المحتوى الرئيسى

مصطفى الشكعة.. رحلة مع الحضارة الإسلامية

04/28 11:23

بقلم: د. خالد فهمي شاءت إرادة الله سبحانه أن يرحل العالم الجليل الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة بعد جهادٍ علمي وفكري وإداري غطى مساحةً كبيرةً من عمرٍ مديدٍ امتدد من سنة 1917م إلى سنة 2011م.   خريطة فكر الشكعة والذين يقيمون أقدار الرجال مدعوون إلى أن يقفوا أمام رجلٍ من وزن نفيس، ومن معدن كريم، استوهبه من جهاد معرض أصيل توزع على مجموعة متقاربة ومترابطة من المحاور المنتمية بعمق العلوم الأمة المسلمة، وهي المحاور التي يمكن إجمالها فيما يلي:   أولاً: الدراسات الأدبية لتراث الأمة العربية لإبداعي شعرًا ونثرًا، وافتتاح الرجل حياته العلمية بدراسة النثر العربي أمر دال في هذا المجال؛ ذلك أن دراسات النثر العربي تغذي أمرين معًا هما أمر الذائقة الجمالية بما أن النثر الفني جنس فني يقوم كسائر فنون القول معتمدًا على معايير جمالية على مستوى التصوير والإيقاع هذا جانب، وأمر الفكرة العميقة التي تلازم النثر عادةً، ويقوم بعبء حملها إلى الإفهام وهذا جانب آخر، هو الأمر الذي يعكس عنايته المبكر بدراسة بديع الزمان الهمذاني بما هو واحدٌ من الناثرين العظام الذين وطدوا أركانه دولة النثر في مواجهة إمبراطورية الشعر العربي.   ثانيًا: دراسات الحضارة الإسلامية تعيينان وهو الملمح الأظهر في إنتاج الراجل الكريم. وفي هذا المقام يرد كتابة الأشهر (معالم الحضارة الإسلامية) شاهدًا على ما نقرره، مضمونًا إليه كتابة الأشهر الآخر (إسلام بلا مذاهب) ليعكس حلم الوسطية، ويبرز المخاطر التي تهدد بنية الاتحاد من جرَّاء التفرق والتشتت.   ثالثًا: دراسات إنتاج الأعلام الكبار الذين غذوا شجرة حضارة الإسلام، وأسهموا، في تشييد صلاح هذه الحضارة، وهو ما تترجمه كتبه من بديع الزمان، وجلال الدين السيوطي، ومحمد الغزالي وتعد دراسته الكبيرة من (البيان المحمدي) تتويجًا لمفهوم العناية بالعلم القدوة الذي ينبغي أن تتأسى به الأمة جميعًا.   هذه المحاور الثلاثة بما خدمها به من التأليف والتحقيق كانت ترجمةً واضحةً لما سكن قلب الرجل على امتداد عمره.   (3) الوعي بحضارة الإسلام هي مفتاح فهم الشكعة ليس مبالغةً إن قررتُ مستبقًا أن الوعي بحضارة الإسلام ومنجزة على الأرض هو المفتاح لفهم عقل الشكعة ووجدانه رحمة الله.   لقد رأى الرجل أن الإسلام هو جذوة النار التي أشعلت كل منابر النور في الأجواء العربية ثم العالمية، ومن أجل ذلك كانت الحضارة إسلامية بحكم النظر إلى عناصر التفجير والتأسيس والميلاد، وهو نفسه يقرر أن الحضارة عندما "تسمى إسلامية طالما كان الجوهر والمنطلق إسلاميين"، وهو بهذا لا؟؟؟ من وصف الحضارة بالعربية ولكنه يضع هذا الوصف في مكانه الطبيعي غير متصدر؛ لأن الحقيقة والواقع يقرران أن جوهر انطلاق هذه الحضارة كان هو الفكرة الإسلامية، بما سكنها من أصول:   أ- التوحيد. ب- وتقدير إنسانية الإنسان. ج- والحضارة بالعلم والتعلم. وتصور الحضارة الإسلامية في منجز مصطفى الشكعة يتجاوز حدود الوقوف عن ما درج المؤلفون عليه من إظهار إسهامات المسلمين في خدمة المنشآت والمخترعات، والمستحدثات الحضارية في الآلات والمؤسسان والمكتبات وغيرها.   ولكنه وقف أمام عدد من العلامات الفكرية التي تمثل منارات أو مبادئ أو أصول أو معالم تبقى مع كل جيل وتدفعه للإنتاج المادي على هدى من تأملها ومهمها وفقهها.   وتصور لمعالم الحضارة الإسلامية التي انبثقت من رحم الفكرة الإسلامية جاء راميًا بالمبادئ التالية:   1- الحكم في الإسلام أصل يرعى الفكرة التوحيدية، ويسوس الناس بالعدل والمساواة من خلال المؤسسات التي أبدعها النظر في فلسفة الحكم عند المسلمين في صورة مؤسسات الخلافة أو الإمامة والقضاء والحسبة وديوان المظالم بما يوفر للمجتمع المسلم أعلى صور تحقيق العدل والكفاية.   2- الفكر في الإسلام أصل جامع يميز هذه الحضارة الجبارة بما أبدعته ابتداء مما هو من خصائصها التي جاءت بها وبما نقلته وحفظته للعالم من الثقافات الأخرى شاهدًا على قدرتها على قبول الآخر، وتقدير منجزه الإنساني الفكري طالما أنه صالح.   3- الإنسان المفكر صمام أمان لهذه الحضارة، وهو الأصل البارز في إنتاج الشكعة الفكري، بما ترجم في صورة مؤلفات مستقلة عن عددٍ من العلماء الكبار كما مر بنا، وإن في صورة فصول منجزة عن العطاء الفكري لعددٍ آخر من العلماء في مسيرة نهضة الأمة وترقيها في مدارج الكمال من أمثال الكنبي، وأبي حنيفة الدينوري، وأبي زيد البلخي، والفاربي، وأبي حيان التوحيدي، وابن مسكويه.   4- الكتابة العربية ثمرة الحضارة الإسلامية، وفي أصل رابع مهم جدًّا يقرر الشكعة أن الإسلام تغلغل في نفوس أتباعه لدرجة صبغة إنتاج الفكري والنثري والشعري.   وقد برزت في كتابات الشكعة غاية تكاد تكون ممن انفرد به تتمثل في تأكيد أدب الحضارة الإسلامية، وهو ما يظهر في عددٍ من كتاباته الجوهرية في هذا الميدان من مثل: أ- ما كتبه عن أدب الحضارة الإسلامية في بعض مؤلفاته من مثل الباب الذي كتبه عن هذا في معالم الحضارة الإسلامية وغيره. ب- ما كتبه من كتب كبيرة مستقلة ولا سيما ما جاء في كتابه (الأدب في موكب الحضارة)، وما جاء في كتابه (مناهج التأليف عند العلماء العرب).   لقد تنبَّه الشكعة- رحمه الله- إلى أن الإسلام بفكرته وأصوله اختلط ببنية شعوبه لدرجة ظهرت في أنواع كتاباتهم المختلفة بدرجة ظاهرة جدًّا؛ فوجد من الشعر العربي ما يصنف ملامح هذه الحضارة، ومنجزاتها، وسماتها من الحفاوة بالكتب والأقلام وأدوات العلم، ووجد من الشعر ما تغلغل في الحياة العامة، ووظف الشعر لينهض في سابقةٍ حضاريةٍ بمهمة التعليم لدرجة جاءت معها المنظومات التعليمية لتمثل واحدًا من المعالم التي تكاد تنفرد بها الحضارة الإسلامية، وهذه الأمور جميعًا هي التي رشحت الآداب الإسلامية والعربية لكي تأثر في الآداب العالمية الشرقية والغربية، في أنتاجهما الشعري والنثري معًا.   لقد كان الشكعة من أكثر من حنا وعطف على الحضارة الإسلامية من خلال دراسة أبعاد وأعلامها وأفكارها ومؤسساتها.   ولم يقف الأمر عند هذه الحدود من الكتابة والتأليف والكشف وإنما استطاع بجهاد متواصل أن يؤصل لفكرة أن دراسات الحضارة الإسلامية جزء أصيل وجوهري في عصب تصور دراسة علوم اللسان العربي في الجامعات والأقسام العلمية المختلفة.   ومثل لزمان طويل صمام أمان في قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس يهبه وجهًا مشرقًا، وصنع الشكعة بما أسسه من دراسة علمية أشرف من خلالها على عدد كبير من الرسائل الجامعية العليا ملامح مدرسة علمية قامت على خدمة المحاور التالية: أولاً: دراسة أصول ارتقاء الحضارات وانهيارها من خلال فحص ما ورد من الذكر الحكيم والسنة المطهرة. ثانيًا: دراسة إسهام علماء الإسلام الكبار.. كشفها وتحليلات وتقييمها. ثالثًا: دراسة جهود المفسرين وعلماء السنة، ومفكر الإسلام في جمع القرآن، وتفاسيره، وجمع السنة وشروحها، ومناهج التأليف. رابعًا: دراسة الأبعاد السياسية والفكرية والاجتماعية التي تحقق وحدة الأمة، وتعكسها.   ومن مجموع هذه الأفاق يمكننا أن نضع أيدينا على أعلى ما يميز الراحل الكريم في ميدان خدمة الأمة المسلمة المعاصرة.   استقلال الجامعة: موقف تاريخي وإذا كان ثمة دعوات كثيرة إلى استقلال الجامعات لا تخطئها عين، يراها الليبراليون في عطاء أحمد لطفي السيد، ويراها غيرهم في نشاط حركة 9 مارس، فإن لمتابع المنصف ولا يسعه أن يقدر للشكعة ومن منطلق إسلامي (يرعى مبادئ المساواة والعدل، ومحاربة استغلال النفوذ، وهيمنة السلطة) دوره البارز في خدمة قضية استقلال الجامعة في مصر منذ زمن طويل، ومواجهته أعلى سلطة في البلاد.   والوعي يرجعون بذاكرتهم إلى عصر السادات ويعرفون رفض الشكعة لمحاربة كلية الآداب، بجامعة عين شمس أن تتميز زوج الحاكم يومئذٍ عندما أرادت أن تلحق بهذه الكلية على أن تمتحن بشكل يظهر تميزها عن بقية الطلاب فرفض وتمسك بالرفض حتى انتقلت الطالبة جيهان السادات لتواصل دراستها للآداب بعيدًا عن آداب عين شمس على الضفة الأخرى من النهر كان ذلك نموذجًا مُشرِّفًا يعكس شرف المنصب وشرف تقدير الزملاء والذين منحوه ثقته ويعكس طبيعة النفس العالمة التي تثق في عطاء هذه الحضارة البديعة.   مروءات الرجال ويحار المرء في التدليل على ما سكن ضمير هذا الرجل من علاقات المروءة الظاهرة التي تحكي بها في مسيرة عمره- رحمه الله- ومن الممكن التوقف أمام بعضها للتذكير بمقام فريد تميز به ولازمة في حياته: 1- يتذكر الجميع موقف الدكتور الشكعة من إرادة الإفساد والمجون الذي كان يتولى كبرها جهات التليفزيون المصري ن في إصرار الشكعة على مقاضاة هذه الجهات من اجل وقف العبث الإعلامي الداعي إلى إفساد منظومة القيم في المجتمع المصري الإسلامي ، وهي ما روج بها إعلاميا بقضية فوازير رمضان في شكل من أشكال اختزال المسألة.   وهو الأمر الدال على عظم تأثيرات النظر لهذه الحضارة الإسلامية في واحدة من أهم خصائصها وفوائدها وعطاءاتها الإنسانية ألا وهي المنظومة الحضارية.   2- مواقفه في نصرة الأستاذ الجامعي، وتأصيل مكانته في نفوس المتعلمين خصوصا، ونفوس المجتمع عموما، واذكر مما أذكره له تدخله الحاسم في الانتصار لأستاذ تجرأ بعض الطلاب الذين يرون في أنفسهم الوصاية على الإسلام ممن كانوا يرون في أنفسهم دعاة سلفيين، في السيطرة على مسجد كلية، واحتكاره مكان ردة قاطعًا حاسمًا في سوء أدب هذا الطالب، وضرورة تأديبه.   3- مواقفه من تقدير الطلاب، وحفوه عليهم والتواصل معهم بإشكال مختلفة معنوية ومادية.والبحث عن سر العبقري وراء ذلك كله كامن في انخراطه المبكرة في صندوق الحركة الإسلامية.   رحم الله العالم الجليل الدكتور الشكعة علمًا ومفكرًا وإنسانًا نبيلاً. -------- * كلية الآداب جامعة المنوفية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل