المحتوى الرئيسى

أسباب الفَقْر معلومة والحلول معروفة!

04/29 08:41

خالد صالح الحميدي الفَقْر آفة عانت منها البشرية على مرّ التاريخ، والطابع المزمن لحالة الفَقْر هو ما جعلها تبدو وكأنها حالة طبيعية. لكن، اقتران الفَقْر بنقيضه، أي الغنى، جعله مفهوماً نسبياً حال دون تحديد علمي ثابت له. يبقى أن الفقير، بشكل عام، هو: من لا تكفيه موارده لإشباع حاجاته المُلحَّة، إذ، لو افترضنا توافر الموارد الأساسية لإشباع حاجات الإنسان، لما كان هناك فَقْر! لم تشعر المجتمعات بوطأة الفَقْر إلا تدريجياً، فأجدادنا لم يشعروا بالفَقْر لاكتفائهم بإشباع الحاجات الضرورية، فبقي الفَقْر على المستوى الفردي، ولم يبرز كمشكلة اقتصادية، إلاَّ مع مطلع القرن العشرين، بفعل اتساع ثقافة الاستهلاك، حينذاك، ثم، ليبلغ هذا الاتساع ذروته، مع ترسخ عولمة رأسمالية جامحة، وما رافقها من تنوع للخيارات، وكثرة المنتجات وسهولة انتشارها، بفعل التقدم العلمي المطرد، وتقدم تقنيات التواصل، التي أدت إلى زيادة الوعي الاجتماعي والثقافي، فظهرت الفوارق بين المجتمعات جلية، وكذلك بين طبقات المجتمع الواحد. فكثير من الدول النامية لم تشعر بفقرها، إلا بعد انفتاحها على العالم الخارجي، فالفلاح في قريته لم يشعر بفَقْره إلا حين اتصل بالمدينة.. هذا الانفتاح والتواصل، مع التقدم الحضاري والتكنولوجي، أدى إلى بروز مسألة الفَقْر، كمشكلة اقتصادية، تخطت الفردية، لتصبح مقولة تطبق على الشعوب على اختلافها، بعد أن تعددت حاجات الإنسان الفسيولوجية عن الضرورات الحيوية السابقة.. فالمأكل، مثلاً، كان فيما مضى يقتصر على صنف واحد، وكذلك الملبس.. أما المأوى، فلم يكن مشكلة.. إلخ، دون أن ننسى انخفاض معدل الوفيات مع بقاء معدل المواليد مرتفعاً، والأهم من كل ذلك، استنزاف ميزانيات الدول في شراء السلاح، واستفحال الفساد! أما المذاهب الاقتصادية، على اختلافها، فقد سعت لمعالجة أسباب الفَقْر، إلا أنها اختلفت، ولم تصل، في نهاية الأمر، إلى الحلول الملائمة، لأنها نظرت إلى النظام الاقتصادي على أنه نظام مستقل بنفسه، وأن الإنسان في هذا النظام ليس إلاّ إنساناً اقتصادياً بدون خلق ولا روح.. وهذا ما تبينه اهتمامات علماء الاقتصاد المجردة عن النظرات الأخلاقية والدينية والإنسانية! بالتالي، لم يعد من المفيد أن نقف عند مسألة ندرة الموارد وعجز الطبيعة عن تلبية حاجات الإنسان، كما تقول الرأسمالية، التي بالغت في القسوة والأنانية، وجعلت الفَقْر شرّ مسؤول عنه الفقير نفسه، كنظرة قارونية، أعطت للأغنياء حرية الكسب والاكتناز! وكذلك، لم تعد مشكلة الفَقْر نابعة عن التوفيق بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع في تطورهما، كما تقول الاشتراكية، التي أنكرت الملكية الخاصة، واستحوذت على أموال الأغنياء، لتحل محلهم في التسلط على الفقراء (البروليتاريا).. أما الإسلام، فقد استوعب مشكلة الفَقْر، وبيَّن أسبابها، وأهم تلك الأسباب ناتج عن: سوء توزيع الثروات والدخول، وسوء التنظيم، وكذلك، سوء الاختيار بين تلبية الحاجات، وعدم التركيز على صلاحية الموارد للاستعمالات البديلة، إلى غير ذلك.. إذاً، أسباب الفَقْر في العالم العربي معلومة، والحلول معروفة! بمعنى، حين يتوصل المجتمع الإسلامي إلى: التوزيع العادل للثروات والدخول، ويُحسن التنظيم، ويأخذ بعين الاعتبار أولوية الاختيارات في تلبية الحاجات، بمعنى المفاضلة بينها، ويقف على معرفة الاستعمالات البديلة للموارد.. يستطيع هذا المجتمع أن يقلل من حدَّة الفَقْر إلى مستوياته الطبيعية.. هذه المستويات الطبيعية للفَقْر عالجها الإسلام بسهولة، من خلال فريضة الزكاة، وإذا لزم الأمر سعى للاستعانة بالموارد الأخرى في المذهب الاقتصادي في الإسلام، ولنا في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز مثال واضح، حيث استغنى الناس عن الصدقة في عهده! إذاً، مشكلة الفَقْر، في العالم الإسلامي، الذي حباه الله بثروات يصعب تقديرها، مادية وعلمية وبشرية، نابعة من سوء توزيع الثروات، وسوء تنظيم الاقتصاد، مما لا علاقة له بالطبيعة ومواردها، كما تقول الرأسمالية، ولا بأشكال الإنتاج، كما قالت الماركسية. ولن يستطيع العالم الإسلامي التخلص من مشكلة الفَقْر إلا حين يستبدل بالمناهج الوضعية، خاصة «الرأسمالية» وتعاليمها، المنهج الإسلامي وتعاليمه، ليس في الاقتصاد فقط، بل، في سائر مستويات الحياة. ليبقى السؤال مطروحاً: إذا كانت أسباب الفَقْر في عالمنا العربي معروفة، والحلول معلومة، فلماذا تزداد حدّة آفة الفَقْر يوماً بعد يوم؟! وتزداد الكتابات عنها، هذه الكتابات التي لو وزنت لأطعمت نسبة كبيرة من الفقراء! * نقلا عن "الاقتصادية" السعودية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل