المحتوى الرئيسى

رسالة من "عادل القاضي" لرؤساء التحرير

04/27 10:10

فقدت الصحافة المصرية برحيل عادل القاضي كاتبا قديرا وصحفيا متمرسا، وقلما جريئا في الحق، يعد بحق نموذجا وقدوة يحتذى به لرؤساء التحرير، الذين يظن بعضهم أن رئاسته لصحيفة أو موقع،عملت لفترة قصيرة مع الراحل عادل القاضي، لكني تمرست في المهنة لأكثر من 12 عاما في عشرات الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية في مصر والخارج، وشهادة حق أمام الله، أقول إنه من النادر في بلاط صاحبة الجلالة ذات الايقاع السريع، والصخب العالي، أن تجد رئيس تحرير يؤدي الصلاة في وقتها، بل يذهب بنفسه يحث المحررين وطاقم العمل بابتسامة ضاحكة، وهو يبحث عن إمام من الزملاء في عمر أبنائه يأتم به.لا يفوته الصف الأول، في الوقت الذي يعتبر بعض رؤساء التحرير، تحررهم وتعاطيهم الخمور وهجرهم للصلاة سبيلا للترقي في دولة الظلم والأمن التي سقطت بلا رجعة، بل إن بعضهم كان يعتبر المحافظة على الصلاة تعطيلا عن العمل، وربما تضيع على صحيفته أو موقعه انفرادا، وهناك موقع الكتروني شهير يوفر العديد من المكاتب المكيفة لرؤسائه ومحرريه، في حين يضع حصيرا خارج مقر الموقع بجوار سلم العقار لأداء الصلاة، وكأنها شيء مهمل لا قيمة له!.كنا نصلي مع القاضي العادل، يأتم معنا، ويختم الصلاة، ويعقبها بالنافلة، ويخرج لمتابعة العمل، وكأنه حصل على طاقة روحانية تدفعه لإنجاز المزيد.تلقيت منه مكالمة الساعة 12 ليلا أول أمس الأحد، فقد أبى وهو في إجازته إلا أن يكون متابعا للعمل يطلب مني نشر فيلم وثائقي عن الثورة أذاعته إحدى القنوات.على غير الكثيرين من رؤساء التحرير وقد عملت مع بعضهم في صحف تقول إنها "ليبرالية"، كان يشعرنا بأننا نؤدي رسالة، يحرص أن يبعث هذا المعنى في اجتماعاتنا معه، يقول لنا: "هذا الجهد والعمل لا بد أن نشعر ونحن ننجزه أننا نؤدي رسالة.. ليس بهدف المال والشهرة..لكن يجب أن يكون المعنى حاضرا في أذهاننا".كان يكسر الحواجز بسرعة وتلقائية بينك وبينه، لا تشعر معه أنه رئيس تحرير، وأنت محرر، فيطلب منك أن تؤمه في الصلاة، ويستمع لك بإنصات، ولا يكابر في أن يأخذ برأيك وقد تعدى الفارق في الخبرة بينك وبينه خمسة عشر عاما أو يزيد.طلبت منه أن أكتب موضوعا عن السلفيين، فقال لي: "ليتك تنصحهم ولا تهاجمهم فكفى حربا شنت ضدهم في مواقع أخرى"، فقد كان رحمه الله لا يهوى مجرد الهجوم على أشخاص أو هيئات كما يفعل البعض، بل كان حريصا على إعمال قواعد المهنية والموضوعية، والذود عن المعاني السامية والقيم النبيلة، وإعطاء كل ذي حق حقه.طلب مساءً عشاء له ولصديقه الوفي رئيس التحرير عادل صبري، فإذا به يبعث إلى ويطلب مني دعوة أعضاء القسم لمشاركته الطعام، وببساطة يحسد عليها يعد عددا من السندويتشات للزملاء المتواجدين بالبوابة ممن يواصلون العمل ليلا، حتى تحول العشاء إلى وليمة تقاسمها خمسة عشر زميلا.قد تندهش عندما تجده يتناول الغداء مع عامل النظافة أو البوفيه، لكنه بتواضعه الجم كان بحق نموذجا صالحا يسير على الأرض.له من اسمه نصيب، وأدبه الجم وتواضعه ومهنيته أمور يجب أن يحتذى بها، خاصة من رؤساء التحرير الذين يتناسون أن أقلامهم ستكون حجة لهم أو عليهم، وأن صحفهم ستنضح بين يدي المولى بما كتبوه ونشروه، "يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ".رحل القاضي وابتسامته لا تفارق أذهان من عملوا معه، وأمانة الرسالة التي تركها في أعناقنا لن تراوحنا، وعبرة الموت خير واعظ لمن أراد واعظا.وكأني به ينصح زملاءه من رؤساء التحرير أن تواضعوا، واتقوا الله فيما تكتبوه، وفيمن يعمل معكم، دون كبر أو غرور، فالمنصب إلى زوال، والقلم شاهد لك أو عليك.أحبك في الله.. لم أقلها لكم في الدنيا، لكني أقولها الآن وقد رحلتم، آملا أن تكون إجابتكم"أحبك الله الذي أحببتني من أجله"، لعل الله يجمعنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.اللهم ارحم القاضي وأسكنه فسيح جناتك، وأنعم عليه برؤية وجهك الكريم، وارزقه رفقة النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، واجمعنا به إخوانا على سرر متقابلين..اللهم آمين. 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل