المحتوى الرئيسى

د. رجاء منصور يكتب: بعد مرور 25عاما على إنشاء مركز أطفال الأنابيب

04/27 20:28

إن الإخصاب خارج الجسم ونقل الأجنة المتكونة إلى رحم الأم أو ما يعرف بأطفال الأنابيب يعتبر من أهم الإنجازات العلمية التى حدثت فى مجال علاج العقم . لقد ولدت أول طفلة " لويز براون" عام 1978 بعد مجهود طويل ومضنى طوال مدة عشرة أعوام قام به العالم روبرت إدواردز و الدكتور باتريك استبتو. والفكرة فى هذا النوع من العلاج تتلخص فى التقاط البويضات من جسم السيدة وإخصابها فى المعمل باستخدام الحيوانات المنوية للزوج ثم نقل الأجنة الناتجة إلى الرحم وقد تبدو الفكرة بسيطة وسهلة لكنها تتكون من سلسلة من الخطوات الدقيقة والمعقدة . ويجب الاعتراف بأن هذا الحدث الهام كان نتيجة لسنوات من البحث والعمل تمت فى أماكن مختلفة فى نفس الفترة فى كل من انجلترا واستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وعندما ولدت لويز قال د. استينو ( إن هذه هى المرة الأولى التى قمنا بحل كل المشكلات مرة واحدة . نحن فى نهاية البداية وليس بداية النهاية ) ومنذ ذلك الحين فإن علم أطفال الأنابيب أخذ فى الانتشار تدريجيا فى أنحاء مختلفة من العالم وأخذ العلم والعلماء فى التعمق والبحث فى هذا المجال , ونشأ عن ذلك طرق أخرى كثيرة لعلاج العقم حتى أصبح هذا العلم يطلق عليه ( الإخصاب الطبى المساعد ) حيث يشمل طرق أخرى كثيرة غير أطفال الأنابيب ولكنها فى الأساس نشأت عنه واعتمدت على فكرته. أما فى مصر فقد سمعنا عن هذا الحدث الهام وكنت فى ذلك الوقت - يوليو 1978 -على وشك الانتهاء من فترة الثلاثة سنوات طبيبة مقيمة فى قسم النساء والتوليد فى القصر العينى وقد لاقى الخبر منى كثيرا من الإنبهار والإعجاب والإحساس أن معجزة ما قد تحققت وأن العلم أخيرا قد نجح فى تحقيق أمنية من أغلى ما يتمناه البشر ولا زلت أتذكر يوم صدور الخبر أن دار بينى وبين والدى ( رحمه الله ) .لقد سألنى بإندهاش هل يمكن أن ينجح العلماء فى إخصاب البويضات خارج جسم الزوجة وإنماء الجنين؟ وما هى أقصى مدة يمكن للعلماء الإحتفاظ بالأجنة فى المعمل والمحافظة على حيويتها ونموها الطبيعى ؟ هل هى عدة شهور ؟ ولم تكن الأمور حينئذ من الوضوح بحيث نتفهم ماذا تم بالتفصيل ولم نكن نحن فى هذه السنوات ندرس أى شئ عن إمكانية إخصاب البويضات ونقل الأجنة حتى على مستوى درجة الماجستيروالدكتوراه فى تخصص النساء والتوليد . ولم يكن أيضا متاحا فى تلك السنوات وسائل تبادل المعلومات والحصول على المعرفة عن طريق الإنترنت كما هو حادث الآن. وكنت فقط قد تابعت بعض المعلومات عن هذا الموضوع عن طريق النشرات العلمية وكانت فكرتى عنه أنه مازال على مستوى التجارب على الحيوانات، أضف إلى ذلك السرية والتحفظ التى غالبا ما تحيط بأى اكتشاف علمى فى مراحله الأولى ولذلك لم أجد وقتها المعلومات الكافية التى يمكن أن أجيب بها على والدى ولكنى كنت قد ايقنت منذ هذه اللحظة أن هذا هو التخصص الوحيد الذى أرغب فى أن أكرس له حياتى ولم أكن أعرف وقتها كيف يمكن تحقيق ذلك الهدف الذى بدا بعيد المنال وأيقنت فى نفسى أن معجزة كبيرة قد تحققت فى مجال علاج العقم . وفى أواخر عام 79 سافرت إلى أمريكا ومن حسن الحظ أن يكون فى الولاية التى سافرت اليها ( أوهايو ) أوهايو ستيت فى قسم النساء والتوليد ثالث برنامج على مستوى امريكا يبدأ فى عمل أطفال الأنابيب، وذهبت لمقابلة رئيس القسم د. مون كيم وأنا أحمل إليه كل أوراقى وأطلب منه أن ألتحق بأى وظيفة فى قسمة وقبلنى على الفور فى وظيفة باحث ما بعد الدكتوراة، وأنتقلت وقتها من العمل الأكلينيكى فى مجال أمراض النساء والولادة الى العمل البحثى العلمى فى المعامل ووجدت أمامى متاحا أكبر المعامل المجهزة وبدأت أتعلم كيفية البحث العلمى والعمل معا كفريق متكامل وشاركت مع هذا الفريق فى أبحاث إخصاب بويضات الفئران فى المعمل حتى نجحنا فى إخصاب عدد 2000 من بويضات الفئران وحصلنا على تصريح بالبدء فى علاج السيدات . وفى نفس الوقت بدأت العمل فى برنامج أطفال الأنابيب الأكلينيكى وأسند الى العمل والأشراف على المعمل . ولازلت أتذكر الفرحة الغامرة التى شعرنا بها عند نجاح أول حالتين وكيف أن توافدت علينا بعد ذلك السيدات تدريجيا مع زيادة الثقة فى هذا النوع من العلاج. ومع مرور السنوات قابلت العديد من الأزواج المصريين الذين أتوا للعلاج فى الجامعة التى كنت أعمل بها وراودتنى فكرة العودة الى مصر ونقل هذه التكنولوجيا الحديثة اليها ولم يكن فى مصر أى مكان لدية الخبرة ليقدم خدمة علاج العقم عن طريق أطفال الأنابيب .وقبل العودة راسلت بعضا من زملائى واساتذتى لإطلاعهم على الفكرة ومدى تقبل المجتمع لهذه التكنولوجيا الحديثة وكان هناك عددا ممن تحمسوا للفكرة ومن بين هؤلاء الدكتور محمد أبو الغار أستاذ أمراض النساء والتوليد بجامعة القاهرة والذى عرفنى بعد ذلك بالدكتور جمال أبو السرور أستاذ أمراض النساء والتوليد بجامعة الأزهر وكان هذا إختيارا موفقا حيث يتمتع الاثنان بسمعه طيبة بين الاطباء والمرضى وبدأنا فى تجهيز أول مركز لأطفال الأنابيب فى مصر. وحرصت أن يكون مطابقا للمركز الذى كنت أعمل به فى جامعة أوهايو وأفتتح المركز فى ربيع عام 1986 وحرصت أن يكون إسمه المركز المصرى لأطفال الأنابيب وقد كان شائعا فى هذا الوقت أن يضاف اسما لبلد أجنبى . وبدأنا العمل بروح الفريق وكنا سبعة أطباء فقط وبمرور السنوات وتراكم الخبرات أصبح المركز يضم فريقا كبيرا . وظل المركز هو الوحيد فى مصر لعدة سنوات ثم بدأت بعض المراكز الأخرى فى الظهور حتى أصبح عدد مراكز أطفال الأنابيب فى مصر الآن خمسون مركزا أو يزيد . وقد نتج عن البحث العلمى الجاد بالمركز نشر أكثر من مائة وثلاثين بحث فى المجلات العلمية الكبرى وأدى ذلك الى وضع مصر فى مكانة مرموقة عالميا فى هذا التخصص .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل