المحتوى الرئيسى

شريف الغريني : المفاجأة خير من النوم

04/27 19:19

إسرائيل كانت المستفيد الأكبر وربما الأوحد من معاهدة السلام ، فإسرائيل قبل معاهدة السلام كانت لا تتعدى كونها دولة عنصرية معزولة إقليميا  وعالمياُ، تتعامل معها بعض دول العالم سراً باستثناء حلفائها التاريخيين من الدول الغربية  ، و كان اقتصادها هش غير أمن يعتمد كلياً على المعونة الغربية التي كانت  تنفق أكثرها على التسلح ، أما بعد معاهدة السلام ، فقد تسارعت كل الدول في الاعتراف بها والتعاون معها وهذا أمر طبيعي بعد أن قامت مصر “الدولة صاحبة الحق” بالاعتراف بإسرائيل عملا بمبدأ “وإذا كان رب البيت ….” الحقيقة أن إسرائيل استطاعت في وقت قياسي أنشاء علاقات اقتصادية مع جميع دول العالم  ،و اندمجت في شراكات وتعاونات موسعة مما أسفر عن استقرارها اقتصاديا وسياسياً حتى صارت منطقة جاذبة للاستثمار كما أصبحت مقصداً سياحيا مهماً ، بل أنها كانت ومازالت تضع سيناء بمعالمها السياحية وشواطئها كجزء من البورتفوليو السياحي الخاص بها و الذي تعرضه ببجاحة في دعايتها السياحية للقادمين إليها من أوروبا وأمريكا واستراليا واليابان!  ثم أصبحت  بعد كل ذلك موردا مهماً للسلاح لكثير من دول حركة عدم الانحياز  تلك المنظمة التي تحللت بفعل الزمن وبفعل غياب القادة العظام من أمثال ناصر- تيتيو- نهرو .. لنا أن نتصور مثلا أن بلد بحجم الهند لم تكن تعترف بإسرائيل قبل معاهدة السلام  ، و لكن بعدها صارت الشريك النووي الإستراتيجي لها ، إضافة إلى دول أخرى عديدة مثل روسيا والصين وغيرها ، وفوق كل هذا كانت حكومة مبارك المحبوسة حاليا بسجن طره تخطط لمد مياه النيل إلى إسرائيل  عبر سيناء  تماماً كما حدث في موضوع الغاز ، ولا يمكن أن ننسى اتفاقية الكويز التي تعطى لإسرائيل نسبة عشرة بالمائة تقريباً من عائد مبيعاتنا في أمريكا كمساهمة منا في دعم اقتصاد إسرائيل ، على العكس من ذلك كانت مصر قبل معاهدة السلام دولة رائدة عالميا وقائدة إقليميا تتمتع بنسيج اجتماعي متجانس ،لم تكن لديها شرائح متناحرة ولا تشرذم ولا طائفية مفتعلة مزروعة عمداً مع سبق الإصرار والترصد  بأيد المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وبعض العملاء المحليين ، و كانت  مصر أيضاً قائدة الحلم العربي والوطن الأكبر ولم تكن وقتها مخترقة أمنيا كما هو الحال اليوم ،حتى أننا  استطعنا قبل هذه المعاهدة أن نبنى قاعدة صناعية كبرى و استطعنا توسيع  رقعة الأرض الزراعية إلى أكثر من الضعف تقريباً وهو مازلنا نعيش عليه حتى اليوم ، و سبق كل ذلك تأميم القناة وبناء السد وتحقيق النصر السياسي على القوى العظمى والحفاظ على كرامتنا الوطنية  مع حدوث كبوات لا يمكن إغفالها وفى نفس الوقت لا يمكن  مقارنتها بما حدث لمصر بعد معاهدة السلام ، حيث تفرق عنها كل شركاؤها العرب في المدى القريب وفقد المواطن المصري احترامه وكرامته محليا و في المدى الأوسط والمدى البعيد من الخريطة ، لدرجة  أن صدام حسين دعا وقتها إلى تأسيس جيش من العرب لمحاربة مصر ! في الوقت الذي كانت تتجمع لإسرائيل أحلاف في  كل الآفاق التي كانت بالأمس ملاعب ومحاور تتحكم فيها مصر ببساطة  ، حتى انتهى بنا الحال إلى دولة معزولة أسمها مصر وحالها يبعث على الرثاء ،تابعة كلياً لأمريكا وإسرائيل ،  ليس هذا فحسب بل فقدت مصر بعد ذلك  أغلب نفوذها الثقافي و معظم قوتها الناعمة  “وتحضرني بشدة قصة عن الخليج العربي الذي كان اسمه الخليج الفارسي والذي أصبح لمدة طويلة يحمل اسم الخليج العربي بسبب كلمة عابرة حيث ورد ذكره  باسم الخليج العربي بالخطأ في خطاب لعبد الناصر فأستقر على هذا الاسم  و منذ ذلك الحين وإيران تناضل لإعادة تسميته بالخليج الفارسي”  كما كان .. وأعنى من هذه القصة أن ناصر احتل إيران بكلمة في خطاب وهذا يوضح مدى ما كنت عليه  قوة مصر الناعمة  ، التي تم تجريدنا منها لاحقاً بشكل مدروس على يد إسرائيل وأمريكا لأنهما تعلمان خطورة هذا السلاح والذي لا يمكن استعادته بسهولة كما لا يمكن بناؤه بسهولة .. لقد باع السادات لإسرائيل كل ما بنته مصر حديثا وقديما في لحظات ، وللأسف مازال البعض يصفه بالحكمة والدهاء السياسي ! لا ضير !.. فإن يكن قد قيل عنه ذلك من قبل ، فقد قيل أيضا عن مبارك المخلوع : أنه حكيم الشرق الأوسط والمستشار العاقل للدول الكبرى !المحصلة أن مصر لم تكسب شيئا من وراء معاهدة السلام ، و لا خطت خطوة واحدة للأمام ولم تخرج من نطاق الدول الفقيرة ، حتى لو سمحنا لأنفسنا أن نقيم هذه المعاهدة براجماتياً ما وجدنا منفعة واحدة تذكر .. لماذا إذاً كان تعاهدنا مع إسرائيل ؟ وإلى أي جحيم ساقتنا حكمة أنور السادات  ؟ للأسف لم يكن أنور السادات سوى رئيس تعس لبلد سيء الحظ ، كان لا يريد  سوى أن يضع قامته لتساوى قامة عبد الناصر بأي ثمن  ، تلك كانت قضيته الكبرى فراح يستعجل الانجازات التي غلب عليها الطابع الدعائي وغاب عنها المضمون ، فراح يستعجل النصر في معركة اعتمد خطتها عبد الناصر ولكنه مات قبل التنفيذ في ظروف مجهولة ، ليتسلم السادات القيادة ثم إذا تحقق جزء من هذا النصر رضي واكتفى بكيلومترات شرق القناة واهماً شعبه باستعادة بقية سيناء بالمفاوضات ، وبنفس العجلة في حرب أكتوبر؛ تعجل السلام ، وهو ما يثبت أنه حارب إسرائيل وهو يفكر في مهادنتهم  مع العلم بأن عبد الناصر رفض ذلك عندما عرضوا عليه سيناء مقابل وقف حروب الاستنزاف والحياد فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني ، وعلى العكس مضى في الإعداد لاستعادة الأرض بالقوة لأنه كان يعلم أنها لن تعود كاملة السيادة إلا بالقوة ، تماما مثلما استعاد قناة السويس ،و ها هي سيناء شاهدة على صدق نظريته ؛ عادت سيناء .. نعم ولكنها عادت  منقوصة السيادة مكبلة بشروط مخزية تقترب من فكرة الحكم الذاتي الذي رفضته فلسطين فيما يتعلق بالجزء الخاص بها من الاتفاقية.. وأنت في الطريق إلى سيناء لن تعامل إلا على أنك زائراً ولن يسمح لك فيها بإقامة  مشاريع  وطنية كثيفة العمالة ولن يُسمح لأحد  هناك بتملك شبر واحد من الأرض حتى أن المصريين من عرب سيناء لم يشعروا بفارق بين حالهم إبان الاحتلال قبل المعاهدة و الاحتلال بعده.. ..اليوم وامتداداً لسيل الخسائر الناتجة عن هذه المعاهدة ، تقود إسرائيل حملة مرعبة لتعطيش مصر بل وتعد إثيوبيا بدعم وتمويل أخطر مشروع على أمن مصر القومي ، ولكننا للأسف مازلنا نتحدث هنا عن الالتزام بمعاهدة السلام .. على الجميع أن يعي أن إسرائيل في هذا المسعى لا تبغي سوى توجيه مصر ما بعد الثورة بدبلوماسيتها واقتصادها وجيشها نحو حرب صعبة مع دول الجنوب لتتفرغ هي لمشاريعها التوسعية الاستيطانية التهويدية ، وأرى ببساطة ودون مواربة أن نفاجئهم  “بإلغاء” هذه المعاهدة المهينة فوراُ ونشر القوات المسلحة المصرية على كامل سيناء ولتفهم إسرائيل ما تشاء ..أعتقد أن تحركاً  مباغتا كهذا من شأنه وأد مشروع إثيوبيا في مهده ، بذلك ستعلم إسرائيل خطورة الموضوع ومدى جديتنا وستعلم إثيوبيا حين تتخلى عنها إسرائيل مجبرة إلى أين هم كانوا ذاهبين شططاً !.. المهم أننا لا يجب أن نسير كالعميان إلى حفرة عميقة في إفريقيا أعدتها وتدعونا إليها إسرائيل ، فالمفاجأة واتخاذ القرار المباغت سيقلب الموازيين وسيجهض المخطط السافل ..المفاجأة خير من النوم.. المفاجأة خير من النوم.مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل