المحتوى الرئيسى

نيابة الأحوال الشخصية من أبرز إنجازات القضاء الشرعي بقلم:الشيخ الدكتور تيسير التميمي

04/29 19:46

هذا هو الإسلام نيابة الأحوال الشخصية من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com , info@tayseer-altamimi.com الحلقة الأولى : التأصيل الشرعي للادعاء باسم الحق العام الشرعي (الحسبة) قدم إلى هيئة محكمة العدل العليا التي تنعقد بصفتها محكمة دستورية بتاريخ 28/12/2010 طعن بدستورية تشكيل نيابة الأحوال الشخصية في ديوان قاضي القضاة ، وذلك على خلفية قرار قضائي صادر عن إحدى المحاكم الشرعية بفسخ عقد زواج للردة . ومما اعتمد عليه مقدم الطعن أن نيابة الأحوال الشخصية (بطلبها فسخ عقد الزواج للردة) خرقت مبدأ سيادة القانون وخالفته ، وأن أيَّاً من القوانين ذات العلاقة والمعمول بها في فلسطين لم تنص على تشكيلها ، وأنها نصبت نفسها مدعية بالحق الشرعي بغير حق حيث لا توجد أية جهة مختصة به في فلسطين ، وأنها استندت في ذلك فقط إلى ما يعرف بدعاوى الحسبة . وقال مقدم الطعن : إن قضايا الحسبة ليس لها أي أساس ديني لأنها لم تذكر في القرآن ولا في السنة النبوية ، فهي ليست جزءاً من الشريعة الإسلامية ولا تمتُّ إليها بصلة ، بل هي بدعة دخيلة تهدف إلى إخضاع المجتمع واستعباده بالقوة والإكراه لخدمة مصالح وغايات التيارات الدينية المتشددة . وفي الحقيقة أن تشكيل نيابة الأحوال الشخصية في جهاز القضاء الشرعي جاء موافقاً للشريعة الإسلامية ، وموافقاً للقانون الأساسي الفلسطيني ولكافة القوانين المعمول بها في فلسطين ذات العلاقة ، وأن هذه النيابة هي صاحبة الاختصاص بالادعاء باسم الحق العام الشرعي ، وأن الطعن في تشكيلها باطل من كل جهة . وسأتناول هذه الجوانب بالتوضيح : فالحسبة ولاية شرعية ومنصب رفيع تلي في المرتبة وظيفة القضاء ، حيث إن السلطة القضائية في التاريخ الإسلامي كانت ثلاثة أنواع : ديوان المظالم ، والقضاء ، ثم الحسبة . وغاية الحسبة ـ من خلال إجراءات موظفيها وآليات عملهم ـ توجيه الناس إلى الحق والسلوك الأخلاقي الذي يمنعهم إيقاع الأذى . وتشبه في أسسها وقواعدها النظم المعاصرة وفي مقدمتها النيابة العامة ؛ حيث يقوم بما يقوم به النائب العام من خلال دعاويه بمراعاة الحقوق العامة والْتزام النظام ، ويقوم أعوان المحتسب بالدور الذي يقوم به رجال المباحث العامة والرقابة بأنواعها ، ولذا فإنها لا تختص بدائرة من دوائر الدولة بل تشمل كافة دوائرها ومؤسساتها وأجهزتها ، حيث إنها جهة قضاء دنيا يحيل إليها القاضي أو والي المظالم بعض القضايا التي تدخل في اختصاصها . والمعنى اللغوي للحسبة أنها فعل ما يحتسبُ أي ما يدخر أجره عند الله ، أما المعنى الاصطلاحي فهي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله ، فشعار الحسبة وأساسها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطهما الشرعية . وحكم الحسبة شرعاً أنها واجبة في الجملة ، واستدل العلماء على وجوبها بالأدلة التي وردت جملة وتفصيلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ففي القرآن الكريم : 1- فضَّل الله سبحانه من يقوم بها من الأمم على غيرهم ، قال تعالى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران 110 . 2- ووصف المؤمنين والمؤمنات بها ، وقرنها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ، مع تقديمها في الذكر في قوله تعالى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } التوبة 71 3- ووصف المنافقين بكونهم عاملين على خلاف ذلك في قوله تعالى { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } التوبة 67 4- وذم من تركها وجعله سبباً للعنة ، قال تعالى { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } المائدة 78-79 ، وقال صلى الله عليه وسلم بشأن هذه الآية { إن أول ما دخل النقص على بنى إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض . ثم تلا { لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم) إلى قوله (فاسقون } ثم قال { كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدى الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصراً } رواه أيو داود . وفي السنة النبوية كل حديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل مشروعيتها ، مثال ذلك : 1- قال صلى الله عليه وسلم { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } رواه مسلم . 2- قال صلى الله عليه وسلم { والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم } رواه الترمذي 3- قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة له يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ، وإنا سمعنا النبى صلى الله عليه وسلم يقول { إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب } رواه أبو داود . أما من حيث التطور التاريخي للحسبة فقد نشأت في العهد النبوي وتولاها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه بصفته المتولي لجميع شؤون المسلمين ، فقد { مرَّ صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال أصابته السماء يا رسول الله . قال أفلا جعلته فوق الطعام كى يراه الناس ؟ من غش فليس مني } رواه مسلم . وأمضى صلى الله عليه وسلم ما صدر من صور الحسبة عمن قام بها بنفسه تطوعاً ، فعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز ، فأتته امرأة فقالت إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج ، فقال لها عقبة ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم { كيف وقد قيل } ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره ، رواه البخاري . وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على الولاة والعمال الذين عينهم ويحاسبهم على المستخرج والمنصرف من الأموال ، فقد { استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية ، فلما جاء حاسبه قال : هذا مالكم وهذا هدية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلاَّ جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً ، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته ، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلاَّ لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر . ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول : اللهم هل بلغت } رواه البخاري . وفي عهد الخلفاء الراشدين قاتل أبو بكر مانعي الزكاة حسبة وإنكاراً للمنكر ، فقد قال " والله لأقاتلن الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة " ، وقال أيضاً " والله لأقاتلنهم لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكان هذا بحضور الصحابة وموافقتهم ومشاركتهم في حروب الردة مما يدل على إجماعهم . وكان عمر ن الخطاب رضي الله عنه أعظم محتسب عرفه الإسلام يحمل الدرة في يده يأخذ المال من حله ويضعه في مستحقه مستشيراً الصحابة ، يراقب ويحاسب من غير تمييز بين حاكم ومحكوم واستمرت الحسبة في التطور عبر العصور التاريخية للإسلام حتى وضع العلماء لها القواعد والأسس والأركان والشروط ، وبينوا في مصنفاتهم تفاصيل مسائلها ومستجداتها وكل ما يتعلق بها . إذن فحكم الحسبة أنها من الواجبات الكفائية ، أو ما يعبر عنه الفقهاء بفرض الكفاية ، ومعناه أنه إذا قام به بعض المكلفين سقطت عن الجميع ، بدليل قوله تعالى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران 104 ، ففي الآية أمر صريح بوجوب وجود مجموعة من المؤمنين قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالخطاب موجه إلى الكل مع إسناد الدعوة إلى بعضهم بما يحقق معنى فرضيتها على الكفاية ؛ بحيث إن أقامها البعض سقطت عن الباقين ، ولو أخل بها الكل أثموا جميعاً . وقد تكون فرض عين في حق طائفة مخصوصة كالأئمة والولاة ومن ينتدبهم أو يستنيبهم ولي الأمر عنه ؛ بحيث لا يجوز لهم التقصير فيها أو التشاغل عن واجباتها ومهامها ، لأن هؤلاء متمكنون بالولاية ووجوب الطاعة . قال تعالى { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ } الحج 41 ، فإن من أنواع القيام بذلك ما يدعو إلى الاستيلاء ، وإقامة الحدود والعقوبات مما لا يفعله إلا الولاة والحكام ، فلا عذر لمن قصر فيها منهم عند الله تعالى . وإذا كانت ولاية الحسبة مستمدة من الحاكم فالمحتسب مكلف بها شخصياً ، وفي هذه الحالة تتضمن ولايته القيام بما يؤدي إلى اجتناب المنكر على وجه الدعاء والاستعداء ، فيتقدم إلى القاضي بالدعوى بالشهادة لديه أو باستعداء المحتسب ، وتسمى الدعوى لدى القاضي بطلب الحكم بإزالة المنكر دعوى حسبة ، ولا تكون إلا فيما هو حق لله ، وعندئذ يكون مدعياً بالحق وشاهداً به في وقت واحد . فالحسبة من عظائم الأمور وعزائمها التي لا يتولاها إلا أهل الفطنة من العلماء العالمين بأحكام الشريعة ومراتب الاحتساب ، وهي من الواجبات الدينية كالصلاة والإفتاء والقضاء والجهاد ، وهي جزء من الدين وليست مبتدعة كما ادعى الطاعن .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل