المحتوى الرئيسى

الإسلام والمواطنة.. توافق أم تضاد؟ (1)

04/26 20:39

عامر شماخ لم يخلق الله تعالى كائنًا على الأرض أعز وأكرم من الإنسان.. لقد جعله خليفته في أرضه.. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)﴾ (البقرة)، فصارت عزته من عزة الله، وكرامته من كرامته.   ففضّله لذلك على كثير ممن خلق، من أهل الأرض والسموات.. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾ (الإسراء)، وهذا ما جعل إبليس اللعين يحقد عليه ويتفرغ للكيد له.. ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (62)﴾ (الإسراء).   وبهذا الاستخلاف يكون الإنسان سيد هذه الأرض، ومن أجله خلق الله كل شيء فيها، فهو إذًا أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعًا، ولا يجوز إذًا أن يستعبد أو يستذل لقاء قيمة مادية أو شيء مادي، ولا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة، ولا أن تُهدر أي قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي مكسب مادي.. فهذه الماديات كلها مخلوقة -أو مصنوعة- من أجله، من أجل تحقيق إنسانيته، ومن أجل تقدير وجوده الإنساني، فلا يجوز إذًا أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية أو نقص مقوِّم من مقومات كرامته».   ولقد تنوعت مظاهر هذا التفضيل وذلك التكريم، فحُرّم قتله.. ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32)، "لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه كان أول من سنَّ القتل" (مسلم).   وحُرِّمت إهانته، حيًّا أو ميتًا، أيًّا كان لونه أو جنسه أو دينه.. كان النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فطلعت جنازة فلما رآها قام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، قال: "أليست نفسًا" (البخاري).. لأن البشر جميعًا، على الخلافات التي بينهم، خُلقوا من مادة واحدة هي التراب، ومن أب واحد، هو آدم؛ فلِمَا إذًا التمييز؟! ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ (الحجرات).   لا يحق لآدمي أن يهين أخاه، أو يستعبده، أو يذله.. يقول عمـــر- رضي الله عنه-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!".   لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن القيام إذا دخل عليهم كما يفعل العبيد مع أسيادهم، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس، ونهاهم عن الانحناء له.. ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه (عبدي وأمتي)، بل يقول (فتاي وفتاتي)، وعلل ذلك بقوله: "كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله" (مسلم).   لما توغل المسلمون في مصر فاتحين وقفوا أمام حصن بابليون، فرغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدًا، فأرسل عمرو بن العاص عشرة نفر فيهم عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- وكان أسود شديد السواد، طويلاً.. وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام.   فلما وصلوا إلى المقوقس هابه لسواده، وقال لهم: نحُّوا عني هذا الأسود وقدِّموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد: إن هذا الأسود، أفضلنا رأيا وعلمًا، وهو خيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره.. فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا، وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا سابقة، وعقلا ورأيا، وليس ينكر السوادُ فينا.   فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود، وكلمني برفق، فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك على ازددت لك هيبة.   فقال عبادة؛ وقد رأى فزع المقوقس من سواده: إن في جيشنا ألف أسود، هم أشد سوادًا مني، وليس في عقيدة المسلمين ظلم الآخرين، أو التعدي عليهم، ولو كانوا كفارًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)﴾ (المائدة)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: من الآية90).   وهناك فرق كبير بين الاستعلاء الإيماني الذي يقطع علاقة المسلم بالجاهلية، والاستعلاء الكاذب الذي يحمل المرء على الكـبر، وتجـاوز الحـد، وظلم الآخرين، وانتقاصهم حقوقهم.   لقد ضرب جبلة بن الأيهم، آخر ملوك الغساسنة، المثل في العزة المؤثمة والاستعلاء الكاذب، فكانت عاقبته سوءًا.. فقد كتب جبلة إلى عمر- رضي الله عنه- يعلمه بإسلامه ويستأذنه في الوفود عليه، فسُرَّ بذلك هو والمسلمون، فكتب إليه عمر: أن أقدم فلك ما لنا وعليك ما علينا، فقَدِم في خمسمائة فارس، فلما دنا من المدينة ألبسهم الوشي المنسوخ بالذهب والحرير الأصفر، وجلل الخيل بجلال الديباج، وطوقها بالذهب والفضة، ولبس جبلة تاجه وفيه قُرطا مارية، فلم يبق بالمدينة أحد إلا خرج للقائه، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه، ثم حضر الموسم من عامه ذلك، فبينا هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجلٌ من فزارة فحلّه، فالتفت إليه جبلة مُغضبًا ولطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه إلى عمر رضي الله عنه، فبعث إليه يقول: ما دعاك إلى أن لطمت أخاك فهشمت أنفه؟   - قال: إنه وطئ إزاري فحلّه، فلولا حرمة البيت لأخذتُ الذي فيه عينيه. فقال له عمر: أمَّا أنت فقد أقررت، فإما أن تُرضيه وإلا أقدته منك.   - قال: أتُقِيده مني وأنا ملك وهو سوقة؟   - قال عمر: يا جبلة إنه قد جمعك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعافية.   - قال: والله لقد رجوت أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية.   - قال عمر: هو ذاك.   - قال: إذًا أتنصَّر.   - قال: إن تنصَّرت ضربتُ عنقك.   - فقال جبلة: أخِّرني إلى غد يا أمير المؤمنين.   - قال: ذلك لك.   فلما كان الليل خرج هو وأصحابه فلم يلبث أن دخل القسطنطينية على هرقل فتنصر، فأعظم قدومه وسُرَّ به، وأقطعه الأموال والأرضين والرباع»(1).   لقد أعز الله المسلمين بالإسلام، وقطع به فساد الجاهلية وموروث الظلم والظلام الإنساني.. وحينما وقع بعض الصحابة في المحظور، لقرب عهدهم بالجاهلية، فتعصبوا لقبائلهم، ورفعوا راياتها، ردّهم المصطفى الهادي صلى الله عليه وسلم إلى إسلامهم ردًّا جميلا، مذكّرًا إياهم بفضل الدين عليهم؛ هذا الدين الذي يقيس الناس بمقاييس التقوى والإيمان، والتواضع والورع، وليس بمقاييس العنجهية والتفاخر بالآباء والأجداد.   إنه الإيمان الذي يرعى الضعيف، ويسر الحزين، ويواسي المكلوم، ويقيم العدل بين الناس، مقتصًّا من الظالم بلا مهادنة أو مساومة.   خطب عمر بن الخطاب- في وقت خلافته- في الناس، في وجود الولاة قال: إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، ويشتموا أعراضكم، ويأخذوا أموالكم، ولكن استعملتهم ليعلّموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي يرفعها إلى حتى أقص منه، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن أدَّب أميرٌ رجلاً من رعيته؛ أتقصه منه؟!، قال عمر: ومالي لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه؟.   وعلي هذا فإن الإسلام يحذِّر المفرطين في حقوق الإنسان، حاكمين ومحكومين، يحذِّر الحكام؛ لأن منهم من يستخدم سيفه وذهبه لتركيع الناس له، والتسبيح بحمده، حتى يخشوه أكثر من خشيتهم لله، ويحذر المحكومين؛ لعجزهم وهوانهم وانكسارهم أمام حكامهم؛ فلا يستطيعون ردهم عن الحكم بالهوى، ولا يقوون على أمرهم ونهيهم وتبصيرهم بالحق.. وأمثال هؤلاء المحكومين يميتون في الأمة فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي من أجل الإصلاح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنه ستكون بعدي أمراء، من صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولستُ منه، وليس بوارد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد على الحوض" (النسائي).   أخرج الحافظان الطبراني وأبو يعلي: أن معاوية بن أبي سفيان صعد المنبر فقال عند خطبته: إنما المال مالنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه.. فلم يجبه أحد.   فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك فلم يجبه أحد، فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال: كلا، إنما المال مالنا والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا.   فنزل معاوية فأرسل إلى الرجل فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل، ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير.   فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون بعدي أمراء يقولون ولا يردُّ عليهم يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة" وإني تكلمت أول جمعة فلم يردَّ عليَّ أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يردَّ على أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم ثم تكلمت في الجمعة الثالثة فقام هذا الرجل فردَّ عليَّ، فأحياني أحياه الله.   حب الوطن من الإيمان أوطان الناس قطعٌ من أكبادهم، وحبها أمرٌ فطري جُبلوا عليه، وهكذا جميع المخلوقات، فالطير والأنعام والأسماك وغيرها، سرعان ما تعود إلى بلادها التي تركتها من أجل السعي على الرزق، مهتدية بفطرتها إلى أوطانها التي نشأت على أرضها وترعرعت بين جنباتها.والوطن هو مهد الصبا، ومدرج الخطى، ومرتع الطفولة، وملجأ الكهولة، وموطن الآباء والأجداد، والأبناء والأحفاد.. وهو يحقق معنى الاستخلاف في الأرض ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:من الآية 61).   ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ودَّع مكة وطنه حين الهجرة، وداع الآسف على فراقها وترْكِها.. عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" (الترمذي).   ولما قَدِم أصيل الغفاري إلى المدينة بعد الهجرة، دخل على أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- قبل أن يفرض الحجاب، فقالت له: يا أصيل كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يلبث أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا أصيل كيف عهدت مكة؟. قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسلت ثمامها، وأمش سلمها، فاغـرورقت عيناه الشـريفتان وقال: "حسـبك يا أصيل لا تُحزنّا"، وفي رواية: "ويهًا يا أصيل، دع القلوب تقر".   ويؤخذ من هذين الحديثين أن حبَّ الوطن يكون في دم كل إنسان، وهـو يعدل- بل يزيد على- حب الأولاد، والأهل، والعشيرة، وهو ما جعل العرب- كما يقول الجاحظ- :«كانت إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرًا تستنشقه».   ومن هنا يؤكد علماء الإسلام 1- أن حب الأوطان من الإيمان، ولا يتخلى عن وطنه إلا منافق شديد النفاق، جاحد لا يستحق العيش على أرضه، ومن الإيمان معرفة أفضال الوطن، وضرورة رد الجميل إليه ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60)﴾ (الرحمن:من الآية 60).   2- أن خدمة الوطن ورفعته والتصدي لما يضره والدفاع عنه وقت الحاجة فرضٌ لا جدال فيه.   3- أن الوطن بالنسبة للمسلم وطنان: وطن أصغر، وهو الأرض التي ولد فيها ونشأ وتربى عليها، وهي ذات حدود جغرافية معروفة.. أما الوطن الأكبر فهو كل بلد يذكر فيه اسم الله.   4- أن حدود الوطنية الإسلامية هي العقيدة وليست الحدود الجغرافية التي صنعها المستعمر، وإذا كان البعض يعلي من قيمة الوطنية، فإن العقيدة تستوعب جميع هذه القيم، فبداخلها وطنية الحنين، ووطنية الحرية والعزة، ووطنية المجتمع التي تقوى الرابطة بين أفراد القطر الواحد.   5- أن الإسلام لا يعترف بقبلية أو عصبية، بل يعتبرهما جاهلية.. وهو يعلي- في الوقت ذاته- من قيم الحرية والعدل والمساواة، فماذا لو تعارضت هذه القيم مع أعراف هذا الوطن أو تلك القبيلة؟.. هنا يبحث المسلم عن مكان آمن يمارس فيه شعائره بدلاً من احتمال وقوعه في دائرة الكفر والنفاق ﴿يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)﴾ (العنكبوت).. وهذا ما جعل سلمان يفتخر بإسلامه الذي حطَّم القيود، وأزال الفروق، وجعل العرب كالفرس، والفرس كالأعاجم، سواء بسواء.   التعددية في منطق الإسلام الاختلاف حقيقة كونية اعترف بها الإسلام، والتعددية في منطق الإسلام تقتضي الاعتراف بالآخر والأخذ عنه "الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق الناس بها".   والمؤمن يألف ويؤلف، يفتح عقله وقلبه للناس جميعًا، لا يستكبر على أحد، ولا يمــنُّ على أحــد، ولا يضيق بأحد، يده مبســوطة للجميع بالخير والحب والصفاء، يبــدأ الدنيا كلها بالسلام ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).   وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا، المؤمن والكافر، والعربي والأعجمي، والأسود والأبيض، والأحمر والأصفر، والرجل والمرأة.. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية 28)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي﴾ [الأعراف: من الآية 158).. وهذا يعني عالمية الإسلام من ناحية، كما يعني- من ناحية أخرى- قبوله بالتعددية، واعترافه بالآخر في المجتمع المسلم ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)﴾ (المائدة: 48)، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)﴾ (هود).   ورسالة الدين الخاتم هدفها الرحمة بجميع الخلق، على اختلاف أجناسهم وألوانهم، ونشر قيم المحبة والسلام فيما بينهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، والله- عز وجل- خلق الناس ليتعارفوا وليتعاونوا على البر والتقوى، وليوصي بعضهم بعضًا بالإيمان والحق ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)؛ والمسلمون لذلك يؤمنون بالرسل والكتب السماوية التي سبقت رسالتهم، ولا يفرقون بين نبي ونبي، أو رسول ورسول ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)﴾ (البقرة).   والإسلام أوسع الأديان صدرًا لمخالفيه، والمجتمع المسلم يستوعب الجميع، فلا يتصور أن يضيع فيه حق، أو يصاب فيه فردٌ بأذى ولو كان مخالفًا لسائر المجتمع في العقيدة؛ ذلك أن نقاط التعاون والتلاقي الإنساني أكثر مما يتخيلها البعض ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾ (آل عمران)، ومن هنا تنهي الشريعة الإسلامية أتباعها عن اضطهاد الأقليات، وممارسة الضغوط على المخالفين لهم في الدين، وتوصيهم بمناقشتهم بالود واللين، وبعدم إكراههم على اعتناق الإسلام ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت)، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية 256).. فالناس كلهم لآدم، خُلقوا من نفس واحدة وخرجوا من رحم واحد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾ (النساء).   والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التي تحض على بذل الحبِّ للآخرين، مسلمين وغير مسلمين، وعدم التفرقة على أساس الدين أو اللون أو الجنس، فالمسلم مطلوب منه القسط بين الناس جميعًا وإحقاق الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لإصلاح البشر جميعًا، ولتوصيل معاني الإيمان إلى جميع الناس.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان عفيف عن المحارم، عفيف عن المطامع" (أبو نعيم)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "لكلِّ شيء حقيقة، وما يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، وحتى يأمن جاره بوائقه" (ابن عساكر)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من الإيمان: الإنفاق في الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم" (أبو نعيم).   أما من يزعمون أن المجتمعات الإسلامية خلت من مظاهر التعددية، وحاربت كل من خالفها في عقيدتها، فأولئك زعمهم باطل وقولهم مردود عليهم، فالعدل الإسلامي يقتضي الإنصاف من النفس، والاعتراف بحقوق المخالفين ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ (المائدة)، ونظرة الإسلام إلى الناس نظرة إنسانية في المقام الأول، فهناك مساواة تامة في الجانب الإنساني: "الناس سواسية كأسنان المشط".. عن جـابـر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: مرت جنازة فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رســول الله إنهــا جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: "أو ليست نفسًا؟!، إذا رأيتم الجنازة فقوموا" (البخاري).   ونسوق لهؤلاء صورة المجتمع المسلم الباكر، الذي رغم اعتزاره بعقيدته الجديدة، إلا أن انتماءاته ودوائره الإنسانية كانت متعددة متكاملة وليست متناقضة، فكان الناس: أنصارًا ومهاجرين وغفاريين وخزرجيين، وفرسًا ورومًا.. والنبي صلى الله عليه وسلم يقسِّم الجيوش حسب القبائل، ويعقد الرايات والألوية حسب البطون والعشائر.. فما فتَّ ذلك في وحدة الدولة الإسلامية الأولى التي أعطت المثل في تماسك بنيانها، وقوة وحدتها.   إن اعتزاز الإسلام بقيمة الإنسان، واعترافه بحقوقه، هو ما يجعل لغير المسلم الحق في تكافؤ الفرص في المجتمعات الإسلامية "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، وهو ما يجعل حرماتهم مصونة، وحقوقهم مرعية، ليس فضلاً من المسلمين بل فرضًا أوجبه الله عليهم.إن آية ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون)، التي أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من 1400 سنة، تُثبت أن الإسلام وحده هو القادر على إقامة مجتمعات كاملة المواطنة، ففيها الحرية في أعلى صورها، وفيها المساواة التامة.. ولو سلمت المجتمعات من جميع الفتن، ما سلمت من الفتن الدينية إلا المجتمعات الإسلامية، التي حفظتها الشريعة من تلك الطائفية، وأسست لأصحاب الطوائف والملل الأخرى حقوقًا، يتقرب المسلم إلى الله بأدائها إليهم.. فهل بعد هذا الحق حقوقٌ أخرى؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل