المحتوى الرئيسى

المعونات الأجنبية.. فتش عن الفساد

04/28 08:15

د. رأفت رضوان يصحو المجتمع المصرى على واقع أليم بسبب طوفان الفساد الذى طال كل رموز النظام السابق، بل ووصل إلى رأس ذلك النظام، فى ظاهرة يصعب تصديقها ويقف المرء حائراً أمامها فى تساؤل بسيط هو: لماذا؟ والحقيقة أن هبة مواجهة الفساد التى يعيشها المجتمع المصرى الآن، هى ضرورة حتمية لنجاح الثورة فى تحقيق هدفها النهائى بالانطلاق إلى النهضة الشاملة لنقل مصر لمصاف الدول المتقدمة وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا فى بيئة شبه خالية من الفساد. ومما لا شك فيه أن الفساد كان قد استشرى فى جميع مؤسسات العمل العام بل والخاص، وبصورة جعلت لهذا الفساد فاتورة ضخمة تولى تحصيلها القادرون والأغنياء وقام بدفعها الفقراء والبسطاء مما زاد من الفوارق بين الطبقات وأدى لانحسار الطبقة المتوسطة أو انكفائها على ذاتها. وبالطبع فإن الفساد الذى يبدأ «بالرأس»، فإنه يمتد سريعاً ليصل إلى كل مكان، عملاً بالحكمة القائلة إن السمكة تفسد من رأسها، وهذا الفساد المستشرى يحول دون تحقيق تحول جذرى فى الواقع المصرى إلا إذا تم تنظيف مده السرطانى والقضاء على كل خلاياه، التى تنخر فى وجدان الشعب المصرى. وبالرغم من أن للفساد قصة طويلة فى مصر، فإننا نستطيع أن نؤكد أن بدايتها جاءت مع انفتاح مصر على المعونات الأجنبية والتى بدأت فى نهايات عمر الرئيس الأسبق أنور السادات وتضخمت فى عهد الرئيس السابق حسنى مبارك. فالمعونات الأجنبية، وبالأخص فى بدايتها، جاءت بلا ضوابط وبدون قواعد حاكمة فى صرفها، فبدت كهبة مقدمة للمسؤولين الحكوميين مطلوب منهم صرفها خارج نطاق القواعد الحكومية، التى كانت صارمة حينذاك، وهو ما فتح باب الفساد على مصراعيه. إن مصر خلال السنوات الثلاثين من حكم مبارك كانت تتلقى قرابة 4 مليارات دولار سنويا كمعونات من الكثير من دول العالم. حوالى نصف هذه المعونات كان يأتى من أمريكا (بمتوسط سنوى 2 مليار دولار) ويتوزع الباقى بين الاتحاد الأوروبى واليابان وكندا، مرورا بالدول والصناديق العربية، وصولا إلى الصين!!! هذه هى الصورة، 4 مليارات دولار سنويا لمدة 30 عاما تساوى 120 مليار دولار أى ما يصل بالجنية المصرى إلى أكثر من 600 مليار جنيه!!! أغلبها مبالغ خارج نطاق المحاسبة والمساءلة الدقيقة وبالأخص فى بدايات تلك المعونات، وقبل أن تفيق بعض الدول المانحة وتكتشف حالات الفساد فى التعاطى مع تلك المعونات وتحاول وضع بعض الضوابط غير المانعة، خصوصا بعدما استساغ المسؤولون طعم دولارات المنح، ولم يعودوا قادرين على التوقف أمام مذاقها اللذيذ. هذا الملف، الأكثر فساداً، شهد تكون شبكات مترابطة بين بعض العاملين فى المكاتب المسؤولة عن إدارة المعونات وبعض المسؤولين الحكوميين (بل وبعض مسؤولين من المجتمع المدنى والقطاع الخاص) للوصول إلى نوع من الاتفاق الضمنى الذى يرضى الجميع!!! الجانب المصرى يوجه الإنفاق على الوجه الذى يراه مقابل إقراره بأن المنحة حققت الأهداف المرصودة من أجلها، ويقوم بالتوقيع للجانب الأجنبى على ذلك ويدلى بشهادته أمام من يرسلهم الجانب الأجنبى من مفتشين للتدقيق فيما تم تنفيذه من مشروعات. والجانب الأجنبى يسعد بتقارير وشهادات المسؤولين من الجانب المصرى ليقدمها إلى حكوماته وهيئاته المسؤولة كدليل على حسن صرف المبالغ التى تحملها دافع الضرائب فى تلك الدول. ملف المعونات الأجنبية انطلقت منه إشارات الفساد الأولى على مستوى رأس السلطة فى واقعة حسابات مكتبة الإسكندرية المخفية عن الكافة، كما شهد إيماءات فساد مركز تحديث الصناعة، فيما يخص دعم شركات الوزراء والمسؤولين السابقين، ناهيك عما كان يصرف على المجالس التى كان يطلق عليها قومية والمراكز الأخرى التى أنشئت على شاكلة مركز تحديث الصناعة، وهو ما يكشف أننا أمام قمة جبل الجليد والتى تخفى أكثر مما تظهر.  أنا أقدر أن هناك تخوفاً من فتح هذا الملف الأسود حتى لا ينعكس سلبا على الدول المانحة، لكن هذا الخوف لا مبرر له، فالكثير من الدول عرفت هذه الوقائع وكانت قد بدأت التعامل معها بواقعية ودقة أكثر، والعقلية الغربية تقبل بالعفو عن الخطأ لكنها لا تقبل بالتغطية على الأخطاء حتى لا تتكرر، وعلينا أن نحترم هذه العقلية بدلا من التعامل معها بالمبدأ المصرى «دارى على شمعتك تقيد».  ملف المعونات الخارجية من كل مصادرها يحتاج أن يفتح الآن وبسرعة لنعرف أين ذهبت الـ600 مليار جنيه، فحساب مكتبة الإسكندرية الذى كان مخفيا كان يحوى قرابة المليار جنيه، فكم حجم الحسابات الأخرى المخفية. الأمر يحتاج لتشكيل لجنة مالية قانونية على وجه السرعة لتدخل إلى هذا الكهف المظلم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل