المحتوى الرئيسى

العسكر والشفافية

04/29 18:12

حسام عبدربه عندما اندلعت ثورة 25 يناير في مصر، أبدى مراقبون وسياسيون وكتّاب دهشتهم من سيطرة المجلس العسكري الحاكم في على مقدرات الثورة، وقالوا إن الثورة سقطت رهينة في أيدي نخبة كانت من عناصر دعم الرئيس المخلوع حسني مبارك وحصدت الحصة الأكبر من المزايا في عهده، والأهم من ذلك أنها لم تحرك ساكنا لمحاربة الفساد إلى أن تحرك الشارع، فيما اعتبر موافقة ضمنية من الجيش على ممارسات نظام مبارك الذي سيطر على مصر ثلاثة عقود. وربما كانت هذه الملاحظات في موضعها على الصعيد النظري، ولكن على الأرض، فإن هناك إجماعا مضادا على أن ثورة 25 يناير ما كانت لتؤتي ثمارها لولا الموقف الوطني للجيش ومساندته للرأي العام، مع حرصه على الحفاظ على المنشآت العامة، وتوفير الحماية لكافة عناصر اللعبة السياسية، بما صبغ الثورة المصرية بطابع سلمي نسبيا - مقارنة مع ثورات أخرى - رغم أن عدد الشهداء في مصر تجاوز 800 شخص. الآن، وقد طال مد مكافحة ومحاسبة الفساد قمة رأس النظام السابق وكبار رجالاته، يبدو أن هناك خطا أحمر حول الحديث عن تطهير المؤسسة العسكرية مما لحقها خلال العصور السابقة من أوجه الفساد. وقد يكون مرجع ذلك، القوانين الصارمة التي تحول دون الحديث عن المؤسسة العسكرية، والتي أودت بعدد من الصحفيين المصريين في وقت سابق إلى غياهب السجون. وفي مصر لا يزال قرار رئيس الجمهورية بقوة القانون الصادر عام 1956 بحظر نشر أية أخبار عن القوات المسلحة ساريا. ويحظر القانون نشر أو إذاعة أي أخبار عن القوات المسلحة وتشكيلاتها وتحركاتها وعتادها وأفرادها وعلي العموم كل ما يتعلق بالنواحي العسكرية والإستراتيجية بأي طريق من طرق النشر أو الإذاعة إلا بعد الحصول مقدما علي موافقة كتابية من القيادة العامة للقوات المسلحة. ويُعاقب المخالفين بالحبس من ستة أشهر إلي خمس سنوات وبغرامة من 100 جنيه إلى500 جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك إذا ارتكبت الجريمة في زمن السلم، وبالسجن إذا ارتكبت في زمن الحرب. وقد شهد عصر مبارك تطبيقا صارما وانتقائيا لهذا القانون على صحفيين من صفوف المعارضة تحديدا. وإلى ذلك، فرض النظام السابق حالة من السرية المطلقة في التعامل مع شؤون القوات المسلحة بما فيها صفقات السلاح وقيمتها ونوعيتها، غيبت أي رقابة برلمانية على هذا الملف لعقود طويلة. ومؤخرا، كشف حقوقيون أن صفقات السلاح السرية كانت إحدى الوسائل التي استخدمها النظام للإثراء حيث كان يتم تفويض الرئيس السابق بها دون البرلمان، في حين أن المعمول به في كافة الدول الديمقراطية هو تولي لجان برلمانية متخصصة مسؤولية صفقات السلاح مع إحاطتها بالسرية الكاملة، وهي نقطة توازن بين الحفاظ على مصالح المجتمع والجيش في آن واحد. وبالقطع، فإن سيطرة المجلس العسكري الحاكم على مقدرات الأوضاع في مصر الآن لن تكون ملائمة لفتح ملف الفساد الذي شاب صفقات السلاح السرية، ولكن هذا لن يكون ضمانة لإغلاق هذا الملف الشائك إلى الأبد لأن المصريين يريدون من مؤسستهم العسكرية ألا تكون طرفا مستفيدا أو داعما لأي نظام فاسد في مستقبل الأيام. إن مصر، وهي تقطع أولى خطواتها نحو ديمقراطية ناشئة، في حاجة ملحة إلى صياغة علاقة جديدة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، تضمن عدم تدخل الجيش في شؤون المجتمع باعتبار أن مهمهته الأساسية هي حماية الدولة من تهديدات الأطراف الخارجية؛ وفي الوقت نفسه، تعمل على تقنين حالة الغموض والسرية المفرطة التي أحاطت بشؤون الجيش المصري عبر عقود، وحالت دون دخول الهواء النقي إلى الغرف المظلمة الخانقة التي غالبا ما تكون مرتعا لخفافيش الظلام بعيدا عن الرقابة البرلمانية. ولكن أي علاقة مثالية تلك التي نتحدث عنها بين المجتمع المدني والمؤسسة العسكرية؟ الإجابة تحثنا إلى النظر في الديمقراطيات من حولنا لتلمس نماذج حية عن كيفية محافظة الجيوش على أسرارها العسكرية، وخضوعها في الوقت نفسه للرقابة، فالسرية ليست قيمة مناقضة للشفافية، وهذا ما يحدث في الديمقراطيات العريقة. وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تجري المناقشات العلنية حول ميزانية الجيش، ونتابع في تقارير وكالات الأنباء التفاصيل الفنية لمشروعات تطوير الأسلحة التي يجري تنفيذها، وأخرى يجري تجميدها لضغط الإنفاق، دون أن يمس ذلك كفاءة الجيش الأمريكي من قريب أو بعيد. إن مصالح المؤسسات العسكرية في النهاية ليست أكبر أو أهم من مصالح المجتمعات التي تتولى حمايتها وتأمينها، فالمجتمع في حاجة إلى مناقشة وبحث قضايا مثل حجم الإنفاق العسكري ومدى ملائمته للأخطار الحالية والمسقبلية التي تتعرض لها الدولة؛ وكذلك إيجاد حالة من التوازن بين الإنفاق العسكري من ناحية، وحاجات المجتمع الأساسية، وحجم الموارد المتاحة من ناحية أخرى؛ والتيقن من فرض حالة كاملة من الشفافية على صفقات السلاح بما يضمن الإنفاق الرشيد لموارد المجتمع؛ والبحث عن ضمانات لكبح المزايا التي يحصل عليها العسكريون مقارنة مع غيرهم من فئات المجتمع التي لا تقل وطنية وانتماء عنهم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل