المحتوى الرئيسى

الليبرالية.. والنص المقدس

04/28 16:38

بقلم: م. محمد كمال أصدقاؤنا الليبراليون المصريون أقل تواضعًا من أساتذتهم الأمريكان، فدوائر "البحث العلمي السياسي" في أمريكا ما زالت تأخذ موقف الدفاع عن "التجربة الأمريكية" باعتبار أن سهام النقد للتجربة قد رشقتهم في جميع جوانبها، حتى جعلت مفكرًا مهمًا مثل "ملفين يوروفسكي" أستاذ مادة التاريخ والسياسة العامة بجامعة كومنولث فيرجينيا يقول: "إن أي فرد لا يملك أن يدعى أن النموذج الأمريكي- رغم نجاحه الباهر في الولايات المتحدة- هو النموذج الذي يجب أن تحذو حذوه كلَّ الأنظمة الديمقراطية".   هم يقولون هذا، ويراجعون أنفسهم، في وقتٍ يأتي إلينا الليبراليون العرب ليمسحوا عقولنا ويجرفوا تاريخنا، ويعدوننا بالجنة الغربية إن نحن تركنا هويتنا وسرنا وراءهم.   ورغم استقرار مجتمعنا على (هويته) باعتبارها المرتكز الأهم لإقامة مجتمع العدالة والديمقراطية ودولة القانون، إلا أن أصحابنا يصرون على انتزاعنا من هذه الهوية وإرباكنا دون داعٍ، وكأنهم يريدون نقلنا إلى نفس الظرف الأمريكي المتناقض عرقيًّا ودينيًّا، والذي تسبب في حرب أهلية (1861-1865م) رغم إعلان الاستقلال (1776م) وبعد وضع الدستور (1787م).   ولو أنصف أصدقاؤنا لأدركوا أن استقرار الهوية الإسلامية مكسب أهم, وظرف مواتٍ لإقامة تجربة ديمقراطية ناجحة.   أنظر مرةً أخرى إلى" يوروفسكي" وهو يقول: "لأن كل بلد له الحق في أن يقيم نظام الحكم الذي يناسبه انطلاقًا من ثقافته وتاريخه".   هذا التاريخ وهذه الثقافة تنتج (مقدسات)، واحترام المقدسات هو تأكيد (لسيادة الأمة) والتماس (لرضا المحكومين)، وسيادة الأمة هي أهم مبادئ الديمقراطية, ورضا المحكومين هو أهم ضماناتها.   والثابت لدى الباحث السياسي أن الفكر الإنساني وهو يكافح ليرتقي بالمجتمع كان دائمًا يبحث عن أفضل المبادئ لتكون المرجع الذي يتحاكم إليه الناس؛ فنجد الإنسان يصل إلى القانون، وينشئ وسائل احترامه, ثم يتطور به الاجتهاد- بغية الوصول لقيم مقدسة تحكم الحياة وتضبطها, وتمنح الحقوق للناس-... فيصل إلى (الدستور).   والدستور في الدولة الديمقراطية تحوطه أعلى درجات القداسة؛ وانظر إلى تعظيم وثيقة الحقوق الإنجليزية (الماجنا كارتا) (1215م) واعتبارها ممثلة لأسمى قيم العدالة, وكذلك الدستور الأمريكي (1787م) ونظيره الفرنسي (1789م)، وإذا كان استقرار الدولة في خضوع هؤلاء لنصوصهم الدستورية السامية التي صاغوها في دساتير، فقد كان الأولى لمثقفينا أن يفخروا بدينهم الذي أدرك حاجة البشر إلى (ثوابت مقدسة) يتحاكمون إليها.   لقد أدرك التشريع الإسلامي أهم مشكلتين سياسيتين يواجهان المجتمع الإنساني وهما: الأول: تحديد محاور الاختلاف التي تتسبب في انهيار استقرار المجتمعات. الثاني: ابتكار النصوص الثابتة التي تضمن حل هذه الاختلافات إذا نشبت.   فإذا حرم الإسلام "الربا"- مثلاً- ثم وضع القواعد العامة للبيوع والتجارة فهو بذلك قد حدد أن المعاملات التجارية هي محور مؤكد للخلاف, لذا حدد لها (نصًّا عامًّا لضمان الاستقرار).   وإذا فصَّل الإسلام في قضية المواريث (15 موضعًا قرآنيًّا) فهو قد حدد أن قضية تقسيم الثروة محور مؤكد للخلاف، ووضع لها نصًّا تفصيليًّا لضمان تداول الثروة.   وإذا عمَّم الإسلام قضية الشورى كشرطٍ إيماني لسلامة الحكم فإنه قد حدَّد أن قضية رضا المحكومين هي محور مؤكد للخلاف, ووضع لها نصًّا عامًّا وفسره (بحوادث السيرة النبوية)، وضمن بذلك إنشاء عقد اجتماعي للأمة.   وقس على ذلك الدور التفصيلي لكلِّ نصٍّ من نصوص الوحي (قرآنًا وسنةً) لتستشعر حجم الثراء في التشريع؛ لذا فهي كلها أعمدة لبناء مستقر لأمة ذات رسالة, وبكلِّ المقاييس فإن النسق الفكري للمنظرين الأوروبيين الأوائل كان يمكن أن يصل بهم إلى الالتقاء بالإسلام إذا نقل لهم باحتراف وفهم, ولكانوا عدلوا نظرياتهم؛ لأن النصوص الثابتة الضامنة لكلِّ الحقوق التي يبحثون عنها قدمها الإسلام جملةً وتفصيلاً.   فإذا كان هذا سبقًا إسلاميًّا فقد كان من اللائق أن يُحاط برعاية واهتمام كل باحث سياسي... لا سيما المسلم منهم!   فالنصوص الإسلامية تقوم بدورين أساسيين: رعاية الحاضر بالاستقرار، وحماية المستقبل من الأثر السلبي للقرار.   أما رعاية الحاضر فتقوم بها النصوص التي لها بعد اجتماعي مثل: نصوص الزكاة، والعدالة والمساواة، والزواج... إلخ.   أما حماية المستقبل فهي النصوص التي تقيِّد القرار السلطوي مثل "نصوص تحريم الربا"- مرةً أخرى- لأن القرار الاقتصادي مهما بلغت دقته ودراسته فهو لا يستطيع أن يتخيل ما يترتب عليه من تعاملات لمدة خمسين سنة مثلاً؛ لذا فهو يحتاج لمعرفة أرفع من خيال متخذ القرار؛ ليلتزم بها وهو يصنع قرارًا يؤثر على مستقبل جموع بشرية غفيرة, ولما افتقد الغرب ميزة هذه النصوص الحامية للمستقبل حدث له الانهيار الاقتصادي الأول (1929 – 1936م).   والانهيار الاقتصادي الرأسمالي الثاني الذي يعيشون في ظله الآن؛ بسبب قضية (الاشتقاقات) المعتمدة تمامًا على الفائدة الربوية.   وقس- أيضًا- على ذلك كلِّ النصوص الإسلامية في خدمتها لحياة الناس وصيانتها لمستقبل القرار.   لم يعبأ الليبراليون- مع الأسف- بهذه الميزة الكبرى لوجود نصوص وحي تضبط حياة الناس, ولكن انحرفوا بالقضية لتصبح سؤالاً استنكاريًّا يقول: هل سيحكمنا الإسلاميون بالمقدس؟ فإذا اختلفنا معهم فكأننا اختلفنا مع الوحي؟   إن الإسلاميين لن يحكموا بالنص المقدس، بل سيتحاكمون هم وكل الشعب إليه، لأن الذي يريده الإسلاميون- وهو حقهم- أن تتحول "النصوص المقدسة" إلى "نصوص دستورية" فتكون- هي وما تبتكره عقول الأمة من نصوص- "دستورًا" نابعًا من ثقافتنا, ويكون تعريفنا للقيم هو التعريف المنضبط بالشرع, وليس المجافي له أو المنحرف عنه, ولتتميز الدولة المسلمة جوهرًا ومظهرًا؛ فإذا كان الغرب قد عرف دولته بأنها (دولة حارسة) أو (دولة رفاه) فإن تعريف الدولة الإسلامية هو (دولة رسالة)؛ أي أنها حارسة لأماني شعبها, ومحققة لرفاهيته, ومشاركة في إقرار رسالة العدالة في العالم, ومعبرة عن ثقافة الأمة وناشرة لها.   وبذلك يتضح أن "النصوص" تحمي التفكير ولا تعطله, أي أنها عون للعقل وليست بديلاً عنه، تمنحه مالاً يستطيع إدراكه, وتطلقه بعد ذلك مجتهدًا مكتشفًا مدبرًا؛ لأن إدارة كلِّ شئون الدولة سيكون بيد الخبراء والمنتخبين من الأمة.   والشرعية- التي يتفق فيها الإسلام مع الغرب- هي أن يصل الحاكم إلى سدَّة الحكم بإرادة الشعب، ثم يحكم هذا الشعب بقيمه وقوانينه، أما تصوير الحاكم والسياسي المسلم على أنه إنسان آلي كلما عرضت له مشكلة يبحث لها عن فتوى فهذا سخف تكذبه- على الأقل- قرون الحكم الإسلامي الرشيد. ------------------- * Mohamedkamal62@ymail.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل