المحتوى الرئيسى
alaan TV

سورة "الشعب"!بقلم:جواد البشيتي

04/26 19:03

سورة "الشعب"! جواد البشيتي مواطنون عاديون كانوا يتحدَّثون، على جاري عادتهم اليومية، في أخبار الثورات العربية، فلمَّا وصلوا في حديثهم إلى الثورة في اليمن، قال أحدهم متوقِّعاً إنَّ "المبادرة الخليجية" ستحظى بقبول أحزاب المعارضة اليمنية، فردَّ عليه آخر قائلاً إنَّ هذه المبادرة لن يُكْتَب لها النجاح؛ لأنَّ "الشعب" يرفضها. "الشعب" هي الكلمة التي استوقفتني؛ فهذه الكلمة أصبح لها الآن معناها الواضح الجلي الملموس؛ وكأنَّك عندما تتحدَّث عن "الشعب" في تونس أو مصر أو اليمن أو سورية.. إنَّما تتحدَّث عن كائن سياسي، واضح المعالم، محدَّد الهوية، يشبه "الحزب السياسي"، لجهة تعيينه، وجوداً ونشاطاً ورأياً وموقفاً.. لقد اقتحم "الشعب"، في كثير من البلاد العربية، المسرح السياسي، وأصبح لاعباً سياسياً من الوزن الثقيل، وجزءاً لا يتجزَّأ من السياسة في عالمها الواقعي الملموس، وكأنَّه الكائن الذي خُلِق من طين لازب، وظلَّ على هذه الحال قروناً من الزمن، حتى جاءت "الثورة"، ونفخت فيه من روحها، فدبَّت فيه الحياة التي هي الوجه الآخر لموت حكَّام يمثِّلون خير تمثيل الموت الحضاري والفكري والسياسي والأخلاقي..، أو "إله الموت" عزرائيل، لجهة صلتهم بشعوبهم ومجتمعاتهم. و"الشعب"، بصفته كونه كائناً سياسياً (عربياً) جديداً، خرج من أحشاء حالة الموت التاريخي التي عاشتها الأُمَّة زمناً طويلاً، يختلف عن سائر الكائنات السياسية والحزبية لجهة كونه لا يعرف من الكلام السياسي إلاَّ الجامع المانع منه، وخيره، أي ما قلَّ ودلَّ، فـ "برنامجه السياسي" لا يتألَّف إلاَّ من بضع كلمات، منها على سبيل المثال، أو أهمها، كلمة "ارْحَل!"، التي تكاد تشبه كلمة "اقْرَأ"، لجهة ضآلة عدد حروفها، وغزارة معانيها، وأهمية أثرها وتأثيرها. ومع أنَّ آية "ارْحَل" نزلت بلسان عربي (شعبي) مبين فقد استغلق على الحاكم العربي، الذي كلَّما خَطَب أثبت أنَّه الضديد للغة "الضاد"، فَهْم معانيها ومدلولاتها، فاقتضى هذا القصور، الذي يعانيه فكراً ولساناً، أنْ يُشْرَح له ويُفَسَّر معنى "ارْحَل"، فَفَهِم وأدركَ، بعد جهد جهيد، أنَّ "ارْحَل" تعني أنْ يَرْحَل عن سدة الحكم، لا عن البلد؛ لأنَّ "المحكمة" أعِدَّت له، وتنتظره انتظار جهنَّم لأصحابها. و"الشعب" مدرسة جديدة في عِلْم السياسة، تجعله في الظاهر بعيداً عن "السياسة"، منطقاً وواقعاً؛ لكن في الباطن يتأكَّد، في استمرار، أنَّه ضاربٌ جذوره عميقاً في تربتها؛ فهو لا يطيق المناورات والألاعيب الدبلوماسية، ما دقَّ منها وما عَظُم، ولا يَفْهَم "السياسة" على أنَّها "فن الممكن"؛ وكيف له أنْ يفهمها كذلك وهو الذي أثبت وأكَّد أنَّ "سياسته" هي "فن جَعل المستحيل ممكناً، فواقعاً نابضاً بالحياة"، ولا يحيد عن مبدأ "سِلْمية حراكه" ولو أغرق الحاكم ثورته في بحر من الدماء، واستنفد كل ما لديه من وسائل وأساليب لإيقاعه في شرك "العنف والعنف المضاد"، وكأنَّ "الشعب" أراد لـ "مدرسته الجديدة في السياسة" أنْ تَجُبَّ ما قبلها من مدارس، وفي مقدَّمها "مدرسة كلاوزفيتس"، التي فيها تعلَّمنا أنَّ "الحرب امتداد للسياسة"، وأنَّ "فنَّ الإقناع" يُعْمَل به أوَّلاً، فإذا اسْتُنْفِد من غير أنْ ينجح في تحقيق الهدف السياسي الكامن فيه لجأنا إلى "فنِّ الإكراه". و"الشعب"، في "مدرسته السياسية الجديدة"، أسَّس لعلاقة جديدة جيِّدة بين ثلاثة أشياء كانت، أو بدت، منفصلة من قبل، وهي "الدم" و"السيف" و"السياسة". لقد ثَبَت على "سِلْمية حراكه" و"السيف (سيف الحاكم الطاغية)" يُعْمَل في رقاب وصدور الثائرين العزَّل، فأثبت أنَّ الدم يَغْلِب السيف؛ ثمَّ أثبت أنَّ مزيداً من الارتفاع في منسوب الدم (الشعبي) الذي يريقه الحاكم يأتي، حتماً، وعلى الفور، بمزيدٍ من الارتفاع في سقف المطالب السياسية للشعب. أمَّا "الخوف" الذي به تطاول الحاكم بنيان الاستبداد والدكتاتورية فرأيناه كبضاعة تُرَدُّ إلى صانعها؛ إنَّ "الشعب" ينتزعه من قلبه ليقذفه في قلب الحاكم، فمنسوب الخوف لا يتضاءل في قلب الشعب إلاَّ لِيَعْظُم في قلب الحاكم، الذي في آخر أيَّامه يَظْهَر على حقيقته العارية من كل وهم؛ إنَّه لا يجتهد إلاَّ في أمر واحد فحسب هو "الضمانات"، فـ "الكرسي" الذي عَبَدَه حتى استعبده يصبح شيئاً يزهد عنه إذا ما ضَمِن له "الشعب" حياته مع "زينة الحياة الدنيا" من مال وبنين. في البدء، وبحسب "سفر التكوين" السياسي العربي، كان الحاكم (بأمره) ولم يكن "الشعب"؛ أمَّا عرشه فكان على بحرٍ من الدماء. "الشعب" كان كالعنقاء، أو الغول، أو عروس البحر، لجهة واقعية وجوده، فهو، على ما كان حتى اشتعال "ثورة الياسمين"، أقرب إلى "الكائن الخرافي" منه إلى "الكائن الواقعي". كان كل مُغْتَصِب للسلطة (مِمَّن يحقُّ له وحده امتلاكه، ألا وهو الشعب) يستهل بيان اغتصابه للسلطة بما يشبه الآية "باسم الشعب.."؛ وكان "الشعب"، لجهة موقف الحاكم منه، كالمرأة يعبدها الرجل ما ظلَّت مستعبَدة له؛ فإذا شقَّت له عصا الطاعة، ووعت حقوقها، وسعت إلى نيلها، أصبحت، في موقفه منها، الشيطان الرجيم. حتى أصغر حزب سياسي كان لديه من الوقاحة السياسية ما يَحْمِله على أنْ ينصِّب نفسه متحدِّثاً باسم الشعب؛ وكيف للفأر ألاَّ يلعب إذا ما غاب القط؛ ولقد كان "الشعب" غائباً مغيَّباً عن "السياسة" التي كان لها "أربابها"، يسوسون الأمور في غباء وجهل، فيَنْفذ أمرهم، فيقال "ساسة"! أمَّا الحاكم المستبد نفسه فَلَمْ يَجِد ضيراً في أنْ يتغنى بـ "الشعب"، وفي أنْ يصفه دائماً بأنَّه "مَصْدَر السلطات"، و"الشرعية السياسية"؛ وما الضير في ذلك ما دام "الشعب" كقطيع الأغنام يُعْلَف في زرائبه، لا عقل له، ولا رأي، ولا أقدام؟! ولم يكن ليُمانِع في أنْ يُنْشِد التلاميذ في مدارسه قصيدة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة.."؛ فهو كان متأكِّداً تماماً أنَّ كلام الشاعر التونسي لن يقع على أسماع شعبية تشبه سمعه؛ أمَّا الآن فعرَّفَتْهُ "ثورة الياسمين" معنى "إذا الشعب يوماً أراد الحياة.."، فقرَّر إذا ما كُتِبَت له حياة جديدة أنْ يحرِّم القصيدة وإنشادها. اليوم جاء "الشعب" وزهق منتحلو صفة تمثيله من أحزاب وقادة، فأصبح القادة مقودين، وأصبح المقودون قادة؛ ولم يبقَ على خشبة المسرح السياسي إلاَّ الحاكم بلونه الأسود، والشعب بلونه الأبيض، ولم يبقَ لدى الأحزاب السياسية من خيارٍ إلاَّ مغادرة "المنطقة الرمادية"، والانضمام، من ثمَّ، إلى هذا البياض، أو إلى ذاك السواد. وهذا الخيار إنَّما يخصُّ أحزاب وقوى المعارضة، ولا يخصُّ، مثلاً، بعض طهاة "المبادرة الخليجية" الذين ظلُّوا أسرى وَهْم أنَّ "ساحة التغيير" يمكن أنْ تؤول ملكيتها إلى "أحزاب اللقاء المشترَك"، وكأنَّ عظام منتحلي صفة تمثيل الشعب يمكنهم بقلم وورقة أنْ يُحْيوها وهي رميم! ولست بمتفاجئ بما يحاولون؛ فـ "الشعب" ما زال مفهوماً مستغلَقاً عليهم؛ و"الدولة" لا يمكنهم فهمها إلاَّ على أنَّها ثلاثية "الراعي والرَّعية والمرعى". العالم الواقعي للسياسة العربية اختلف الآن؛ وعلى كل مشتغلٍ بالسياسة أنْ يَنْظُر إلى الأمور، من الآن وصاعداً، بعينين مختلفتين، فـ "الشعب" اقتحم المسرح السياسي، وما عاد ممكناً إعادته إلى حيث كان، أي إلى حيث كان الحاكم ولم يكن من وجود (سياسي فعلي حقيقي) للشعب.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل