المحتوى الرئيسى

إتباع منهج التخطيط التأشيري كأداة للتنمية بقلم د.محمد فتحي شقورة

04/27 18:52

إتباع منهج التخطيط التأشيري كأداة للتنمية د. محمد فتحي شقورة باحث تنموي تساعد عملية التخطيط عموماً في حشد الموارد المتاحة واللازمة لتحقيق الأهداف التنموية بما يؤدي إليه من وضوح الرؤية، ويساعد في وضع الآليات والسياسات والإجراءات اللازمة للوصول إلى الهدف النهائي. ويقوم التخطيط التأشيري على نفس مبادئ التخطيط الاقتصادية العامة مع بعض الاختلافات الأساسية فيما يتعلق بالجهة المسئولة عن التخطيط والمشاركين في وضع الخطة، إضافة إلى الاختلافات في الآليات وأدوات تنفيذ الخطة بأنها تضم ممثلين عن القطاع الخاص والهيئات الخاصة ومنظمات المجتمع المدني، بجانب جهة حكومية مسئولة ومشاركة باقي الجهات الحكومية. أما من حيث الآليات فإن التخطيط التأشيري يعتمد أساساً على الحوافز والإقناع وتحقيق مصالح مختف الأطراف، بديلاًُ عن الإلزام بالأوامر المباشرة، وتطبق بلدان متقدمة هذا الأسلوب منذ فترة طويلة خاصة بلد مثل فرنسا التي بدأته منذ الخمسينات من القرن الماضي، كما حاولت مصر تطبيق هذا النوع من التخطيط والذي أطلق عليه التخطيط بالمشاركة. وفي ظل التخطيط التأشيري فإن نشاط القطاع الخاص لا يحاط بالقيود أو الجمود، كما لا يتم التوجيه بشكل مباشر باتجاه تحقيق الأهداف والأولويات الواردة بالخطة، وإنما يظل من المتوقع أن يساهم القطاع الخاص في تنفيذ الأهداف وإنجاح الخطة، وذلك عن طريق قيام الدولة بتقديم كل أنواع التسهيلات لتحفيز القطاع الخاص، وليس بغرض التوجيه أو الإلزام والعمل على جذبه لمجالات العمل التي تساهم أكثر في تنفيذ الخطة. ويعمل التخطيط التأشيري في اقتصاديات مختلفة تقوم أساساً على اقتصاديات السوق حيث تعطي للأفراد حق التملك والعمل والإنتاج، ويدار الإقتصاد فيها وفق آلية السوق مع دور أساسي لجهاز الائتمان. فالهدف من التخطيط التأشيري ليس إلغاء آلية السوق أو مصادرة حرية الأفراد في الملكية أو اتخاذ القرارات، بل أن الجانب الأعظم من وحدات القطاع العام الموجودة تعمل وفق آلية السوق وتتخذ قراراتها تبعاً لجهاز الائتمان. فالتخطيط التأشيري لا يلغي حرية الوحدات الإنتاجية في اتخاذ قرارات الإنتاج أو تحديد مجالات العمل وخصوصاً بالنسبة لوحدات القطاع الخاص وقطاع الأعمال العام الذي يعمل في إطار سوق المنافسة الكاملة. ولعل مشاركة مختلف جهات التنفيذ وقطاعات الأعمال في تحديد الأهداف الأساسية والوصول إلى درجة معينة من الإنفاق بشأنها في أثناء إعداد الخطة، يضفي على العملية التخطيطية الواقعية ويزيد من درجة القناعة لدى المستويات الدنيا عند اتخاذ القرارات ويؤكد سعيها لتحقيق الأهداف المتفق عليها. من جانب أخر هناك نوع يخضع للالتزام المباشر في إطار الخطة التأشيرية مثل قطاع الخدمات الحكومية وقطاع الأعمال العام الذي يعمل في ظروف الاحتكار، ومع ذلك يضل الالتزام هنا ذو طبيعة مختلفة تماماً عن الالتزام الوارد في إطار التخطيط التوجيهي، حيث ينصب الالتزام على الأهداف العامة ويعتمد على وسائل تنفيذ تتعلق بسياسات وحوافز، وليس التزاما بأهداف عينية أو كمية محددة سلفاً من خلال الأوامر المباشرة التي ترد ضمن محتوى الخطة. ولا يرجع هذا الاختلاف في طبيعة الالتزام لاختلاف المنهج فحسب وإنما يستند أساساً على اختلاف الظروف التي يعمل فيها قطاع الأعمال العام والحكومية، في ظل اقتصاديات السوق عن الظروف التي تسود في اقتصاد مركزي. وينظر للتخطيط التأشيري كمنهج وسط بين أساليب حل المشكلة الاقتصادية له خصوصية وأسلوب متكامل، يتضمن عملية مزج دقيقة بين المنهج الشمولي الذي تسيطر فيه الدولة على موارد المجتمع، وبين تخطيط إصلاحي تقوم فيه الدولة بدور محدود في النشاط الاقتصادي يعالج الاختلالات والمتاعب بعد وقوعها دون أن تتدخل بشكل مباشر في آلية السوق والحرية الفردية. ومن ثم وجد التخطيط التأشيري تطبيقاً له في الاقتصاديات المختلطة التي تسمح بتكامل أدوار قطاعات الملكية دون أن تصبح الملكية العامة أيديولوجية مسيطرة، ودون أن تلقي بهموم إدارة الاقتصاد وحل مشاكله على يد خفية لا يراها أحد، ولعل أهم ما يميز هذا الأسلوب ويجعل منه الخيار الأفضل ما يتمتع فيه من مرونة في التطبيق، بحيث يتمشى مع الواقع الذي تعيشه الدولة التي تأخذ به منهجاً ويتطور من خلال الممارسة العملية والمراحل التخطيطية. ويوفر التخطيط التأشيري للأفراد والمؤسسات ووحدات الإنتاج حرية اتخاذ القرارات دون تدخل مباشر. فإذا أرادات سلطة التخطيط تشجيع الإنتاج في سلعة أو صناعة معينة سعت إلى توفير الحوافز والتسهيلات، بما يدفع الأفراد لاتخاذ قراراتهم نحو هذه الصناعة من خلال المحفزات وليس التوجهات. كما أن الخطة في ظل التخطيط التأشيري تسعى لزيادة فاعلية أدوات السوق وتدعيم قدرات الأفراد على اتخاذ القرارات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في عملية التنمية من منطلق أنهم الأقدر على اتخاذ قرارات الإنتاج عن المخططين الذين تتوافر لديهم رؤية واسعة لمجمل الأوضاع والتطورات الاقتصادية والاجتماعية، ويغيب عنهم في الوقت نفسه الرؤية القريبة والواقعية لظروف اتخاذ القرارات. فالتخطيط التأشيري إذن له مبرراته من واقع أهداف التنمية التي لا يمكن تحقيقها اعتمادا على آليات السوق أو بشكل تلقائي، وله مبرراته من حيث أنه لا يصادر الواقع أو يتجاهل حقيقة وجود القطاع الخاص، بل ويسعى لزيادة فاعليته وتوسيع مشاركته وتوجيه أنشطته من خلال التأثير في آليات السوق وتطويرها وليس من خلال الأوامر المباشرة. والواقع أن تطبيق أى منهج شمولي من التخطيط مهما كانت درجة شموليته لا يمكن أن يتقبل طموحات القطاع الخاص، والتنمية ليس من الضروري أن يقوم فيها القطاع العام وحده فهو أحد الوسائل مثله في ذلك كالقطاع الخاص والذي يتفوق عليه في كثير من مجالات التنمية. فالتنمية لا يمكن أن تتحقق بقرارات المخططين من وراء مكاتبهم بل هي مشاركة فعلية من أفراد المجتمع وإطلاق لطاقاتهم وإبداعهم من خلال حرية اتخاذ القرارات الإنتاجية والاستثمارية، ولا توجد وسيلة أكثر فاعلية لزيادة مشاركة الأفراد في التنمية من أن تتاح لهم فرصة المشاركة في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية دون مصادرة على حرياتهم، ومن ثم لا يقف القطاع الخاص موقفاً سلبياً من التنمية بانتظار ما يملي عليه في إطار خطة محكمة خانقة ملزمة بعقود أو غيرها. وتعتبر تجربة التخطيط الفرنسية أقرب الصور لهذا المفهوم حيث اعتمدت على منهج التخطيط التأشيري Indicative بشكل أساسي، وركزت على التأثير في أنشطة القطاع الخاص من خلال الإقناع Persuasion، في حين نظمت قضايا أخرى مثل الاستهلاك عن طريق السياسات المالية والنقدية. وقد تم تطبيق التخطيط التأشيري في فرنسا على مرحلتين، الأولى كانت تتمثل في تحديد معدل النمو الاقتصادي المنظور للاقتصاد ككل، والثانية انصبت على تحليل أوضاع القطاعات ومعدلات النمو المطلوبة في ضوء الهدف العام وضمان تحقيق الاتساق فيما بينها. وشمل هذا التحليل مزجاً لأنشطة القطاع العام والخاص، ومن ثم أطلق عليه تعبير التخطيط الهرموني أو المتناسق. وتتمثل الميزة الأساسية لهذا المنهج بأنه يتجاوز عملية المفاضلة بين ميكانيزم السوق والتخطيط التوجيهي، ويركز بالتالي على عملية التنسيق وضمان المشاركة والإنسجام بينهما. ومن ثم يصبح التخطيط بهذا المعنى ممكناً من خلال النصيحة، المشاركة، الإقرار غير الرسمي، والذي يعتمد على الارتباط المعنوي من خلال ضمان تحقيق المصالح، ويشجع على تبادل المعلومات وتسهيل الأنشطة المشتركة، ويتناسب هذا المنهج مع تعدد شركاء التنمية في فلسطين كما سيتضح من الأدوار المطلوبة لشركاء التنمية الفلسطينية في الفصل اللاحق، الحكومة والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، حيث يتبين ضرورة أن يكون هناك جهد منظم من قبل شركاء التنمية الفلسطينية في عملية التنمية الاقتصادية الفلسطينية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل