المحتوى الرئيسى

بعيداً عن جلد الذات بقلم:د. خالـــــد الخاجــة

04/26 21:15

طالبت مرارا وسأظل، بأن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس الأولى في مدارسنا وجامعاتنا الحكومية والخاصة وتسبق كل اللغات، لأن اللغة العربية ليست مجرد لغة، فهي الهوية والشخصية والأنس والونس، وهي الاتساق مع الذات والتاريخ، والارتباط بالوطن في زمن وهن هذا الارتباط وتراخي في ظل حالة من الخلع الدائم للجذور، تحت دعاوى العولمة تارة والتحديث تارة أخرى، وكأن اللغة هي العائق لكل ذلك. وأن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس، لا يعني أننا ننحاز للغتنا، ولكن يعني أننا نتعلم أفضل، لأنها الأغنى والأقدر على إيصال المعلومة بشكلها السليم، وإذا تعلل البعض بأن لغة العلم واحدة وهي التي تفرض نفسها على أبناء المعمورة للسعي وراءها، فإن لهذا الطرح وجاهته. هنا التساؤل، هل إذا أصبحت الصين هي القوة العظمى في العالم في غضون السنوات القادمة ـ وهذا أمر وارد ـ وجب علينا أن نتعلم اللغة الصينية لكي نتقدم، وهي التي ما زالت تستخدم اللغة الصينية في التعليم والأدب والفكر؟ على الجانب الآخر، كيف استطاعت فرنسا أن تتبوأ هذه المكانة الكبيرة في الطب، وهي التي تعتمد اللغة الفرنسية في تدريس كافة العلوم الإنسانية والطبيعية، لدرجة أصبحت مقصدا للاستشفاء من شتى أرجاء الأرض لمن عز عليه العلاج؟ ألم يحي الكيان الغاصب لغة منسية لا يتحدث بها سوى بضعة آلاف، وجعلها لغة التدريس في جامعاته وبها أصبح لها تصنيف عالمي غابت عنه جامعاتنا العربية؟! ولست وحدي من دعا إلى أهمية الجمع بين الجانب النظري والتطبيقي في مناهجنا الدراسية، وأن تكون منطلقاتنا في وضع المناهج تضع المحافظة على الهوية العربية والذاتية الثقافية، على رأس الأولويات غير مكتفية بنقل تجارب من دول غربية قد لا تصلح في بعض جوانبها للتطبيق في بيئتنا. وأتعلل في ذلك بالمنطق ومحددات البحث العلمي وشواهد الواقع، التي تقول بأن اختلاف البيئة وثقافة الأفراد ومنظومتهم القيمية، تتطلب إطارا عاما يتناسب مع ذلك. وطالبت بألا تكون مناهجنا معنية فقط بحشو مخ الطالب، بمجموعة من المعلومات التي لا يجد سبيلا للاستفادة منها أو تطبيقها على واقع لم تضعه تلك المناهج في الاعتبار عند تصميمها، لنؤكد أن ما نعاني منه في مجال التعليم وليد تراكمات ترسخت عبر سنوات. ولست وحدي من تفرد بذلك، ولكن كشأن كل المحبين لتراب هذا الوطن، قاله الكثيرون من منطلق حب للوطن ورغبة صادقة في أن يكون دائما في المقدمة، لأنه يستحق أن يكون كذلك، وليس من باب إغماط حق الغير وإهالة التراب على الجهود التي تبذل في مجال التربية والتعليم، لتجويدها في ظل الحراك المستمر والإصلاح الدائم، ولكن من منطلق أن حب الوطن لا ينبغي فقط أن يكون بترديد عبارات «كله على ما يرام» وأن «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، ولكن يمكن التعبير عن حب الوطن والثناء على الجهود المبذولة، بإلقاء الضوء على إشكاليات قائمة يجب البدء في حلها والتخلص منها، لتكتمل الصورة وتزداد بهاءً. كما أن القائمين على المؤسسة التعليمية في بلادنا، يهمهم ذلك ويسعون إليه، لأنه مكمل لما يقومون به. ولم تكن تلك الآراء من باب جلد الذات أو الدعوة إلى أن نلبس أكفاننا وندخل قبورنا لعجزنا عن الفعل، لكن من باب سددوا وقاربوا، وأن النقد الذاتي هو أول خطوات النجاح والبحث عن المخرج من كل مأزق. أقول ذلك بعد أن استوقفني خبر قرأته في إحدى الصحف المحلية، مفاده أن خبيرة في إحدى الشركات الدولية المتخصصة في وضع خطط النهوض بالتعليم في مناطق مختلفة من العالم، أوضحت بعد دراسات مستفيضة أن مستوى طلبة الإمارات ينحصر بين ضعيف ومقبول، وأن مستوى المدارس كذلك يقع بين ضعيف ومقبول، جاء ذلك من خلال ورقة قدمتها مسؤولة الشركة في ورشة عمل، وعزت هذه النتائج «الضعيفة» إلى نظام التعليم المختلط، ووجود مدارس خاصة وأخرى حكومية، وعدم استمرارية الجهود المعنية بتطوير التعليم، كما أن التقييمات متغيرة وليست ثابتة، مشيرة إلى أننا بحاجة إلى مزيج من الموارد البشرية والعمليات المدرسية والمباني، وإلى أن «الموارد وحدها لن تحقق النجاح، فلا بد من وجود المثلث مجتمعا». وتوقفي عند هذا الخبر يعود لسببين رئيسيين، أولهما: ما الجديد الذي أتت به مسؤولة الشركة الدولية المتخصصة عن كيفية الارتقاء بمستوى التعليم في دولة الإمارات؟ ألم يبحّ صوت كل أبناء الوطن للمناداة بما توصلت إليه هذه الشركة بعد دراسة مستفيضة على حد قولها؟ ألم يناد المخلصون والمتخصصون بما جاءت به ليل نهار وزدنا عليه؟ أم أن زامر الحي لا يطرب، ولا صوت يعلو فوق صوت الشركات الدولية، مهما كان ما تتمخض عنه دراساتها المستفيضة من نتائج! ثانيا: كنا نود معرفة العينة التي اعتمدت عليها هذه الشركة، لكي يصبح تعميم تلك النتيجة أمرا ذا بال، حيث إن تعميمها هكذا، في تقديري إجحاف كبير لنظام التعليم في الدولة، لأننا لا ندري ما هي المقاييس المعيارية التي رجعت إليها للحكم على مخرجات التعليم، والتي لا ننكر أن فيها خللا، لكي نعمم مثل هذه النتائج. كما أن وصف مخرجات تعليمنا بأنها بين الضعيف والمقبول على عمومه، فيه إجحاف بالعناصر المتميزة والكفاءات من أبنائنا وبناتنا الذين أثبتوا نجاحات على أرض الواقع، ويتناقض مع ما أكده التقرير ذاته من زيادة أعداد الطلبة الذين يلتحقون بالتعليم العالي، دون الحاجة إلى الالتحاق بالبرنامج التأسيسي، وهذا مؤشر جيد. كذلك فيه ظلم للجهود المبذولة لتجويد العملية التعليمية، والتي نراها أمامنا ونوجه سهام النقد إلى بعض جوانبها، رغبة في أن نراها على أحسن وجه، لا لإشاعة حالة من الإحباط ورسم صورة سوداوية عن واقع ليس كذلك على إطلاقه، ثم أليست النظم التعليمية في دولة الإمارات مستقاة في كثير من أصولها من المدارس العالمية التي ترجع إليها هذه الشركات في الحكم؟ إذاً أين الخلل؟ وما هو سبيل الخروج الذي لا أرى سبيلا غيره، سوى أن تكون مدارسنا عنوان حضارتنا بقيمها وتراثها، وأن تكون اللغات الأجنبية لغات لتحصيل العلوم، وليس للتعليم، وأن ننفتح على كل المدارس التربوية العالمية، لننتقي منها ما يناسبنا ونحن واقفون على أرض صلبة، ولدينا ثقة في ما نملكه، وآمل في غد أحسن لأبنائنا.. بعيدا عن جلد الذات. د. خالـــــد الخاجـــــــــة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل