المحتوى الرئيسى

بين الشورى والديمقراطية

04/28 19:56

تتعالى أصوات تنادي بالديمقراطية وكأنها بدهية من البدهيات ومسلمة من المسلمات بأنها المفتاح السحري والحتمي لنظام حكم عادل مستقر ينعم فيه البشر بالأمن والأمان والطمأنينة ، ويتمادى هذا التعالي في الأصوات وتحاول أن تجعل الديمقراطية من الإسلام ، بل هى – أي الديمقراطية – هى بعينها الشورى في الإسلام ، وما ذلك إلا نتيجة الإحساس بالانهزام الفكري من جراء السيطرة الحضارية الغربية وغياب النموذج الحضاري الإسلامي وغياب نموذج حكمه " الخلافة " عن معترك الحياة منذ فترة تمتد لما قبل الثالث من مارس سنة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرون تاريخ إعلان سقوط هذه الدولة رسمياً في اسطنبول بعد صراع مرير طويل ومنهك مع الغرب الرأسمالي ونظام حكمه الديمقراطي ، وسيطرته الفعلية على منهاج الفكروالثقافة والتعليم في بلاد المسلمين مما أدى إلى تشكيل هذه القناعات الليبرالية ومنها الديمقراطية لدى قطاع كبير من أبناء الأمة ، وحتى المخلصين من أبناء الأمة في حركاتهم التحريرية من الاستعمار ومن جراء الانهزام الفكري أخذوا موقف المدافع عن الإسلام ، المستسلم لصحة كثير من الفكر الليبرالي محاولاُ التوفيق بينه وبين الإسلام ، ومدللاً على سبق الإسلام لكثير من الأفكار الليبرالية التحررية !. فالسؤال لما نلجأ للديمقراطية كنظام حكم وضعي ونترك الخلافة نظام الحكم في الإسلام ؟! لما نقول اليمقراطية هى الشورى ، هل حتماً ما كان عند الغرب الرأسمالي الليبرالي من فكر وتشريع مسلم به وبحسنه وصحته دائماً فلابد أن يكون عندنا مثله حتى نتفاخر عليه بأن الإسلام سبق إليه قبلهم ؟!! لما لايكون عندنا غيره ومقابله وأفضل منه ؟!!. وكان من أبرز مظاهر هذا الانهزام الفكري ومحاولات التوفيق هذه الدعوة للديمقراطية وتقديمها وتصويرها على إنها الشورى في الإسلام ، بالرغم من الإختلاف التام والبين بينهما من حيث المنطلق العقدي والواقع العملي والتشريعي لكل منهما !. فالديقراطية ، كما يُعرفها أصحابها ويتنادوا بها ، وكما تنص عليها دساتير البلاد التي تحكم بها ومنها هذه الدول في بلادنا الإسلامية ، هي " السيادة للشعب والأمة مصدر السلطات " . وتماشياً مع وضع الأسماء على مسمياتها ، وتحقيقاً للمناط في تنزيل الأحكام الشرعية ، كان يجب وبإيجاز بيان " الشورى " في الإسلام . فالشورى لغةً مصدر من شار العسل : استخرجه من الخلية، واشتار الفحل الناقة: كرفها فنظر إليها لاقح هي أم لا، كرف الفحل الناقة وشافها واستشارها بمعنى واحد ، وفي لسان العرب هي : أخذ آراء الآخرين في موضوع ما ، فالشورى هى " أخذ الرأي مطلقاً " هذا هو واقعها ، وهو واقع طبيعي بين البشر في جميع أحوالهم وأنظمتهم ، فأخذ الرأي طبيعة بشرية ، ولكن حتمية صوابه أو خطائه وضرورة أخذه والالتزام به هى التي تفرق بين فكروفكر ونظام ونظام وهذا هو الذي يفرق بين أخذ الرأي في الرأسمالية الليبرالية ونظام حكمها الديمقراطي وبين الإسلام ونظام حكمه " الخلافة ". بطبيعة الحال يكون أخذ الرأي له عدة حالات ومواقف ، وأخذ الرأي هو ما حث عليه الإسلام في قوله تعالى ((و الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)) سورة الشورى، وفي قوله تعالى ((فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)) سورة آل عمران ، فالشورى واقعاً ، هى أخذ الرأي مطلقاً ، هذا هوالمناط الذي يُراد إنزال الحكم شرعي عليه ، أو يُراد بيان حكمه ، ومن الآيات السابقة والأحاديث الواردة في هذا الأمر ، أختلف الفقهاء في حكم الشورى في حق الحاكم هل هى واجبة ، أم مستحبة ، أي هل يجب على الحاكم أخذ الرأي مطلقاً أم يستحب له ، ثم إنتقل بحثهم إلى متى يكون لزاماً عليه أخذ الرأي ، ومتى يكون لزاماً عليه الالتزام به ويحاسب من قبل المسلمين إن لم يلتزم به ، ومتى يعتبر رأي الأغلبية ومتى يعتبر رأي الأقلية ومتى يعتبر رأي أهل الخبرة والاختصاص . هذا هو واقع أبحاث الشورى في الإسلام ، وهذا التفصيل غير موجود في الديمقراطية لأن الديمقراطية وإن كان بها أخذ الرأي ، بيد أن رأي الأغلبية هو الرأي الصواب الذي لايقبل الخطأ ، ورأي الأغلبية هذا هو الرأي الذي يمثل الإرادة العامة للجماهير ، وبالتالي يعطيها السيادة لأنه صواب دائماً . أما أخذ الرأي في الإسلام والذي أُطلق عليه " الشورى " هو أخذ الرأي بالأحكام الشرعية المنظمة له ، وبالرغم مما فيه من تفصيل وخلافات فقهية إلا أن هذا التفصيل وهذه الخلافات لم تنطلق من حتمية صواب رأي الأغلبية وخطأ ما عدها وهذا هو الفارق العقدي بين الشورى في الخلافة ، وبين أخذ الرأي في الديمقراطية . الشورى من حيث مشروعيتها مستحبة لخليفة المسلمين إبتداءاً ، أي يستحب أن يأخذ الرأي وليس واجب عليه ، أما إذا أخذ الرأي ، أي عمل بالشورى ، فهناك تفصيل في مدى إلتزامه بالرأي الذي أخذه . فطبيعة الرأي إما أن يكون في تشريع أو في فكر ، أو موضوع فني ، أوفي موضوع عمل يقوم به جميع أو غالبية رعايا الدولة ، والجدير بالذكر والبديهي أن تكون الشورى في الأمور المباحة ، أي فيما كان حكمه الإباحة ، أي يتساوى فيه الفعل مع الترك شرعاً، أوفيما كان فيه خلاف ، فلا شورى في وجوب الصلاة ولا الزكاة ولا الجهاد بشقيه الدفع أو الطلب ، وإن كان الفعل أو الشئ فيه خلاف فقهي فلخليفة المسلمين أن يستشير أهل العلم أما ما يتبناه من حكم فلا يلزم أن يكون رأي الاغلبية لأنه في النهاية هو حكم الله في حقه ، مثله مثل غيره من المسلمين مع فارق أن ما يتبناه خليفة المسلمين إنما هو لرعاية شئون الناس ، فلابد أن يكون ما يستشير فيه ويتبناه ليلزم الناس به هو مما يلزم لرعاية الشئون . وفي مثل هذه الحالات – حالات الفكر والتشريع - لاعبرة لرأي الأغلبية أوالأقلية بل العبرة لقوة الدليل ، وصحة الفهم والاستنباط . أما الأمور الفنية كأمور الحرب مثلاً فالعبرة فيها لرأي أهل الخبرة والاختصاص ولوكان فرداً واحداً مثلما أشار الحباب بن المنذر على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بموقع غزوة بدر ، ونزل صلى الله عليه وآله وسلم على رأيه وأنزل المسلمين عليه . أما إن كان عمل من الأعمال تقوم به الأمة في مجموعها أو بغالبها فلابد فيه من رأي الأغلبية والنزول على رأيها حتى ولوخالف رأي خليفة المسلمين ، مثلما نزل صلى الله عليه وسلم على رأي الأنصار والصحابة الذي رأى فيه صلى الله عليه وسلم مصالحة الأحزاب على ثلث أو نصف ثمار المدينة ورفضوا .فهذه هى الشورى ، العمل بالرأي فيها ملزم في أمور وغير ملزم في أمور ، بل أخذ الرأي إبتداءاً فيها فيه خلاف وتفصيل بحسب واقع الموضوع الذي يراد أخذ الرأي فيه. أم الديمقراطية فحتماً أخذ الرأي فيها وحتماً الالتزام برأي الأغلبية وحتماً رأي الأغلبية صواب !!. أما من حيث الواقع العملي ، فنجد أن أخذ الرأي في النظم الديمقراطية الغربية ، ليس دائماً ملتزماً برأي الأغلبية ، وهو بذلك يكون متناقضاً في التطبيق مع فكره الذي يقر بحتمية صواب رأي الأغلبية ، ومثال على ذلك إجمالاً نُذكر بقرارات الحروب والقرارات السياسية المصيرية كامتلاك الأسلحة النووية أو إنشاء محطات توليد كهرباء نووية وغيرها من القرارات التي أخذ فيها الغرب برأي أهل الخبرة والاختصاص وأهل السياسة ولم يلتفت إلى رأي الأغلبية ، ومازال !. كما أن المتتبع لأفكار وآراء البشر المؤثرة في حياتهم يرى دائماً أن أصحابها كانوا قلة في البداية وآرائهم ينظر إليها دأئماً على إنها خاطئة والمؤكد أن الأغلبية كانت دائماً تُخطئ برفض هذه الأفكار !. هذا إضافةً أن الوصول إلى رأي الأغلبية ، أو التحقق من أنه رأي الأغلبية ، مشكلة فقهيه وتشريعية في الفكر الغربي الليبرالي ، فمازالت قضية الوصول إلى التمثيل الحقيقي للأغلبية لضامن التأكد من رأيها هو أحد المشاكل الفقهية والتشريعية إلى اليوم في الغرب ، ولذا تنقسم النظم الغربية بين مؤيد لوجوب الاستفتاء العام لكل القضايا العامة للناس وعدم الاعتماد الغالب على التمثيل البرلماني لهم في التشريع ، وبين مؤيد للاعتماد الغالب على التمثيل البرلماني للناس في التشريع وعدم اللجوء للاستفتاءات العامة إلا في قضايا محددة ، وما ذلك إلا من جراء ظهور ما يسمى بنظم الاستبداد البرلماني التي يصبح فيها عضو البرلمان بعد دخوله البرلمان منفصل عن إرادة الجماهير التي أتت به ، وكذلك إستبداد الأحزاب بالبرلمانات وإنفصالها عن جماهيرها في الشارع ، فكل هذه مشاكل وقضايا تتدل على عدم واقعية وعملية الديمقراطية كنظام حكم مبني على حتمية أخذ الرأي مطلقاً وحتمية الالتزام برأي الأغلبية وحتمية صواب هذا الرأي .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل