المحتوى الرئيسى

د.محمد محفوظ : الدولة المدنية الديمقراطية هى الحل

04/27 19:19

تبدو الدولة المدنية من وجهة نظر منتقديها ؛ دولة مناهضة للدين ؛ تعمل على تقليص دور الدين في المجتمع بحيث لا يمتد نفوذه إلا داخل دور العبادة ؛ ولا يتجاوز لأبعد من ذلك .والدولة المدنية من وجهة نظر معارضيها ؛ دولة تدير ظهرها لأحكام الله ( أوامره ونواهيه ) ؛ وتستبدلها بأحكام بشرية ؛ غالبا ما تخطئ وقلما تصيب .ويمتلك المخالفون للدولة المدنية حجة عقلية غاية في البساطة ؛ تتأسس على قاعدة منطقية مفادها : بأن الله تعالى هو خالق الإنسان ؛ وبالتالى فهو سبحانه وتعالى القادر وحده على وضع المنهج ( الكتالوج ) ؛ الذي يضمن الإرشادات المثالية لحركة الإنسان في الحياة . وبالتالى ؛ طالما قضى الله سبحانه وتعالى أمراً فلا مجال للالتفاف حول هذا الأمر ؛ بل يصبح الانصياع له واجباً ولازماً .ولكن ؛ رغم وجاهة هذه الأفكار وبساطتها ؛ إلا أن القضايا التى تفصل فيها ؛ أعمق من أن يتم الوصول لقاعها بمثل هذه البساطة ؛ بل يحتاج الأمر إلى المزيد من الغوص بعيداً عن السطح الرائق الظاهر ؛ لنستكشف الطبقات التى تظل مختفية عن النظرة العابرة والمنطق المباشر البسيط .والواقع أن أول مظهر يسئ لسمعة الدولة المدنية ؛ هو أنها دولة لا تطبق ( الحدود ) التى نص عليها القرآن ؛ وباقى الكتب السماوية كالإنجيل والتوراة . الأمر الذي يمثل خروجاً عن منهج الله لصالح تشريعات بشرية .وإذا تأملنا لفظ ( الحدود ) ؛ فإنه من حيث موضعه في القرآن ينصرف إلى : تنظيم الطلاق ؛ والمواريث ؛ والصيام ؛ والاعتكاف ؛ وكفارة الرجوع عن ظهار الزوج لزوجته . ولم يرد مطلقاً في آيات القتل ؛ والسرقة ؛ والزنى ؛ والقذف ؛ ومحاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض .إلا أن اللفظ اكتسب مدلوله العام في نصوص روايات أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لكى يدل على العقوبات المقررة لبعض الأفعال المحرمة .ولعل السياق الذي ورد فيه لفظ الحدود ضمن آيات القرآن الكريم ؛ لا يشير إلى الحدود باعتبارها قيود لا يتم تجاوزها أو التقهقر عنها  ؛ وإنما هو يشير إليها – حصراً – باعتبارها ما لا يمكن تعديه أو تجاوزه . مصداقا لقول الله تعالى :( تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فأولئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ) [ البقرة: ٢٢٩]( وَمَنْ يَعْص اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلهُ نارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )[ النساء: ١٤]( وَتِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فقَد ظَلَمَ نفسَهُ .. )     [ الطلاق: ١]وبالتالى ؛ فالحدود هى ما لا يتم تجاوزه ؛ وتمثل الدرجة القصوى التى تصل إليها العقوبة على الفعل المحرم فى أشد درجاته ؛ بما يعنى إمكانية النزول عنها لمواجهة الأفعال المحرمة فى درجاتها الأقل شدة .فإذا قلنا لشخص ما ؛ تلك حدود أرضك فلا تتعداها ؛ فإن هذا لا يعنى أن يقتصر سيره فوق الخطوط المرسومة لحدود الأرض فقط ولا يخرج عنها ؛ وإنما يعنى أن يسير داخل كل الأرض تقدماً وتراجعاً دون أن يتجاوز هذه الخطوط أو الحدود .فالحدود فى القرآن ؛ هى تعريف بالحد الأقصى للعقاب الذى لا يمكن تجاوزه ؛ ولكن يمكن النزول عنه بعقوبات أقل ؛ فأقل ؛ بما يناسب شدة الفعل المحرم .فالحدود ترسم مساحة ؛ خطوطها الخارجية ( القصوى ) هى التشريع الإلهى ؛ ومحتواها ( النسبى المتدرج ) هو التشريع البشرى ؛ أو ما يسمى فقهاً ( التعزير ) .وبالتالى ؛ لا مجال للتمترس على خط الحدود ورفض أى إمكانية للنزول عن مداها الأقصى .كما أنه لا مجال أيضاً لتفضيل تشريع بشرى على آخر ؛ أو تعزير بشرى عل آخر ؛ اعتماداً على التعصب لمذهب فقهى أو الانبهار بإنجاز تراثى . وذلك مصداقا لقوله تعالى :( خـُذِ العَفوَ وَأمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعرضْ عَن الجَاهِلِينَ ) [ الأعراف: ١٩٩ ]فالعفو هنا ؛ لا يعنى إلغاء الحدود ؛ وإنما يعنى النزول عن حدها الأقصى بما يناسب شدة الفعل المحرم .والعُرف هنا – أيضاً – لا يعنى هجر الحدود ؛ وإنما يعنى النزول عن حدها الأقصى بما يناسب السائد والمألوف من قواعد التحضر والرحمة والتقاليد .والإعراض عن الجاهلين ( أى الفارغين من العلم ) يعنى – بمفهوم المخالفة – الاستعانة بأهل العلم فكراً وعملاً ؛ أى المتخصصين فى مجالاتهم المتنوعة .وبالتالى ؛ لا مجال للأخذ بالعفو أو الأمر بالعُرف ؛ إلا بناء على دراسة علمية تحترم التخصص الذى تقتضيه المسألة المطروحة .الحدود إذن خطوط لا ينبغى تجاوزها ؛ ولكن يمكن الانطلاق داخل مساحتها بفقه العفو وقواعد العُرف ومنهج العلم .نعم ؛ فقه العفو .. وقواعد العُرف .. ومنهج العلم .فقه العفو ؛ يرى العقوبات متدرجة وفقاً للآتى :-        شدة الفعل المحرم ومدى تكراره .-        قواعد العُرف السائد ومدى استقراره .-        منهج العلم المعروف ومدى انتشاره .ومن ثم فإن لجوء الدولة المدنية الديمقراطية للتشريع البشرى ( القوانين ) لمواجهة كافة صور الشدة المتدرجة لجرائم الحدود ؛ هو أمر يدور فى إطار ما أمر به الله طالما لم يتجاوز العقوبة الحدية . وهذا يؤكد بأن الدولة المدنية تعترف بالحدود ولا تنكرها .ولعل المظهر الثانى الذى يسئ للدولة المدنية ؛ وصفها بأنها دولة تفصل بين الدين والدولة ؛ وبالتالى تجرِّد الدولة وحكامها ومواطنيها من الوازع الدينى ؛ وتترك الدين مهجوراً معزولاً داخل دور العبادة .والواقع أن الدولة المدنية لا تتعامل مع الدين بهذا المنطق ؛ وإنما تتعامل مع الدين باعتباره مصدراً للقيم والأخلاق والضمير ، وبالتالى فهو جوهر ومضمون كل اجتماع بشرى.وتتعامل مع الدولة باعتبارها مصدر للنظام والتخطيط ؛ وبالتالى فهى الإطار والهيكل لكل اجتماع بشرى.وهذا يوضح ، بأن الدين ( كمنظومة للقيم ) هو جوهر كل دولة ، بينما الدولة ( كإطار ) هى المجال لحركة الدين .وهذا يوضح بأن الدولة المدنية ؛ لا تفصل الدين عن الدولة ؛ وإنما تفصل عن الدولة ؛ رجال الدين . فالدولة لها رجالها وهم الساسة ؛ والدين له رجاله وهم رجال الدين . فلا رجال دين فى السياسة ؛ ولا رجال سياسة فى الدين .وتلتزم الدولة المدنية بفصل رجال الدين عن الدولة ؛ لأنها ترى أن سلطة الدين مقرها نفس الإنسان وليس قصور الحكام ؛ ولذلك تحتفظ لرجال الدين بسلطتهم الروحية الدعوية ؛ وتحتفظ للساسة بسلطتهم المادية الجبرية .ولا شك بأن هذا الفصل يحقق مصلحة الدولة والدين معاً . وذلك لأن الدين جوهر اختياري وليس شكلاً أو مظهراً أو سمتاً إجباريا ، ومن ثم فإن موقعه الحقيقى هو النفس الإنسانية التى إن استوعبته عكسته على الواقع ؛ فأصبح هذا الواقع مسايراً لمنهج الله .فالدين عرشه فى النفوس ؛ وليس على مقاعد السلطة التى إن استحوذت عليه فرضته فرضاً على الواقع والناس ؛ فصار شكلاً يفتقد الجوهر والمضمون .وهذا يوضح أن الدولة المدنية عندما تقوم بالفصل بين رجال الدين والدولة ؛ فإنها بذلك تُعلى من شأن الدين ؛ وسلطته الروحية التى إن تغلغلت فى النفوس فإنها تنعكس بالخير على الواقع.ويتمثل المظهر الثالث الذى يسئ للدولة المدنية ؛ فى أنها دولة تسمح بالحرية الدينية لأقصى مدى ؛ بما قد يؤدى عملياً إلى انتشار الدعوات اللادينية التى تتطاول على الدين وتهدد بزواله .والواقع أن الدولة المدنية باعتناقها لمبدأ الحرية الدينية لحدودها القصوى ؛ لا تخرج بذلك عن منهج الله ؛ بل هى – قولاً وعملاً – تلتزم به ؛ لأنها تعترف بما اعترف الله به للإنسان ؛ وهو أنه حر ومخيَّر . فالأمانة التى حملها الإنسان هى أمانة العقل ومسئولية الاختيار ؛ ولذلك أقر الدين حرية الإيمان ؛ مصداقاً لقوله تعالى :( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرشْدُ مِنَ الغيِّ .. ) [ البقرة: ٢٥٦ ]كما كفل الدين للناس حرية الكفر أو الإيمان ، مصداقا لقوله تعالى :( فَمَنْ شَاءَ فَليُؤمِنْ وَمَنْ شَاءَ فليَكفر ) [ الكهف: ٢٩ ]وذلك لأن الله بعلمه الشامل ؛ علم يقيناً أن الحرية هى السبيل الوحيد للوصول بالإنسان إلى الإيمان الحق ، وليس الإيمان الموروث .فالحرية هى السبيل لصحة الاعتقاد ، والله الذى خلق الناس والمصالح ، جعل مشيئة الإنسان قائدة للإيمان ، لأنه سبحانه يريد أن يؤمن به الأحرار ، العباد فى طاعته ؛ ولكنهم الأحرار فى التزام تلك الطاعة .ولذلك ؛ فإن الدولة المدنية بحمايتها للحرية الدينية تعزز من الإيمان الحقيقى القائم على العقل والإصلاح فى الأرض ؛ وتقلص من الإيمان الشكلى المقتصر على الشعائر واللامبالى بمصالح الناس وصلاح الأرض .ولعل اللافت للنظر ؛ أن البحث التاريخى يثبت أن الدولة غير المدنية هى التى تحاصر رجال الدين وتطاردهم ؛ لأنها بعدم سماحها بالحرية الدينية إلى حدودها القصوى ؛ تحتضن التزمت والتعصب ؛ وتضيق بالفكر الدينى القائم على الإصلاح فى الأرض ؛ ولنا فى محنة الإمام أبوحنيفة النعمان والإمام أحمد بن حنبل ؛ بالغ العبر .وبالطبع لا يمكن اعتبار دول الاستبداد العربى المعاصرة دولاً مدنية ؛ لأنها دول لا تعترف بأى حرية أساساً بما فيها الحرية الدينية !!!…………..الدولة المدنية – إذن – لا تنكر الحدود ؛ ولكنها تتعامل معها بفقه العفو وقواعد العرف ومنهج العلم . ولا تفصل الدين عن الدولة ؛ وإنما تفصل عنها رجال الدين . ولا تشجع الدعوات اللادينية عندما تسمح بالحرية الدينية لحدودها القصوى ؛ وإنما تشجع فطرة الله فى الأرض القاضية بأنه لا جدوى من إيمان الناس إن لم يكونوا أحراراً .الدولة المدنية لا تنشغل ببناء أقفاص ذهبية معقمة لتحبس الناس بداخلها بدعوى الحفاظ على الدين ؛ لأن الدين الحق ينمو فى المجتمعات المفتوحة الحرة وليس المجتمعات المنغلقة المسورة . ولأن الله خلق الإنسان حراً لكى يمارس الخطأ والصواب ؛ والكفر والإيمان ؛ والشر والخير ؛ وبالتالى لا مجال لإقامة مجتمعات معقمة على الأرض ؛ لأن الله بعد أن استجاب لدعوة نوح عليه السلام بألا يترك على الأرض أحداً من الكافرين ؛ عادت الأرض بعد سنين وامتلأت بمن هم أشد كفراً .الدولة المدنية لا تنشغل بإقامة العدالة المطلقة ؛ ولكنها تجاهد لكى تحقق أكبر قدر من العدالة لأكبر عدد من الناس .الدولة المدنية – إجلالاً وليس اجتراءً – لا تنشغل بالدفاع عن حقوق الله ؛ وإنما تنشغل بالدفاع عن حقوق الناس ؛ لأن الناس فى حاجة إلى من يدافع عن حقوقهم ؛ والله العزيز القادر غنى عن العالمين .الدولة المدنية لا يترأسها ( خليفة ) أو ( مرشد أعلى ) أو ( إمام ) أو ( أمير للمؤمنين ) اختاره الله ؛ وإنما يترأسها موظف انتخبه الشعب ليحقق ما يريده الشعب ؛ فإن أخفق اختار غيره الشعب .الدولة المدنية لا تتدخل فى حياة الناس الخاصة إلا بالقدر الذى يمنع الإضرار بالآخرين ؛ ومن ثم لا تعطى لنفسها الحق لكى تتلصص وتتجسس على الناس بدعوى صيانة المجتمع من الحرمات ؛ فمن ستره الله لا ينبغى هتك ستره .الدولة المدنية الديمقراطية ؛ لا يمكن أن تكون دولة لادينية ؛ لأنها دولة تعترف بالتنوع ؛ وتمارس إدارة الاختلاف ؛ وتقر سيادة القانون ؛ وترسى مبدأ الفصل بين السلطات .الدولة المدنية الديمقراطية هى الطريق لكى تصل كل التيارات على اختلافها إلى الحكم ؛ طالما اختارها الشعب .الدولة المدنية الديمقراطية هى الحل …..*****دكتور / محمد محفوظdr.mmahfouz64@gmail.comت : 0127508604مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل