها. المتحاورين في القاهرة الآن على محكّ الولاء والانتماء وتغليب المصالح الوطنية الفلسطينية العليا على ما سواها، ويخضعون لأدق اختبار مصيري على إيقاع التحديات الجسام التي تكاد تعصف بقضيتهم وكيانهم الوطني، فهل يطوي الانقسام صفحته القاتمة، ولو بحدود التوافق الدنيا، أم يعود الركب بخفي حنين؟ سؤال ستجيب عنه –حتما- الأيام القادمة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل