المحتوى الرئيسى

الهمُّ بالسيئة والهمُّ بالحسنة

04/27 13:43

بقلم: الشيخ/ أحمد أحمد جاد بسم الله، والحمد لله، وبعد.. فإن الله تعالى لا يحاسب الإنسان على حديث النفس والخواطر العابرة، فإنه لما نزل قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) (البقرة: من الآية 284)، قالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما لا نطيق.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قولوا سمعنا وأطعنا".. قالوا: سمعنا وأطعنا، ثم أنزل الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية 286)، وفي الحديث: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به" (البخاري: 6664)، و(مسلم: 127) وغيرهما.. فالله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ الإنسان بحديث النفس من الوسوسة والخاطرة العابرة، قال الكرماني: "في الحديث أن الوجود الذهني لا أثر له، وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات والعملي في العمليات" (فتح الباري، شرح حديث البخاري).      الشيخ أحمد جادويقول تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)) (الأنعام)، وفي الحديث: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده سيئة واحدة" (البخاري: 6491، ومسلم: 131).. وفي الحديث: "قالت الملائكة: رب، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة- وهو أبصر به- فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جراي" أي من أجلي. (مسلم: 129).. وفي الحديث: ".. من همَّ بحسنة يعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها، كُتبت له حسنة.." (أحمد: 4/ 345).   معنى الهم: الهم إرادة الشيء، وقال ابن القيم: الهم مبدأ الإرادة.. والهم ينقسم إلى: 1- همٌّ: بمعنى حديث النفس، والخاطرة في الذهن التي لم تثبت ولم تستقر في القلب، ولم يتبع ذلك قول أو عمل، وهذا الذي رفع الله المؤاخذة عنه، فهذه وساوس لا قدرة للمكلف على دفعها، فهي خواطر في البال.   2- همٌّ: أراد الشيء، وصمَّم عليه، وعزم على الفعل؛ لكنه لم يفعل.. وهي خواطر يوطن الإنسان نفسه عليها، ويعزم على إدخالها في الوجود، وقد مرت هذه الخواطر على القلب ورضي بها، فالأولى لا يؤاخذ الله عليها، أما الثانية فهي محل المؤاخذة والعقاب، يقول الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة: من الآية 225)، وهذا مثل اعتقاد الكفر والشك في الوحدانية.. قال الباقلاني: من عزم على المعصية بقلبه ووطن عليها نفسه؛ فإنه يأثم.. ومن همَّ بمعنى خطر على قلبه ولم يستقر فهو معفو عنه، والاتفاق على المؤاخذة بأعمال القلوب.. (فتح الباري: 11/ 334).. وقال النووي: وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمؤاخذة على عزم القلب المستقر كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) (النور: من الآية 19)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: من الآية 12).. وقد تظاهرت نصوص الشرع وإجماع العلماء على تحريم الحسد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب وعزمها والله أعلم (النووي: 1/ 337)، وقال ابن الجوزي: "إذا حدث نفسه بالمعصية لم يُؤاخذ، فإن عزم وصمَّم زاد على حديث النفس، وهو من عمل القلب" (فتح الباري: 11/ 335).   - الفرق بين الهم والعزم: قسَّم بعض العلماء ما يقع في النفس.. حتى يظهر الفرق بين الهم والعزم.   1- أضعفها أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنه، وهو دون التردد.   2- أن يتردَّد فيه، فيهمُّ به، ثم ينفر عنه فيتركه.. ولا يستمر على قصده.. وهذا معفو عنه.    3- أن يميل إليه، ولا ينفر عنه؛ لكن لا يصمم على فعله، وهذا همٌّ فيُعفى عنه أيضًا.   4- أن يميل إليه، ولا ينفر عنه، بل يصمم على الفعل، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم.   * والعزم على قسمين: (أ) أن يكون من أعمال القلوب كما لو شك في الوحدانية، فهذا كفر وهو إثم يعاقب عليه، أو أن يكون معصية دون كفر، كمن يحب للمسلم الأذى، وكمن يحب ما يبغضه الله لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)) (النور).   (ب) أن يكون العزم على أعمال الجوارح كالزنا والسرقة، وهذا وقع فيه الخلاف: فذهبت طائفة إلى عدم المؤاخذة حتى يقع الفعل، للحديث "من هم بسيئة فلا تكتب عليه حتى يعملها".. ومذهب كثير من العلماء بالمؤاخذة على العزم المصمم، فقد سأل ابن المبارك سفيان الثوري: أيؤاخذ على العزم المصمم؟ قال: إذا جزم به. (راجع فتح الباري: 11/ 335 بتصرف).   موقف القانون الوضعي: تنص المادة "45" من قانون العقوبات على: "ولا يعتبر شروعًا.. مجرد العزم.."، ويقول عبد القادر عودة رحمه الله: مرحلة التفكير والتصميم لا تعتبر جريمة ولا مرحلة التحضير، أما مرحلة التنفيذ، فتعتبر جريمة.. راجع: (التشريع الجنائي الإسلامي جـ1/ 342 وما بعدها بتصرف واختصار).. إذا عرفنا ذلك التفصيل سهل علينا معرفة كتابة الحسنات والسيئات.   (1) الهم بالسيئة: 1- إن "مَن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة"، هذا إن تركها خشية من الله تعالى، وذلك للحديث السابق: "إنما تركها من جراي" أي من أجلي.. ولأن تركها قد نسخ قصدها، وخالف هواه، والترك هنا يعني أنه قدر على فعلها؛ لأنه لا يسمى تاركًا إلا مع القدرة، فإن تركها نسيانًا وذهولاً عنها، فهذا لا له ولا عليه، لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًّا.. أما من عزم على السيئة وأصر عليها، وسعى في أسبابها، والتلبس بما يقرب منها؛ فهذا يتنزل منزلة فاعلها وإن لم يفعلها، من ذلك مثلاً:   أ- جاء في الصحيحين "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار"، قال: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (البخاري: 31، ومسلم: 2888)، والحديث هنا يعاقب على مجرد العزم والتصميم ولو لم يحدث قتل.. وأمرهما إلى الله؛ حيث لا يعلم ما في النيات إلا الله.. قال البعض: يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه، وقيل: إن أراد أحد قتله دفع عن نفسه، وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين، واتفق أهل السنة أن الصحابة رضي الله عنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد منهم، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أن له أجرًا واحدًا.   وحمل هؤلاء الوعيد بالنار المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ، بل بمجرد طلب الملك.. ويؤيده حديث البزار: "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار". (فتح الباري شرح حديث البخاري: 7083 بتصرف واختصار).   ب- أن الله سبحانه أهلك البستان وما فيه من ثمار حين عزم أصحابه على منع حق المساكين ونزلت (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) (ن)، فهؤلاء أعطاهم الله النعم.. جنة فيها ثمار.. فلما عزموا وأقسموا على منع حق المساكين، وغدوا وهم يظنون أنهم قادرون على ذلك.. دمَّر الله الثمار فأصبح هشيمًا تذروه الرياح (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)) (ن).. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان؛ لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعُوقبوا قبل فعلهم.. ونظير هذا "إذا التقى المسلمان بسيفهما".. الحديث" (الجامع لأحكام القرآن: 6720 طبعة الشعب).   2- أما من همَّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة. (2) الهم بالحسنة: 1- من همَّ بحسنة، ولم يعملها، كُتبت له حسنة.. ويشترط في هذا أن يشهدها قلبه، للحديث: "فمن همَّ بحسنة حتى يشعرها قلبه، ويعلم الله ذلك منه كتبت له حسنة.." (أحمد: 4/ 346)، وفي رواية: "يعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها.." (أحمد: 4/ 345: 18936)، وجاء في شرح الأحوذي: قال ابن حبان المراد بالهم هنا العزم، ويحتمل أن الله يكتب الحسنة بمجرد الهم بها، وإن لم يعزم عليها زيادة في الفضل.." (شرح حديث الترمذي: 3073).   2- فإذا عملها كُتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. - فضل الله في الحسنات والسيئات: إن الحسنة تكتب بمجرد الهم بها وإن لم يعملها، والسيئة لا تكتب بمجرد الهم بها حتى يعملها.. وإن عمل الحسنة فهي بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، قال ابن حجر: في هذا دليل على أن تضعيف حسنة العمل إلى عشرة مجزوم به، وما زاد عليها جائز وقوعه؛ بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم وحضور القلب وتعدي النفع كالصدقة الجارية والعلم النافع والسنة الحسنة وشرف العمل ونحو ذلك. (فتح الباري: 11/ 333)، كما أن عمل السيئة لا يُضاعف.. وفي هذا بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، لولا ذلك كاد لا يدخل أحد الجنة؛ لأن عمل العباد للسيئات أكثر من عملهم الحسنات. (فتح 11/ 336)، وقال القاضي عياض: "فمن حرم هذه السعة، وفاته هذا الفضل، وكثرت سيئاته؛ حتى غلبت مع أنها أفراد والحسنات متضاعفة، فهو الهالك المحروم" (النووي شرح حديث مسلم: 131).   ومن رحمته وفضله تعالى أن فتح أبوابًا كثيرة للحسنات، وجعل أسبابًا كثيرة لمحو السيئات، منها عمل الحسنة بعد السيئة والتوبة والاستغفار، والباب بعد مفتوح بالليل والنهار.   اللهم افتح لنا أبواب رحمتك.. وقنا عمل السيئات.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل