المحتوى الرئيسى

كم يكفيهم من الأرواح ... لـ«يتنحوا»؟!

04/27 09:19

عبد الرحمن الخطيب في تونس بعد مضي أسبوعين من انطلاقة الثورة الشعبية ضد الرئيس السابق زين العابدين بن علي، واستشهاد أكثر من 100 شهيد، ألقى ابن علي خطابا، اتهم فيه الثوار بأنهم حثالة من المجرمين والمخربين، وأنزل قوات الأمن لقمع المتظاهرين. وفي الوقت نفسه عزل وزيرين هامشيين، إمعاناً في استغباء شعبه، هما: وزير الشباب والرياضة، ووزير الشؤون الدينية. وحين اتسع نطاق المظاهرات ووصل عدد الشهداء إلى 150 شهيداً، عزل وزير الداخلية. وحين عمت المظاهرات أنحاء تونس خاطب شعبه بقوله: أنا الآن فهمتكم يا شعب تونس، وركب طائرته وفر بجلده. في مصر بعد أن وصل عدد المدنيين الذين استشهدوا إلى 200 شهيد، ألقى الرئيس المصري السابق حسني مبارك خطاباً، قال فيه: إن مصر بخير، وإن الثوار ليسوا إلا حفنة من المخربين واللصوص. وحين وصل عدد الشهداء إلى 250 شهيداً أقال الوزارة، ظناً منه أن الأمور ربما تهدأ. كان مبارك يتأخر عن موعد إلقاء خطابه لعل الله يأتي لـه بمعجزة تنقذه مما هو فيه؛ ثم خطب ووعد بأنه لن يورث ابنه جمالاً الحكم، وفي الوقت نفسه أرسل بعض بلطجية النظام للهتاف باسمه ولترهيب المتظاهرين. ليصل عدد الشهداء إلى 350 شهيداً، حينذاك، تنحى عن الحكم. في ليبيا بعد مضي أسبوعين من استيلاء الثوار على أكثر من 70 في المئة من الأراضي الليبية، وبعد استشهاد 150 مدنياً، صرح الرئيس الليبي معمر القذافي لإحدى الصحف الغربية، حين سألته الصحفية عن رأيه في المظاهرات الشعبية في بلاده، بأنه لم يسمع بتلك المظاهرات أبداً. في الأسبوع الثالث خاطب شعبه واتهم المتظاهرين بأنهم حفنة من الجرذان والحشاشين وأمعن في تقتيلهم. وفي الأسبوع الخامس، بعد أن تجاوز عدد القتلى من المدنيين الألف، اتهم القذافي الثوار بأنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة. وعلى هذا الأساس ما زال ينكل بشعبه كل يوم ليلَ نهار. في اليمن بدأت المظاهرات قبل تونس ومصر، ولكنها اشتدت حين سقط النظامان التونسي والمصري. وحين وصل عدد الشهداء المدنيين إلى 100 شهيد اتهم الرئيس اليمني علي صالح أمريكا بأنها وراء هذه المظاهرات؛ ثم ما لبث أن اعتذر وسحب كلامه بعد مضي أقل من 12 ساعة. وألقى خطاباً ضمنه بأنه لن يورث ابنه الحكم، وأنه لن يترشح للرئاسة عام 2013م. وأنزل قواته الأمنية فقتلت الكثير منهم، واتهم أصحاب المحلات والعمارات المطلة على ساحة التغيير بأنهم وراء تلك المجزرة. وحين وصل عدد الشهداء إلى 200 شهيد، اتهمهم بأنهم إرهابيون وأتباع لبعض التنظيمات الإسلامية المتشددة. وأضحى يلقي خطبة عقب كل صلاة جمعة في ساحة مؤيديه. في سورية صرح الرئيس السوري بشار الأسد لصحيفة وول ستريت بتاريخ 31/1/2011م بقوله: إن ما حصل في تونس ومصر لن يطال سورية. ولم يمض شهر على هذا التصريح حتى رأى العالم، على بعض القنوات الفضائية، مظاهرات متواضعة في سوق الحمدية في مدينة دمشق. وبعد عدة أيام كتب بعض طلاب مدرسة في المرحلة المتوسطة في مدينة درعا على جدار مدرستهم جملة "يسقط بشار الأسد"؛ فأصدرت الأوامر باعتقال المدير والمعلمين والطلاب كافة. وبقي 15 تلميذا في السجن لمدة أسبوع، أفرج عنهم بعدها. وحين رأى أهلوهم آثار التعذيب الواضحة على أجساد أولئك الأطفال، انتفضوا غضبا في شكل مظاهرة، مطالبين بمحاسبة المتسبب؛ فجاءت الأوامر بقتل المتظاهرين، مما نتج عنه استشهاد 68 وجرح المئات. وحين نقلت معظم وسائل الإعلام العالمية هذا الحدث اعترفت أجهزة الإعلام السورية لأول مرة بأن هناك مظاهرات، ولكنها اتهمت منظمات فلسطينية بأنها وراء الأحداث. وفي اليوم التالي تغيرت الرواية الرسمية إلى أنهم جماعة مسلحة مندسة جاءت من الأردن، وعرض التلفزيون السوري أسلحة نارية ونقوداً كان قد وضعها الأمن السوري في مسجد العمري، ليتهم المتظاهرين بأنهم لجؤوا إلى العنف. ثم بدأت الفبركات الإعلامية لاستغباء الشعب، فتارة كانت القناة الفضائية السورية تعرض فلماً مطولاً عن اكتشاف السلطات السورية لجاسوس مصري، تدرب في إسرائيل على يد الموساد. وتارة تعرض فلماً حول اكتشاف السلطات السورية كيف يضع الشباب المعترضون على النظام الدم على أجسادهم عمداً. ويظهر في الفلم المفبرك، نتيجة لغباء المخرج، أحذية رجال الأمن. وتارة أخرى تعرض تمثيلية سمجة أن بعض رجال العصابات المسلحة تطلق النار على المتظاهرين. وخرج بعض المسؤولين في الإعلام السوري ليقولوا: إن من كان يدوس على المتظاهرين المدنيين في قرية البيضا التابعة لبانياس هم رجال البشمركة الأكراد في العراق. ثم تكشفت الحقائق وعزل مدير الأمن السياسي في بانياس. حين انتشرت رقعة المظاهرات في الكثير المدن السورية تحولت بوصلة الاتهام عند النظام السوري إلى أن سعداً الحريري هو الذي يدعم المخربين، وأنهم اكتشفوا سفينة مليئة بالأسلحة جاءت من طرابلس متجهة إلى ميناء اللاذقية. وحين وصل عدد الشهداء إلى 150 شهيداً اتهم النظام نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام، ومعه الأمير بندر بن سلطان. فأضحت هذه الأسماء الثلاثة على لسان كل مذيع في القنوات الفضائية. وحين تفاقم أعداد المتظاهرين وانتشروا في كل أنحاء سورية، لم تعد بوصلة الاتهام تقف عند اتجاه معين بذاته لمدة يوم واحد. واتسعت نظرية المؤامرة عند النظام لتشمل هذه المرة أغلب القنوات الفضائية العربية والغربية بأنها تدعم المحتجين. وشملت نظرية المؤامرة أيضاً السلفيين. فأصبح كل سلفي في سورية وخارجها ضمن دائرة الاتهام. وترافق مع هذا الاتهام الأخير عرض كمية من الأسلحة ادعى النظام أنها كانت قادمة من العراق. ليبدو الأمر كأن التنظيمات الإسلامية قد انتهت من تحرير العراق، وفاض لديها بعض السلاح فأرسلته إلى سورية، لمساعدة السلفيين. حين وصل عدد الشهداء من المتظاهرين في سورية إلى 250 شهيداً وقع بشار الأسد مرسوماً يقضي بإلغاء الأحكام العرفية وقانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة، وفي اليوم التالي لإصدار تلك المراسيم، وبعد صلاة الجمعة، قتل رجال مخابراته 150 شهيداً، ليصل عدد الشهداء إلى 400 شهيد. وما زال الإعلام السوري يقول: إن من قتلهم ليسوا رجال الأمن بل المندسون. *نقلا عن "الحياة" اللندنية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل